لا تتنحى…. لا تتنحى
لا تتنحى.... لا تتنحى / أشرف شعبان أبو أحمد
لا تتنحى…. لا تتنحى
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
لا تتنحى لا تتنحى قيلت لعبد الناصر، وقيلت للرئيس اليمني عبد الله صالح، وتقال لأي رئيس يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة للمرة الثانية والثالثة والرابعة ولمدى الحياة، طالما يحصد في كل مرة على نسبة تفوق ال90% من أصوات الناخبين، وتقال لأي قيادي ينوي الاستمرار في منصبه رغم انتهاء خدمته، من خلال ما يطلقها من تصريحات ظاهرها الرفض للمنصب، وباطنها الاستمرار فيه والتمسك بتلابيبه.
فبجانب أن هناك مواقف لا تنسى لرجال رفضوا السلطة وبريقها، ولم يفكروا في الجلوس على كراسي الرئاسة مدى الحياة، ولم يشغلوا أنفسهم بالبحث عن شرعية تمكنهم من الاستمرار في مناصبهم، كل واحد منهم أدى مهمته، ثم غادر القصر الجمهوري، ودخل مفخرة التاريخ من أوسع أبوابه، فحاز فيه فخرا من جموع المراقبين والمحللين وأعلام المؤرخين، إلا أن غيرهم لا يترك السلطة إلا بالموت أو الاغتيال أو العزل بانقلاب عسكري، وهؤلاء مكانهم مزبلة التاريخ، فكيف يقاوم أي من هؤلاء السلطة وبريقها، وماذا يفعل إذا أصبح مواطنا عاديا، فنحن في عالمنا العربي لم نتعود على ظاهرة الرؤساء الذين يتحولون إلى مواطنين عاديين، يعيشون كما يعيش المواطن العادي ويتنفسون كما يتنفس. ولعلنا نتذكر، بعد ما اعترف الزعيم جمال عبد الناصر، بمسئوليته عن هزيمة 1967م وأعلن تنحيه عن الحكم، خرجت الجماهير الهادرة مصدومة إلى الشوارع، تطالبه بالبقاء وعدم التنحي، رغم الهزيمة العسكرية المهينة، وقال أصحاب المصالح ومراكز القوي حينئذ: لا لقرار الرئيس، لن يتنحى أو يعتزل، فبحكمته تحكم البلاد، وبرشده تدار أمور العباد، فكيف نتركه وكيف يتركنا وسط الأنواء؟.
وقال غيرهم كيف نتركه بعد خراب مالطا؟. وعلى الفور احتشدت الحشود وانطلقت المسيرات والمظاهرات، المنظمة غالبا والتلقائية نادرا، تقول لا لقرار الرئيس بالاعتزال، لا لقرار الرئيس بالتنحي. وهذا الذي أعلنه جمال عبد الناصر، وصرح به صراحة، يصرح به كل القائمين على الانقلابات العسكرية في كل دول العالم، بدون استثناء، ليس لهم أطماع في السلطة، ولا يرغبون في الاستمرار في الحكم، لكن سرعان ما تتبخر الوعود، ولا يبر أحد منهم بالموعود به، بل يتنكر له ويهدره تماما، ويوجد من المسوغات والتبريرات، ما يحتم عليه البقاء، بدعوى المصلحة العامة، وقد صار المستقبل كله مرهونا باستبقائه، وإن في ذلك تضحية وتنازلا منه، ولا يملك إزاء هذا إلا الرضوخ نزولا على إرادة الشارع، وإرادة المستفيدين من وجوده في سدة الحكم. وحين عاد عبد الناصر إلى تحمل المسئولية وإلى كرسي الرئاسة، فقد أقر قاعدة حينما يفشل أي رئيس أو حتى زعيم حزب، يبادر بالتنحي فورا، من خلال تمثيلية محبوكة تدفع فيها بعض الجماهير المأجورة، والبعض الآخر من الغاضبين، إلى الخروج في مظاهرات تطالبه بعدم التنحي. ولذا فقد تكرر هذا السيناريو مرة ثانية، فبعد ما أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن عدم الترشيح لمنصب الرئاسة لفترة جديدة، وعلى طريقة أحداث يومي9&10يونيو عام 1967م وخروج الملايين من المواطنين مطالبين عبد الناصر بعدم التنحي عن الرئاسة، خرج مليون مواطن يمني في مظاهرة بأكبر ميادين العاصمة صنعاء، مطالبين الرئيس اليمني بالتراجع عن قراره، كما طالبته كافة المنظمات والنقابات بالتراجع عن قراره، وقررت ممارسة ضغوطها عليه لكي يرشح نفسه، بدعوى أن البلد في حاجة ماسة لقيادته الحكيمة ولمواصلة مسيرة البناء والتنمية التي قادها بكل حنكة واقتدار، مثل كل الرؤساء العرب، فكلهم قادوا بلادهم بحنكة واقتدار، وكلهم بلادهم في حاجة ماسة إليهم، والمواطن العربي في كل عاصمة عربية، يسأل نفسه: ماذا كان مصيرنا وماذا كنا نفعل دون حكمة وحنكة واقتدار هؤلاء الرؤساء؟.
كما أعلن ما يسمى باتحاد الشباب رفع دعوى قضائية ضد الرئيس إذا لم يرشح نفسه، فكرة جديدة وعبقرية، لم يسمع بها من قبل، وربما سنسمع بها في بلدان عربية أخرى، وقد استمر أعضاء الحزب الحاكم على مدار شهرين كاملين في إطلاق مسيرات وحملات شعبية في كافة المحافظات لمطالبة الرئيس بالعدول عن قراره بعدم الترشح، كما حث علماء الدين الرئيس على الاستجابة لجميع المناشدات التي أبدتها مختلف فئات الشعب، وأكد العلماء أنه ينبغي على الرئيس تحقيق إرادة الأمة والاستجابة لمطلبها، فكما تحتم على الأمة أن تعبر عن رأيها تجاه قائدها، فإنه ينبغي على القائد تلبية مطلب أمته.
كما أكدت بعض أحزاب المعارضة تمسكها بترشيحه للانتخابات الرئاسية، وقالوا في بيان وجهوه إليه: نتوجه إليكم بالرغبة الصادقة في تسمية فخامتكم مرشحا في الانتخابات الرئاسية، وهو شرف نعتز به وولاء ووفاء لمسيرة قائد تاريخي متميز لإعلاء شأن وطننا وشعبنا، وجاء في البيان: أن الزعامات التاريخية، وأنتم واحد منها، ليس لها من مفر إلا الانصياع لإرادة الجموع، والتي تتمسك بها، وتواصل جهدها، مهما أصابها من تعب وكد، فهذا قدرها الذي لا تستطيع أن تحيد عنه، وهو الثمن الباهظ لما أنجزته وقدمته لشعوبها وأمتها. وخلص البيان إلى القول: إننا نضع في أعناقكم يا فخامة الرئيس أمانة وطن وشعب تعلقا بكم، لاستمرار مسيرة التقدم، في ظل زعامتكم، وليس بمقدوركم أن تتخلوا عن مسئولياتكم إزاءها، ما دام فيكم نبض حياة، تتجدد بها آمال شعبنا. ونزولا على رغبة الجماهير، أعلن الرئيس عبد الله صالح عدوله عن قراره بعدم الترشح لانتخابات الرئاسة، في كلمة ألقاها أمام الجماهير الغفيرة، التي تدفقت إلى الميدان الواقع في قلب العاصمة من مختلف المحافظات، التي وصل عددها إلى ما يقرب من المليون مواطن، مؤكدا أن السلطة ليست مغنما، وإنما جاء موقفه رضوخا لإرادة الشعب، معربا في الوقت نفسه عن نيته في الوقوف بجانب أبناء الشعب الذين ناشدوه العدول عن قراره بعدم الترشح، وأنه لن يخذلهم استجابة لنداءات بعض القلة الرافضة لاستمراره في الحكم، كل هذه الافتراءات محتها الثورة اليمنية في فبراير 2011م وبعد أحد عشر شهرا من الاحتجاجات ضد نظامه، تنحى عن السلطة في 2012م وقتل في ديسمبر عام 2017م، وانتهت أسطورته وانقلبت عبارات الثناء والمديح إلى عبارات ذم وقذف، وصارت حكمته حماقة وسفاه، ولعن وسب واتهم بكل ما هو مشين.
أمثال هؤلاء الحكام الأبديين في الحكم، والغير موفين بوعود التنحي، صنعتهم الشعوب قبل أن يصنعهم أي شيء آخر، فنحن الذين أتقنا صناعة الحكام، وتحويلهم إلى طغاة، وعدنا إلى ما كنا عليه في الزمن الغابر القديم، حين كانت حضارتنا الأولى تأله الحكام، وتصنع لهم التماثيل، وتعبدها ثم تلعنها وتدمرها، لتعود إلى أول القصيدة دون كلل أو ملل، ربما تكون الحضارة الفرعونية هي التي بدأت تأليه الحاكم الفرعون، وعبادته وتحويله إلى إله تقدم له القرابين، وتدين له بالسمع والطاعة المطلقة، وتنتظر منه الرضا والقبول، ثم إذا ما مات أو ضعف، تنقلب عليه وتدمر صورته، لتعبد فرعونا إلها آخر يخلفه. وكذلك فعل العرب قبل الإسلام، حين كانوا يعبدون الأوثان، يصنعون الآلهة على شكل تماثيل ينصبونها في رحاب الكعبة، يقدمون لها القرابين، ثم إذا ما انقلبوا عليها أزالوها، وأقاموا بديلا لها. وما نحن فيه، هو استمرار في عادة تأليه الحكام، وصناعة الطغاة، وعبادتهم من دون الله؟. وها هي الدلائل والبراهين، حيث نؤسس للديكتاتوريات، والرئيس أو الملك يظل في منصبه إلى أن يرثه ابنه، فلا لانتخاب لحاكم جديد، ولا لتداول السلطة، ونحن الذي نعطل أي إصلاح ديمقراطي، ونوافق على تكبيل الحريات، ومصادرة حرية الرأي والفكر والاجتهاد والتعبير، ولا صوت يعلو فوق صوت الحاكم المؤله، الكل ينتظر إشارته، ويقبل قراره، ويؤمن بحكمته ورشاده، ولا يرضى غيره بديلا، حتى لو أراد هو، أو مرض وأصابته الشيخوخة، وضعفت عضلات جسده ووهنت قدرات عقله. وللأسف ففي عصرنا هذا قد ألهنا أكثر من فرد، وصنعنا أكثر من طاغية، في وقت واحد، قد يكون الآخر هذا من حاشية الرئيس أو من عائلته أو من المقربين إليه، بعد أن كان أسلافنا يكتفون بواحد لحين مماته.
في الدول الغربية نجد رؤساء الحكومات بل ورؤساء الدول، لهم فترة محددة في الحكم، تحدد نتيجة إرادة حقيقية للمواطنين، والحاكم عندهم كأي موظف، صلاحيته محددة ومراقبة، وقراراته ليس عن هوى في النفس، بل بمشاركة عدة جهات، وعند انتهاء مدة حكمه يعود كما كان، فرد عادي من أبناء الشعب، يعيش حياته مثلهم لا حراسة مشددة ولا أفراد أمن يمنعون عنه الاقتراب والتصوير، ولا امتيازات ولا قصور مشيدة هنا وهناك له ولأبنائه وأحفاده، ولا أموال مهربة في بنوك خارج دولهم، ولا حصانة له تمنعه من المثول أمام القضاء إذا ما أرتكب جرم.
وإذا أراد الترشيح لفترة رئاسية أخرى فإنه يذهب لكل مكان يلتقي فيه بالناخبين وجها لوجه يناقشهم ويناقشوه، يلومه على أخطائه ويمدحونه على حسن صنيعه فيما سبق، ويعقد الاجتماعات والندوات لمناقشة المبارين له من خلال أجهزة الأعلام المسموعة والمرئية، لا يلقى القبض على أي منهم ولا تلفق له القضايا ولا يعذب أو يلقي به في المعتقلات.
أما حكام بلادنا فليس لهم وقت محدد لانتهاء حكمهم إلا الموت أو الانقلابات، وبخلاف لكل الأمنيات، وتضرع المؤمنين الراكعين والساجدين، ونكاية في المثقفين والمصلحين، ومن يريد الخير لهذه البلاد، فسوف يظل الوضع كما هو شئنا أم أبينا، ولنموت بغيظنا، ولذا فلا عجب من أن كل جيل من الأجيال المتعاقبة يقول: إن الأمة لم تر في حياتها أسوأ مما تمر به، وفعلا هذا صحيح، ولكن يدل أننا نمر من السوء إلى الأسوأ، ومن الأسوأ إلى الأكثر سوءا وسودا، وهكذا وهلم جر، واليوم على ما به من