مستند الإجماع وفوائده
الدكتور عماد ستار عمر
وفيه فرعان:
الفرع الأول: مستند الإجماع
لابد للإجماع من مستند شرعي؛ لأن القول في الدين بغير علم وبغير دليل شرعي قول بالهوى؛ لأن الدليل الشرعي إما أن يرد من جهة الرسول مستند الإجماع وفوائده أو لا؛ فإن ورد من جهة الرسول مستند الإجماع وفوائده فهو إما من قبيل ما يتلى: وهو الكتاب، أو لا: وهو السنة، وإن ورد لا من جهة الرسول مستند الإجماع وفوائده فإما أن نشترط فيه عصمة من صدر عنه أو لا، والأول: الإجماع، والثاني: إن كان حمل معلوم على معلوم بجامع مشترك فهو القياس، وإلا فهو الاستدلال، فالثلاثة الأولى ـ وهي الكتاب والسنة والإجماع ـ نقلية، والآخران معنويان، والنقلي أصل للمعنوي، والكتاب أصل للكل، فالأدلة إذاً خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال[1].
وكل من الأدلة النقلية والعقلية محتاج إلى الآخر، فالأدلة النقلية لا بد فيها من التعقل والتدبر والنظر الصحيح، كما أن الأدلة العقلية والتي أساسها الاجتهاد لا تقبل إلا إذا كان لها مستند من النقل؛ لأن العقل المجرد لا يستقل بتشريع الأحكام، فالمشرع الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى.
والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى[2] لا بد للإجماع من مستند فذلك المستند يصلح أن يكون دليلا قطعيا مثل نص الكتاب والخبر المتواتر. فالإجماع المستند إلى الكتاب، مثل إجماع العلماء على حرمة نكاح الجدة وبنات الابن المستند إلى قوله تعالى: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا( [3].
والإجماع المستند إلى الأحاديث المتواترة؛ مثل كيفية الصلاة ووجوب الزكاة وما إلى ذلك من الواجبات[4] ويصلح أن يكون ما استند إليه الإجماع دليلا ظنيا؛ كخبر الواحد والقياس عند جمهور العلماء، واستدل الجمهور على ذلك بقولهم: أن انعقاد الإجماع عن خبر الواحد والقياس أمر لا يستحيله العقل كانعقاده عن غيرهما والنصوص التي تجيب كون الإجماع حجة لا تفصل بينها إذا كان مستندها دليلا قطعيا أو ظنيا فوجب القول به، ولا يجوز اشتراط الدليل القطعي؛ لأنه يكون تقييدا لها من غير دليل وهو فاسد، كيف وقد وقع الإجماع عن خبر الواحد والقياس والمصلحة، كالإجماع على حرمة بيع الطعام قبل قبضه المستند إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ابتاع طعاما فلا يبع حتى يقبضه[5] وحصل الإجماع على جمع القرآن بعد وفاة النبي r ومستنده ملاحظة مصلحة في ذلك، وملاحظتها نوع من الاجتهاد. وكذلك الإجماع على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه[6].
وذهب داود الظاهري[7] وأتباعه والشيعة ومحمد بن جرير[8] والقاشاني[9] من المعتزلة[10] إلى أن مستند الإجماع لا يكون إلا دليلا قطعيا، ولا ينعقد الإجماع بخبر الواحد والقياس؛ لأن الإجماع حجة قطعية وخبر الواحد والقياس لا يوجبان العلم؛ فلا يجوز أن يصدر عنهما ما يوجب العلم وجوباً لأن الفرع لا يكون أقوى من الأصل[11].
والراجح ما ذهب إليه الجمهور لقوة أدلتهم،وحدوث مثل تلك الإجماعات في تاريخ الأمة والله أعلم.
الفرع الثاني: فائدة الإجماع:
يعد الإجماع من المصادر المعتبرة ويأتى في المرتبة الثالثة من مصادر التشريع عندسواد الأعظم من المسلمين بعد كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حصن هذا الدين الحصين، وسوره المنبع، وهو الذي وقف في وجه أصحاب الشهوات والأهواء، وردهم على أدبارهم، ولولا الإجماع لكثرت الإطماع وتشعبت السبل وخاض الناس في متاهات لا تلوح من خلالها للهداية بارقة، ولوصلوا لدرجة العبث بأركان هذا الدين وأسسه وقواعده[12].
وللإجماع فوائد جمة، أهمها:
1ـ نقل الحكم من الظنية إلى القطعية
يقول أبو المعالي الجويني في هذا الصدد: « فإن الإجماع مناط الأحكام، ونظام الإسلام، وقطب رحا الدين، ومعتصم المسلمين ومعظم مسائل الشريعة ينقسم إلى مجتهدات في ملتطم الخلاف، ومستندها في النفي والإثبات مسائل الإجماع وليس من ورائها نصوص صريحة وألفاظ صحيحة في الكتاب والسنة، فالأصل فيها الإجماع»[13].
إذاً الإجماع ينقل نص الشرعي قرآنا أو سنة من الظنية إلى القطعية، وكذلك ينقل ثبوت نصوص السنة النبوية من الظنية إلى القطعية[14].
2ـ الإغناء عن مستند الحكم:
قال ابن رجب الحنبلي: «اتفق العلماء على أنه يشرع التكبير في أيام التشريق عقب الصلوات في هذه الأيام في الجملة، وليس فيه حديث مرفوع صحيح بل إنما فيه آثار عن الصحابة ومن بعدهم، وعمل المسلمين عليه، وهذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليه لم ينقل إلينا فيه نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يكتفي بالعمل به»[15].
وقال السمعاني[16] في كتابه (قواطع الأدلة): «في الإجماع فائدة، وهي أن يسقط عنا البحث عن الحجة ويسقط عنها نقلها»[17].
3ـ تخصيص العام:
قال الآمدي[18]: «فإذا رأينا أهل الإجماع قاضين بما يخالف العموم في بعض الصور علمنا أنهم ما قضوا به إلا وقد اطلعوا على دليل مخصص له نفيا للخطأ عنهم، وعلى هذا فمعنى إطلاعنا أن الإجماع مخصص للنص أنه معرف للدليل المخصص، لا أنه في نفسه هو المخصص، وبالنظر إلى هذا القول نقول: إذا رأينا عمل الصحابة وأهل الإجماع بما يخالف النص الخاص لا يكون ذلك إلا لاطلاعهم على ناسخ للنص، فيكون الإجماع معرف للناسخ، لا أنه ناسخ. وإنما قلنا إن الإجماع نفسه لا يكون ناسخاً؛ لأن النسخ لا يكون بغير خطاب الشارع، والإجماع ليس خطابا للشرع، وإن كان دليلا على الخطاب الناسخ»[19].
مثاله: إن الخطاب بالسعي إلى صلاة الجمعة خطاب عام للذين آمنوا، والمرأة مشمولة بهذا الخطاب، لكن الإجماع ثابت على أن الآية خص منها النساء والمسافر والمريض[20].
4ـ إفادة النسخ:
قد تصح بعض الأحاديث عند أهل العلم، لكن عمل الأمة مضى على خلافها، فيدل إجماعهم على ترك العمل بالحديث وعلى نسخه ولو لم يستطع الجزم بتعين النص الناسخ، مثل حديث قتل شارب الخمر إذا ثبت سكره للمرة الرابعة فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه[21].
5ـ تعين علل الأحكام:
يعد الإجماع من أقوى المسالك لمعرفة علل الأحكام، ومثال ذلك: إجماع الفقهاء على الصغر هو علة ثبوت الولاية على الصغير في التصرف في أمواله، ومن ثم قاسوا عليها ولاية الزواج[22].
[1] – شرح مختصر الروضة، أبو الربيع نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1407هـ – 1987م (2/6).
[2] – روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن قدامة المقدسي، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1423هـ ـ 2002م (1/196).
[3] – النساء: 23.
[4]– المهذب في أصول الفقه: الدكتور عبد الكريم نملة (2/903).
[5] – رواه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه، برقم (3832). ينظر: صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الجيل، بيروت، الطبعة المصورة من الطبعة التركية المطبوعة في استنبول في سنة 1334هـ (5/7).
[6] – نظرات في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، الدكتور عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1426هـ ـ 2005م، ص254. والدراسات حول الإجماع والقياس، الدكتور شعبان محمد إسماعيل، (ص113).
[7] – هو أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني الملقب بالظاهري، أحد أئمة المجتهدين في الإسلام، تنسب إله الطائفة الظاهرية، وسميت بذلك لاخذها بظاهر الكتاب والسنة وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس، توفي رحمه الله في سنة (270هـ). ينظر: الأعلام، للزركلي، (6/69).
[8] – محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر المؤرخ المفسر الإمام، ولد في آمل طبرستان، استوطن بغداد وتوفي بها، وكان مجتهداً في أحكام الدين لا يقلد أحدا، بل قلده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه، توفي رحمه الله في سنة (310هـ). ينظر: الأعلام، للزركلي، (6/69).
[9]– هو واحد من رموز المعتزلة يأتي من الطبقة الثانية عشر من علمائهم. ينظر: طبقات المعتزلة، أحمد بن يحيى بن المرتضى، (ص119).
[10] – هي إحدى الفرق الإسلامية الكبرى، وهي من أعظم مدارس الفكر والكلام وأقدمها، نشأت في بدايات القرن الثاني الهجري، كانت طريقتهم لمعرفة العقائد وإثباتها والدفاع عنها عقلية خالصة، كانت المعتزلة مدرسة فكرية عرفها التاريخ الإسلامي نتيجة الاطلاع على ما ترجم من العلوم والفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية. ينظر: الملل والنحل، للشهرستاني، موضوع المعتزلة، والموسوعة الإسلامية الميسرة، محمود عكام، (10/2051).
[11] – ينظر: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، عبد العزيز بن أحمد بن محمد علاء الدين البخاري الحنفي، دار الكتاب الإسلامي، د ـ ط ـ س، (3/264).
[12] – الوجير في أصول التشريع الإسلامي، الدكتور محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1427هـ – 2006م (ص333-334).
[13] – غياث الأمم والتياث الطلم، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، تحقيق: الدكتور فؤاد عبد المنعم والدكتور مصطفى حلمي، دار الدعوة، الأسكندرية، د ـ ط، (ص39).
[14] – التجديد الأصولي، إعداد جماعي بإشراف الدكتور أحمد الريسوني، (ص304).
[15] – فتح الباري شرح صحيح البخاري، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، مكتبة الغرباء الأثرية، د-ط، 1417هـ – 1996م (6/1249).
[16]– أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزي السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي، مفسر ومن العلماء بالحديث، هو من أهل مرو مولداً ووفاة، وكان مفتي خراسان، قدمه نظام الملك على أقرانه في مرو، توفي في سنة (489هـ). ينظر: الأعلام، للزركلي، (7/303).
[17] – قواطع الأدلة في اصول الفقه، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزي السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ ـ 1999م 1/470.
[18] – هو علي ابن أبي علي ابن محمد الآمدي، الأصولي، الفقيه الشافعي، المتكلم، توفي في سنة (631هـ). ينظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان، (2/455).
[19] – الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، (1/529).
[20] – التجديد الأصولي، إعداد جماعي بإشراف الدكتور أحمد الريسوني، ص306.
[21] – المصدر السابق، ص307.
[22] المصدر السابق، ص308.