منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حوار على مائدة الإفطار

حوار على مائدة الإفطار/ الأستاذ سعيد ضياء

0

حوار على مائدة الإفطار

الأستاذ سعيد ضياء

كنت جالسا مع زوجي وأولادي في هناء وعافية نتناول وجبة الإفطار. وبينما كان ابني البكر-عبّاس- ذو العشرين سنة جالسا إلى جانبي يأكل الفطائر بنهم، ويرتشف كؤوس القهوة بشهية، التفتُّ إليه سائلا: «بنيّ الحبيب…هل عندك رغبة في الذهاب إلى غزّة ومناصرة أهلها، والجهاد ضدّ عدوّها؟»

نزل السؤال كالصاعقة على ابني…فتسمّر مكانه وكادت اللقمة التي وضعها في فيه تخنق أنفاسه وتزهق روحه. تعتعَ… تلعثمَ…تبعثرَ كأوراق الخريف…بدى سكرانا وكأنما قامت القيامة ونفخ في الصور.

قلت: «ما بك بنيّ؟ … »

أجابني مذهولا: «لا شيء أبي»

قلت: «لعلّك خفت؟ … »

تماسك وأجابني محاولا أن يخفي الرعب الذي تملّكه: «وكيف يمكنني الذهاب إلى غزّة…أظن الأمر مستحيلا»

قلت له بهدوء هدّ أركانه: «أنت فكّر بالأمر مليا…فإن قرّرت فهناك من سيأخذك».

وجم بطلي مكانه…ونذر للرحمان صوما ألا يطعم حينها شيئا ولا يكلّم إنسيا ولا جنّيا.

احمرّ وجه زوجي وفاضت عيناها…وتعثّرت ابنتي زينب في مرطها. جمعتا طعام الإفطار ونظفتا المائدة…وفي بياض أعينهما المائل إلى الحمرة قرأت عبارات السُّخط والامتعاض…وفي همهمة شفاههما سمعت كلمات التأفّف واللوم والعتاب.

انتهى مشهد ذاك اليوم هكذا…وأسدل الستار على مسرح الأحداث والجوّ متكهرب يكاد يعصف بي إلى الجحيم.

في الغد وأنا عائد مع بطلي عبّاس من المسجد بعدما صلّينا الصبح، بادرني بالكلام قائلا: «لقد فكرت –أبي- في الأمر ووجدت عندي أولويات أخرى…فأنا أريد أن أحفظ القرآن وأبلّغ الدعوة وأساعد الفلسطينيين بالتعريف بقضيتهم.»

قلت مبتسما: «هل تحاول إخفاء خوفك؟ …» واسترسلت في الكلام قائلا: «أما أنا… فأريد أن أذهب»

فأجابني على الفور: «أنا أعلم أنك تريد الذهاب والاستشهاد هناك، لكننا ما زلنا في حاجة إليك-أبي-. كلّنا في حاجة إليك؛ أمي، أنا وإخوتي.» ثم استطرد في الكلام: «ثمّ إنّني فكرت مليا…فقلت حتى وإن ذهبت، فإنّي لن أكون إلا كتلة لحم تثقل كاهل غزة وأهلها…فلن أنفعهم بشيء…فأنا غير مؤهل للقتال وحمل السلاح…»

أجبته: «ولكن يمكنك أن تكون مساعدا للأطباء هناك…يمكنك أن تساعد أصحاب الإسعاف … يمكنك أن تتدرّب على القتال»

قال: «إن كان هذا فأنا أستطيع فعله. يمكنني المساعدة في مثل هذه المجالات»

قلت: «إذن أنت مستعد؟»

فأجابني بلسان ألكن: «لكني أستطيع أن أساعدهم من هنا…أستطيع أن أروّج لمظلوميتهم…أستطيع أن أعرّف بقضيتهم…»

فتبسّمت ضاحكا من قوله، وقلت: «أنت خائف وتحاول أن تبرّر تخاذلك وتقاعسك وجبنك»

قال مطأطئ الرأس: «نعم هذا صحيح».

قلت مستفزا محفّزا: «ماذا لو دخل علينا أحد بيتنا، وهتك سترنا، وأخذ مالنا، واحتل غرفنا، وقتل أحدنا…أكنت تقاتله أم تتركه يستأصل شأفتنا؟»

قال متحفّزا: «بل أقاتله يا أبي ولا آلو»

قلت: «فذاك الذي يحدث هناك…هذا عدو غاشم ظالم خبيث أتاهم فاحتلّ أرضهم، وهدّم بيوتهم، واغتصب نساءهم، وقتّل صغارهم وكبارهم. وهم منّا –يا بنيّ- ونحن منهم…أفإن كنت هناك أما كنت مقاتلهم؟»

فأجابني ببرودة تجمد الدماء في العروق: «ولكنّي هنا –يا أبي- ولست هناك…فليموتوا هم هناك في سبيل الله…ولأعش أنا هنا في سبيل الله».

وتذكّرت حينها المقولة المشهورة: «لكل امرئ من اسمه نصيب». فأقسمت لئن أنجبت زوجي مولودا ذكرا-وكانت يومها حاملا- لأسمينّه أحمدَ أو عبد العزيز أو إسماعيل أو يحيى.

دخلنا البيت فإذا مائدة إفطارنا المباركة عليها من أنواع الطعام وصنوف الشراب ما لذ وطاب، وزوجي وابنتي وابناي يملؤون بطونهم بشراهة. جلست أنا وبطلي عبّاس على المائدة، أخذنا ما اشتهينا…وبعدما كدنا نكمل إفطارنا قلت لزوجي أمينة: «يا أمينة…أتدرين ما قالته جارتنا حسناء لزوجها سفيان؟ … قالت له: [هل لك -يا سفيان- أن نتبنى أحد أيتام غزة بعد انتهاء الحرب–إن شاء الله- فنعلّمه ونربّيه مع أولادنا]»

فقالت زوجتي: «وما كان ردّ زوجها؟»

قلت: «بقي شاردا لوهلة ثمّ قال: [أتدرين -يا حسناء-…حينما تنتهي الحرب –إن شاء الله تعالى- علينا أن نرسل أبناءنا إلى غزة ليتعلموا من أيتامها العزّة والرجولة والصمود والجهاد…]».

ثمّ جمعنا مائدتنا ونظفنا صحوننا ككلّ يوم…وقام كلّ منّا على عمله. وبينما كنت أركب سيارتي متجها إلى محلّ عملي سألت نفسي: «لو كانت هناك إمكانية -فعلا- لدخول غزّة أكنت تذهب حقّا للجهاد؟ … ». أجابني وازع حبّ الدنيا من داخلي وقال: «أ تذهب إلى الموت وتترك زوجك أرملة وصغارك أيتاما؟ …أترمي بنفسك إلى التهلكة وأنت بإمكانك أنت تخدم القضية الفلسطينية بطرق أخرى». وأيقنت حينها أن روح عباس تسكنني وتسكن ملايين المسلمين…وأنّ الجهاد المقدّس في فلسطين وفي غيرها هو ذروة سنام الأمر، وهو هبة الله يختصّ به من يشاء من عباده الموقنين…ولا مكان هناك للمرجفين…ولا مكان للقاعدين … ولا مكان للمتوجسين.

﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ (140)(سورة آل عمران).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.