ضوابط العلاقة بين الجنسين
بقلم: الأستاذ عثمان غفاري
خلق الله البشر من جنسين مختلفين، وجعل كل جنس يميل إلى الآخر بغريزة أودعت في النفس للحفاظ على النوع البشري ولاستمرار الحياة، ولقد حدد الإسلام ضوابط شرعية للعلاقة التي يجب أن تكون بين الذكر والأنثى، فما هي حدود وضوابط التعامل بين الجنسين؟
هذا ما ستحاول هذه المقالة الإجابة عليه بمشيئة الله تعالى.
أولا: أنواع العلاقات بين الجنسين
المرأة الأجنبية هي كل امرأة ليست من محارم الرجل، سواء كانت من أقاربه، كبنات العم والعمة، أو بنات الخال والخالة، وزوجة الأخ وقريبات العائلة، أو ليست من أقاربه ولا تربطه به علاقة مصاهرة، وتنقسم العلاقة بين الرجل وهذه المرأة إلى ثلاثة أقسام وهي:
القسم الأول: علاقة زمالة
تستوجبها المشاركة في أي مشروع نبيل، من علم نافع أو عمل صالح، أو مشروع خير، أو جهاد لازم، أو غير ذلك مما يتطلب جهوداً متضافرة من الجنسين، ويتطلب تعاوناً مشتركاً بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ، وهذا القسم ليس محرما لذاته، بل هو جائز أو مطلوب ما صح القصد وظهر الالتزام ولم ترفع الكلفة، وقديمًا قالوا:“إن رفع الكلفة يزيد الألفة“
القسم الثاني: علاقة صداقة
الصداقة بما هي ميثاق أخوّة وتناصر وتباذل ومباثثة للهموم والآمال، هي ما يعرف في ديننا بالأخوة الإسلامية، المبنية على حسن الاختيار وتأتي بعد اختبار استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم القائل: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم مَنْ يخالل “، والاختيار يكون أساسه عقل موفور، وقلب سليم مفطور، ودين يدعو إلى الخير، وأخلاق حسنة، ولا بد أن يكون بين الصديقين الرغبة والمودة، وهذا النوع يترجح أن يكون بين أبناء الجنس الواحد وألا يتعداه إلى العلاقة بين الجنسين إلا إذا اقترن بعمل مشترك ميداني جماعي وفق ضوابط وقواعد، لداعيين اثنين، أولهما تحريم الإسلام للخلوة فما اختلا رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، وثانيهما استحالة أن تضبط الصداقة بين الجنسين عند حدودها الطبيعية، لطبيعة التنوع بينهما، فالغريزة سوف تعبر عن نفسها في هذه الحالة، بطريقة أو بأخرى، وإن تجاهلها الطرفان، وخلاصة القول فلا وجود لما يسمى العلاقة البريئة بين الجنسين، ولذلك أمرنا أن نباعد بين أنفاس الإخوان والأخوات فمن باب أولى بين غيرهما، والدعاء عن ظهر الغيب يسعنا والتواصل عن بعد بضوابطه وشروطه يسعفنا عند الضرورة القصوى.
القسم الثالث: علاقة حب.
الحب بين الجنسين في الإسلام غير محرم ولا مجرم، لأنه ميل يأتي دون إرادة منا، فالقلوب بين أصبعي الرحمن يقلبها كيف يشاء، وهذا الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الذي رواه ابن ماجه وصححه الألباني “لم ير للمتحابين مثل النكاح” وفي رواية البيهقي: “ما رأيت للمتحابين مثل النكاح”، لكن الإسلام يتهم ويدين الحب الذي ينشأ ويستمر في الظلام!!! وكل ما ينشأ في الظلام يختنق ولا ينتهي إلا في ظلام أشد منه، فإن كان الميل جاء رغما عن الشاب والشابة ودون إرادة منهما فإن ما في يد كل واحد منهما ولهما الإرادة فيه هو ألاّ يتحدثا عن مكنونهما من مشاعر وأحاسيس، ولا يكشفاه لا بإشارة ولا بعبارة ولا مبادرة، وأن يحرصا على التحدث مع مقلب القلوب استخارة، ومع ولي الأمر استشارة، وأن يسارعا لولوج الدور من أبوابها متى تيسرت لهما الأسباب خطبة وزواجا، وأن يتجنبا ما حرم الله تعالى جملة وتفصيلا.
فالإسلام وضع لهذا الحب آداب معينة وضوابط كثيرة تحده من الخروج عما هو مألوف والانزلاق في معاصي لا تحمد عقباها، فلنحذر مكر الشيطان ولنلتزم بحدود الضرورة ونحن نتعامل مع الجنس الآخر.
ثانيا: ضوابط التعامل بين الجنسين
لقد تكرر الكلام عند الحديث على كل قسم من أقسام العلاقة بين الجنسين على أن الإسلام وضع الضوابط والقوانين التي تحكم علاقة المسلم بالمرأة الأجنبية عنه، حمايةً للأعراض، وسدًا لأبواب الشيطان على الإنسان، فمن خلق الإنسان أعلم بما يصلح له، كما قال تعالى: “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ“، ومن تلك الضوابط أنه حرم الخلوة، وأمر بالستر الشرعي وغض البصر، والاقتصار في الكلام مع الرجال على قدر الحاجة، وعدم الخضوع والتكسر بالقول في محادثتهم، ونحو ذلك من الضوابط المنضبطة التي تصلح لكل زمان ومكان وإنسان، وسأذكر هاهنا بعضها تفصيلا مما بدا لي أهمية الإشارة إليه:
ضوابط اللقاءات بين الجنسين
اجتماع الجنسين لغرض نبيل مشروع جائز كما أشرنا سالفا، ولا يعني ذلك أن تذوب الحدود بينهما، وتنسى القيود الشرعية الضابطة لكل لقاء بين الطرفين، فليس من البشر ملائكة مطهرين لا يخشى منهم ولا عليهم، إنما الواجب في ذلك هو الاشتراك في الخير في إطار الحدود التي رسمها الإسلام ومنها:
- الالتزام بغض البصر من الطرفين، فلا ينظر إلى عورة، ولا ينظر بشهوة، ولا يطيل النظر في غير حاجة، قال تعالى: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن“
- الالتزام باللباس الشرعي الساتر للعورة لكل جنس، الذي لا يشف ولا يصف، قال تعالى: ” ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن”.
- الالتزام بآدب الاختلاط ابتداء بالكلام الذي ينبغي أن يكون بعيداً عن الاغراء والاثارة، قال تعالى: “فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً”، مرورا بالمشي، قال تعالى: “ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن”، وأن تكون كالتي وصفها الله بقوله: “فجاءته إحداهما تمشي على استحياء”، وصولا للحركة، فلا تتكسر ولا تتمايل، كأولئك اللائي وصفهن الحديث الشريف ب“المميلات المائلات”، و أن تتجنب كل ما من شأنه أن يثير ويغري من الروائح العطرية، وألوان الزينة التي ينبغي أن تكون للبيت لا للطريق ولا للقاء الرجال.
- وعموما أن ينبغي يكون اللقاء في حدود ما تفرضه الحاجة، وما يوجبه العمل المشترك دون اسراف أو توسعٍ يخرج المرأة عن فطرتها الأنثوية، أو يعرضها للقيل والقال، أو يعطلها عن واجبها المقدس في رعاية البيت وتربية الأجيال.
ضوابط التواصل بين الجنسين عبر وسائل التواصل الاجتماعي
الأصل في العلاقة بين الجنسين على مواقع التواصل الاجتماعي الاحتراز لأنها مظنة الفتنة، فلا ينبغي اللجوء لهذا النوع من التواصل إلا لحاجة ماسة كطلب الفتوى أو التعلم والعمل ونحوه، وفي هاته الحالة تستصحب الضوابط المشار إليها أعلاه مع بعض الإضافات المستنبطة من تواصل سيدنا سليمان مع ملكة بلقيس عبر الهدهد، قال تعالى: “اَ۪ذْهَب بِّكِتَٰبي هَٰذَا فَأَلْقِهِۦٓ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَۖ. قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لْمَلَؤُاْ اِ۪نِّيَ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَٰب كَرِيمٌ. اِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُواْ عَلَيَّ وَاتُونِے مُسْلِمِينَۖ. قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لْمَلَؤُاْ اَ۬فْتُوني في أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً اَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِۖ”، فمن هذه الآية نستخلص الضوابط التالية:
- أن يكون التواصل اضطرارا لا اختيارا ولغرض نبيل دعوة أو تعلما أو عملا.
- أن يكون التواصل تحت رقابةُ الأهل وفي ظل مشاورتهم الدائمة وبلا كولسة “قالت يا أيها الملأ.. الآية”.
- أن يكون الفحوى كريم وقولاً معروفاً بلا خضوع بالقول وفي في حدود الأدب الشرعي “كتاب كريم”.
- أن يكون التواصل بين معلومين معروفين غير مجهولين فلا لاستعمال التورية هنا “إنه من سليمان”.
- أن يكون التواصل مستحضرا مراقبة الله فلا مجال للحرام، حيث تمنع المحادثات المصورة بين الجنسين منعاً باتاً، ووضع صور النساء على مواقع التواصل خاصةً صور العاريات وأشباههن “وإنه بسم الله”.
- أن يتحلى المتواصلان بمكارم الأخلاق وفضائلها خاصة التواضع والعفة والحياء “ألا تعلوا علي”.
- أن تكون الغاية الكبرى من التواصل هي الدعوة إلى الله ونشر الإسلام بشتى الوسائل ومن مختلف المداخل ” وآتوني مسلمين”.
وخلاصة القول أن مواقع التواصل الاجتماعي عبارةٌ عن أدواتٍ ووسائلَ تستعمل في الخير، وقد تستعمل في الشر، ومن المعلوم شرعاً أن للوسائل أحكام المقاصد، وأننا في عصرنا الحاضر أحوج من السلف الصالح لمراعاة سياج الشريعة في العلاقة بين الجنسين عموما، لأن ذلك صار من أعظم الفتن، فالواجب الحذر؛ فإن الشيطان قد يغر البعض بزعم أنه قوي في دينه، أو أنه فوق الشبهات، أو أن الغاية تبرر الوسيلة، وكل ذلك من حبال الشيطان أعاذنا الله منها وعصمنا من مكائده.