رقائــــق مــوت
د. مارية إيدري
جالسة في القطار متعبة بعد يوم طويل من النضال من أجل تحقيق كرامة الإنسان، أنظر إلى رفقة الطريق شاردة الدهن، فإذا بإحداهن تحمل بين يديها رقائق الشيبس وتناول صديقتها ضاحكة، فهالني المنظر لأنني حديثة عهد بما وقع لغزة، ولا زال الألم يعتصر قلبي، فخاطبتها بملامح يبدو عليها الاستغراب ما هذا؟ فأجابت مبتسمة غير مبالية ما ترين،وهل هناك مشكل، آه، أتعنين المقاطعة، قلت نعم؛ فقالت لي وما يضير في ذلك،إن إنا إلا واحدة من بين الملايين لن أضر او انفع بصنيعي والأمر أكبر منها ….
فأجبتها والدمع يخنقني، أنت تشكلين رقما من ملياري مسلم ولو قال كل واحد وآمن بما تؤمنين به فانظري الرقم؛ وهل تؤمنين بالقضية الفلسطينية، أتعلمين أنها أولى القبلتين وثالث الحرمين أتعلمين ان عقيدتك لن تكتمل بدون الإيمان بها؟ أتَعِين بأنك بأكلك لهاته الرقائق تقتلين إخوانك؟ أو تظنين أن الله سيسألك عن أمر ليس بيدك، أو أكبر منك، هل سيحملك مسؤولية ما وقع في غزة وما سيقع أم سيسألك عما قدمت لهم، وهو في وسعك ومقدورك، فأنت لم تستطيعي أن تقمعي شهوتك من أجل أمر بسيط؟ أمر غير ضروري ولا حتى تحسيني، استهوتك القرمشة والملوحة، إنها “رقائق موت” لأن الناس تموت في غزة، لا يجدون ما يقتاتون، أكلوا البقل والخشيش، أكلوا التراب ليسدوا رمقهم، ولكنهم لم يتخلوا عن كرامتهم ولم يستسلموا، آه، آه علمونا ما معنى الصبر وما معنى الشجاعة ومعنى الحياة، يكفكفون الدمع ويضمدون الجراح ويدفنون الشهداء، ويحتفلون برمضان والعيد، دموع وفرح، مرض وإصرار، فرغم الدمار والأهوال التي يعيشونها إلا أنهم مؤمنون بوعد الله، فكنا نقرأ القرآن نمر عليه مر الكرام، لكن صرنا نرى آيات الله في أهل غزة، كنا نسمع عن الصحابة، ونقول هيهات بيننا وبينهم حتى رأيناهم في غزة تحققت فيهم كل المواصفات.
لكن، ما واجبي نحوهم أنا الذي لم أستطع حتى أن أتخلى عن أبسط الأمور لأجلهم، ما واجبي والمسلم مطالب بنصرة أخيه، كيف أنصرهم؟ إن لم أقاطع من يقتلهم، كيف أنصرهم؟ إن لم أشارك ما أصابهم وابتلاهم، كيف أنصرهم؟ إن لم أدعُ لهم في كل صلاة كيف أنصرهم؟ إن لم أحمل على عاتقي هم التعريف بقضيتهم ومظلمتهم، كيف أنصرهم؟ إن لم أخرج مع من يندد بما أصابهم ويبقى كل هذا أضعف الإيمان، فاللهم تجاوز عني تقصيري تجاههم.
بعد هذا ندمت على أكلها الرقائق وقالت لي أعتذر كنت مخطئة.