منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعاونية وَالبطاطس، والسلطان وَالملكة

التعاونية وَالبطاطس، والسلطان وَالملكة/ يوسف العلوي السليماني

0

التعاونية وَالبطاطس، والسلطان وَالملكة

يوسف العلوي السليماني

التعاونية وَالبطاطس

”مَجَاعَةِ البَطَاطِس“ مِنْ أَهمِّ الأَحْدَاثِ المَحْفُورَةِ فِي تَارِيخِ بريطانيا، وذاكرةِ الإيِرلَنْدِيِّين. أُتلف المَحْصُول بسبب ”اللَّفْحَةِ المُتَأخِّرَةِ“[1]، والبَطَاطِس غِذَاء الإيرلنديّين المركزي، أتلف الثُلُث عَامَ ألفٍ وثَمَانُمِئَةٍ وخَمْسَةٍ وأربعين 1845، وَتسعة أعشار السَّنَةِ التَّالِيَة، لِتَصِلَ الأَزْمَةُ ذِرْوَتَهَا عَامَ أَلْفٍ وثَمَانُمِئَةٍ وسَبْعَةٍ وأربعين 1847، وليفوق عدد الموتى من الجوع المليون، وعدد المهاجرين بسبب المجاعة المليونين، جلهم إِلى الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَة. اجْتَاحَت أيرلَنْدَا مَجَاعةٌ كَبِيرةٌ فِي مُنْتَصَفِ القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَر، لمدة خمس سنوات، مِنْ عَامِ ألفٍ وثمَانُمِئَةٍ وخَمْسَةٍ وأربعين 1845 إِلىَ عَامِ ألفٍ وثَمانُمِئَةٍ وتِسْعَةٍ وأربعين 1849. انتقل إِلَى الجزيرة المكروبة خبير، لِيَتَرَقَّبَ الوَضْع، بعثته مُنَظَّمَةٌ خيرية لندنية، فَوَجَدَ النَّاسَ يَلُوكُونَ طُحْلَبَ المَاءِ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ، فَسَأَلَهُمْ: أَلَيْسَ فِي البَحْرِ سَمَكٌ تَصْطَادُون؟ قَالُوا: وَمَنْ يَأجُرُنَا على اِصطيادِ السّمَك؟ فبُهِتَ الذي بُعِث فقال: السَّمَكُ بالطبع، وبتنظيمكم في تعاونية الصيد البحري ستغلّبون على الأزمة. تَمَسَّك القوم بموقفهم، فمَا كَانَ مِن المبعوث إِلَّا أَن اشترى قَوَارِبَ وشِبَاك، وَشَغّلَ المتأزمين لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ حَصِيلَةَ صَيْدِهِم اليَوْميّ، مُقَابِلَ أُجْرَة، فَنَجَحَت التجارة، ولما اسْتَرْجَعَ المُسْتَثْمِر مَالَه، مِن فَائِضِ التِجَارَة، تَأَهَّبَ للرحيل، هُنَالِكَ دَعَا القَوْمَ ليَهَبَهُمُ القوارب فيواصلوا العمل دونه، فَرَفَضُوا فأدبر حاملًا معه خيبة أمل. باءت الجهود بالفشل لَمّا أملى الخبير تنظيم تعاونية، لَمّا أملى من الخارج الفقيهِ، أملى من الأعلى إلى الأسفل، من منظمة خيرية مقرها بالعاصمة، عاصمة إمبراطورية، ولو أنفق الخبير ما في البر والبحر من قوارب وشباك جميعا ما ألف بين القلوب، وفعله أخدع من السراب حيث إن التعاونية السليمة إيمان أعضائها بتعاون موطنه القلب.

السلطان وَالملكة

علِم السلطان العثماني عبد المجيد الأول[2] نبأ مجاعة البطاطس، فعزم على إرسال عشرة آلاف جُنيه إسترليني لشعب أيرلندا المكروب، للتخفيف من آلامه، أما الملكة فيكتوريا[3] فلم ترسل سوى ألفي جنيه إسترليني لشعبها الاِيرلندي، فطُلب من الحكومة العثمانية خفض الإعانة إلى ألف جنيه إسترليني – تحت إعانة الملكة – حفظًا لماء الوجه. وافق السلطان المسلم، وأضاف إلى الألف جنيه إسترليني مساعدات أخرى، منها مواد غذائية، وأدوية، وبذور للزراعة، بضائع حملتها ثلاث سفن، إلّا أن الحكومة البريطانية لم تسمح لها بالإرساء في ميناء دبلن الرئيسي، ودبلن عاصمة أيرلندا، فأرست مضطرة بميناء دروغيدا المتواضع والذي يبعد عن دبلن بثلاثين ميلاً شمالًا، لتفرغ حمولتها فيه. ظَل الاِيرلنديون يعترفون بالجميل إلى تركيا، إلى اليوم. أغاث السلطانُ المفجوعين من أهلَ الكتاب، وفعله محمود، واليوم يتخلى المسلمون حتى عن المسلمين، في غزة وفلسطين، والتخاذل مرفوض في الإسلام، فشتان ما بين الأمس وَاليوم. لم تكن صرخة تلك المرأة المسلمة صرخة في واد، أما اليوم فلا حياة لمن تناديه: “وامعتصماه”.


[1]  مرض فطري يصيب نباتات العائلة الباذنجانية، لا سيما الطماطم والبطاطس، يصيبها عن طريق مسبب فطري، تُمحق المحاصيل بسببه، وينتشر بسرعة في المناطق العالية الرطوبة مع درجات حرارة منخفضة:Phytophthora infestans.

[2]  (1823 – 1861)

[3]  (1819 – 1901)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.