لا تكن كنودا ولا متشائما في توديع السنة، وكن شكورا ومتفائلا |سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
لا تكن كنودا ولا متشائما في توديع السنة، وكن شكورا ومتفائلا |سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع خنيفرة المغرب سابقا
عباد الله؛ إنه لا أحد يعرف حقيقة الإنسان إلا من خلقه، يقول سبحانه وتعالى في سورة الملك: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14]، أي؛ ألا يعلم ربُّ العالمين خَلْقه وشؤونهم، وهو الذي خَلَقهم وأتقن خَلْقَهُمْ وأحسنه؟ وهو اللطيف بعباده، الخبير بهم وبأعمالهم.
عباد الله، انطلاقا من هذه الحقيقة، فإننا إذا أردنا الاطلاع على حقيقة الطبائع البشرية لا نجد من يخبرنا عنها بدقة مثل خالقها عز وجل، إذ هو وحده الذي يكشف لنا في كتابه الكريم، عن حقيقة هذا الإنسان المجرد عن منهج الله، فتعالوا بنا نستقرئ القرآن الكريم؛ ليعرف كل واحد منا حقيقته وطبعه، حتى نتخلص من هذه الصفات، ونتحلى بالصفات الحميدة التي تحلى بها من قبلنا ممن اتبعوا هدى الله، من أهل الصراط المستقيم ممن أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
عباد الله، من طبع الإنسان المجرد عن منهج الله، “إلقاءُ اللوم على غيره” في كل ما يرتكب من أخطاء قصد تبرئة نفسه، فهذا هو الإنسان، يصرخُ محمِّلًا الشيطانَ المسؤوليةَ كما قال تعالى في سورة الفرقان:(لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا)، [الفرقان :29]، أو يحاول أن يلقي المسؤوليةَ على من هم أقوى منه، ممن يستغلُّهُ، كما قال تعالى في سورة البقرة: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا، كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)، [البقرة: 167].
عباد الله، من طبيعة الإنسان المجرد عن منهج الله كذلك؛ أنه “كفور وكنود وجحود لنعم الله”، قال تعالى في سورة إبراهيم: (وآتاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ، وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم : 34]، وقال تعالى في سورة عبس: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس :17]، وقال تعالى في سورة العاديات: (إنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) [العاديات :6 ]، وهذا هو المقسم عليه في سورة العاديات، والتي أقسم فيها سبحانه بالخيل مطلقا، ووصفها بأنها عاديات، وأنها موريات، وأنها مغيرات، وكلمة (كنود) من فعل كند، التي تحمل معان عديدة، كلها مقصودة في هذه الآية، فالإنسان كنود، يعني: جحود كفور، كما أنه هو الذي يذكر المصائب وينسى النعم، وهذا حال كثير من الناس، إذا سألته اشتكى لك من حاله وقال: والله أنا عيني فيها كذا وكذا وكذا، وينسى أن الله سلم له العين الأخرى، وسلم الأذنين، وسلم اليدين، وسلم الرجلين، نسي كل هذه النعم وصار همه في عينه، كما أنه هو الذي لا يشكر الكثير، وينسى اليسير، فلو أعطاه الله يسيراً نسيه، ولو أعطاه كثيراً ما شكره. كما أنه هو الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده. وأنه هو العاصي الذي يستعمل نعم الله في معصيته سبحانه. وتعالى، والبخيل سيئ الملكة، فلو أن الله ملّكه أناساً؛ كالزوجة والأولاد، والعمال أو الخدم، فإنه يسيء معاملتهم، فهو سيئ الخلق معهم. كما أنه هو الحسود الحقود والعياذ بالله، وهو الذي إذا مسه الخير كان منوعاً، وإذا مسه الشر كان جزوعاً. فكل هذه المعاني ترجع إلى معنى الجحود والكفران. وهذه صفة الإنسان إلا من رحم الله، يجحد نعم الله جل جلاله، ونعمه لا تحصى، قال تعالى في سورة إبراهيم: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)، [إبراهيم:34]. وقال تعالى في تتمة سورة العديات: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) [العاديات:7]، أي يشهد على كنوده وجحوده بحاله في الدنيا، ويوم ينطق بالحق يوم القيامة، يوم لا يستطيع أن يكذب، مصداقا لقوله تعالى في سورة النور: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، [النور:24]، وفي سورة يس: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، [يس:65]، وهذا هو حالهم.
عباد الله، ليحذر كل واحد منا ونحن نودع سنة ميلادية؛ أن نحلل الأحداث التي عشنا السنة المنقضية، تحليلا متشائما، فنذكر ما أصابنا من مصائب، وننسى ما أمدنا الله به من نعم لا تعد ولا تحصى، أو نكود كنودين في تصوراتنا لأحداث السنة التي عشناها، وهذا نموذج عملي بين زوج وزوجته، نسترشد به في تحليل الأمور، وتقييم الأشياء، والنظرة للأحداث:
نظرت الزوجة إلى زوجها الجالس على كرسي مكتبه، فرأته شارد الذهن، متكدر المزاج، ممسكا بقلمه وهو ينظر إلى ما كتبه بيده، فاقتربت منه بكل هدوء وحنان، ومن فوق كتفه؛ وبكل لطف دون أن تزعجه بصوتها أو بحركاتها وتفقد عليه تفكيره، قرأت ما كتبه زوجها على الورقة لتواسيه وتشاركه همومه وأفراحه:
1 – السنة الماضية أجريت عملية على المرارة.
2 – بلغت ال 60 سنة من العمر.
3 – تركت وظيفتي في دار النشر التي ظللت فيها ثلاثين سنة.
4 – رسب ابني في كلية الطب، لتعطله عن الدراسة بسبب إصابته في حادث سيارة.
5 – توفي والدي في ذلك الحادث.
خمسة أحداث مؤلمة وقعت لي في هذه السنة، إنها حقا سنة سيئة.
وبعد أن أتمت الزوجة قراءة ما كتبه زوجها على الورقة، انصرفت بهدوء، وتركت زوجها دون أن تقول شيئا، أو أن يصدر منها أي تعليق، لكنها بعد دقائق عادت، وابتسامة التفاؤل على وجهها، وبيدها ورقة أخرى قد كتبتها بخط يدها، ووضعتها بهدوء بجوار الورقة التي كتب زوجها، فتناول الزوج ورقة زوجته وقرأ فيها: زوجي العزيز:
1 – السنة الماضية شفاك الله من آلام المرارة التي عذبتك سنوات طويلة.
2 – بلغت ال 60 من عمرك وأنت في تمام الصحة والعافية.
3 – ستتفرغ للكتابة بعد التعاقد معك على نشر أكثر من كتاب مهم.
4 – نجا ابننا من الموت في حادث السيارة، وشفاه الله دون أية مضاعفات أو إعاقة جسدية مستديمة.
5 – وعاش والدك حتى بلغ 85 عاما دون أن يسبب متاعب لأحد، وتوفي وهو راض عنك. وختمت الزوجة الصالحة الشكورة المتفائلة ورقتها قائلة: يا له من عام مضى؛ كان فيه فضل الله علينا عظيما، فنظر إليها زوجها وقد زالت غشاوة التشاؤم والكنود من وجهه، وضمها إليه وعانقها وقال لها: إنك ما زلت أعظم هدية من الله تفضل الله بها علي، وعلى أسرتي، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في عدة أحاديث في فضل الزوجة الصالحة وما تجلبه لزوجها ولأبنائها ولأسرتها من الخير والسعادة منها
1 – روى الإمام أحمد، والحاكم، وابن عساكر، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه عن جده، أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ؛ رضاه بما يقضي الله، واستخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم، سخطه بما يقضي الله، وتركه استخارة الله، ومِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثٌ، وَمِنْ شِقْوَته ثَلاثٌ، فمِنْ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَالْمَسكَنُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَته: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ). [أخرجه أحمد (1/168، رقم 1445). قال الهيثمي (4/272) : رجاله رجال الصحيح. والحاكم (2/157، رقم 2640)، وقال: صحيح الإسناد. وابن عساكر(58/71)] .
2 – روى ابن ماجه، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: ( مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ)، [رواه ابن ماجه في سننه ج1/ص597 ح1857، وإسناده ضعيف، لضعف عثمان بن أبي العاتكة، وعلي بن يزيد – وهو الأَلهاني- القاسم: هو ابن عبد الرحمن الدمشقي. وأخرجه الطبراني في “الكبير” (7881) عن جعفر بن محمَّد الفريابي، عن هشام بن عمار، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في “الكبير” (7828)، والبيهقي في “شعب الإيمان” (4430) من طريق عبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة بنحو حديث ثوبان السالف قبله].
ويغني عن هذا الحديث، حديث أبي هريرة عند النسائي بإسناد قوي، ولفظه: (سئل رسولُ الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي النساء خير؟ قال: “التي تسره إذا نظر، وتطيعُه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره). [رواه النسائي 6/ 68 بإسناد قوي، وهو في “مسند أحمد” (7421)].
3 – روى أبو داود، وأبو يعلى، والحاكم، والبيهقىي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قال صلى الله عليه وسلم: (…أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ، الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ). [أخرجه أبو داود (2/126، رقم 1664)، وأبو يعلى (4/378، رقم 2499)، قال الهيثمي (7/30): فيه عثمان بن عمير وهو ضعيف. والحاكم (1/567، رقم 1487)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي (4/83، رقم 7027)، وقال المناوي (2/253): قال الحاكم على شرطهما وأقره الذهبي في التلخيص ورده في التهذيب فقال: عثمان القطان – أي أحد رجاله – لا أعرفه والخبر عجيب، وقال في المهذب فيه: عثمان أبو اليقظان ضعفوه].
عباد الله، إنَّ في هذه الآيات القرآنية لعلاماتٍ دالّة وقويّة وواضحة للمتوسّمين، تدلُّ على شدّة ضعف الإنسان في غياب منهج الله، وعلى عظمَة خالقِه، وحاجته إلى رحمته ومنهجه، فتعالى الله الملك الحق عُلُّوًا كبيرًا. قال تعالى في سورة طه: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)، [طه: 123، 124]، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.