منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ اقتداء ووفا

سعيد العيوشي

0

ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم

اقتداء ووفاء

بقلم: سعيد العيوشي

مقدمة:

   بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

 فإن ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فرصة تجديدية لاستحضار قيم الرسالة الخاتمة، وما مدى التزامنا بها، حيث إن المناسبة شرط كما يقول الفقهاء، فلا ينبغي أن تمر علينا هذه الذكرى دون أن يقف كل واحد منا مع نفسه ويحاسبها ويسائلها، حول علاقته بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، و مدى صحة انتمائه لهذا الدين، هل فعلا بلغنا الرسالة وحفظنا الأمانة، فالذكرى شرط لتجديد الإيمان في القلوب، وتجديد الولاء للدين والدفاع عنه والتشبت به، ومواجهة الأعداء الذين يريدون إطفاء نوره سنة وقرآنا، فالذكرى وإن كانت إطاراً زمنياً يتكرر كل عام، إلا أنها تشكل شرطاً تربوياً وعاطفياً لتحريك المشاعر والأحاسيس وجمع الناس وتعريفهم بسيرة الرسول الكريم وتذكيرهم بما فرطوا في محبة جنابه الشريف لتدارك ما فاتهم، وإعادة ترتيب علاقة المسلم بنبيه وربه، فلا سبيل لنجاتنا إلا بالاقتداء بسنته صلى الله عليه وسلم، والوفاء بعهده وتبليغ رسالته.

أولا: الذكرى اقتداء واتباع.

​     إن التأسي والاقتداء بالنبي الكريم ليس خياراً تكميليا، بل هو جوهر الدين وعماد الفلاح، كما جاء في محكم التنزيل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب: 21]

تتجلى أهمية هذا الاقتداء في التخلق بأخلاقه، حيث كان خُلقه صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، عن سعد بن هشام، قال: سألت عائشة، فقلت: أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ” كان خلقه القرآن”، و قول اللهِ تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 14] ، حيث بتمثله يتحول النص الشرعي من معانٍ ذهنية إلى واقع عملي يمشى بين الناس.

​    الاقتداء هو تحقيق للمحبة والصحبة الصادقة، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:40]، الترجمة الفعلية للحب، إذ لا يُتصور حب صادق دون اقتداء بالسلوك والهدي في العبادات والمعاملات واستحضار معية الله تعالى.

​    الاقتداء تزكية للنفس وبناء للشخصية، حيث يمنح الهدي النبوي التوازن النفسي والروحي للعبد، مما يعصمه من الوقوع في المحضور، ويحقق له الاستقامة في الفكر والسلوك.

 فالاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم هو الاتباع الحقيقي؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158]. فالهدية في اتباعه صل الله عليه وسلم.

​ثانيا: الذكرى وفاء وعهد.

     الوفاء بالعهد خُلُق أصيل من أخلاق الإسلام، لا بد منه لنصرة الإسلام والمسلمين، ومن تمام الاقتداء، أن لا يتخلى المؤمن عن نصرة قضايا الأمة والدفاع عن مقدساتها، وﺬلك نصرة للرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار…ِ﴾ [التوبة:40]،

قال الله تعالى: ﴿ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْ﴾ [البقرة:177]، فبغير الوفاء بالعهد يكون حبنا للرسول صلى الله عليه وسلم نفاقا وادعاء لا حقيقة فيه؛ فلا يطمئن لدعوتنا أحد، ولا يثق بعهدنا أحد؛ وهذا واضح في عدم تجاوب عموم الشعوب مع أحداث فلسطين والقدس الشريف، وتخلينا عن إخوتنا في غزة العزة لم تستطع الدول الإسلامية جمعاء إدخال شربة ماء ولا كسرة خبز، أليس هذه أكبر خيانة وغدر للأمة وللمقدسات؟

      الذكرى تُجدد فينا الوفاء بعهد المحبة والاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم؛ وبعهد الله، قال الله تعالى: ﴿ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْ﴾ [الأنعام:152]، يعني توحيد الله تعالى، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، والعمل بالطاعات، واجتناب المعاصي، فمن لا يفي بعهد الله لن يكون وفيًّا بعهده مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع  للناس أجمعين، والله سبحانه أمر بالوفاء بالعهد عامة سواء كان معه؛ أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم، أو مع الناس، فالوفاء بالعهد مسؤولية وأمانة.

       لا تكون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم بالفرح به يوم ميلاده فقط، والاجتماع على الأكل والشرب، والتوسعة على الأبناء والأهل، وننسى أن الاتباع الحقيقي يكون بإحياء سنته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و السعي لبناء الأمة وتوحيدها لتكون خير أمة أخرجت للناس، فالذكرى بناء للقوة ونصرة للمستضعفين وللملهوفين والفقراء والمحتاجين، للدفاع عن دين الأمة، قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾[ ال عمران 31].

​      لا يقف الاقتداء عند حدود الشكليات، بل هو أمانة أخلاقية وإيمانية تقتضي الوفاء بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ويتجسد هذا الوفاء في حفظ السنة ونشرها، حماية للمنهج النبوي من التحريف والتعطيل، والعمل على إبراز قوتها في بناء الإنسان…

​تربية الشباب على محبته وإحياء سنته صلى الله عليه وسلم، فالاتباع أمانة ومسؤولية يطلب منا تحكيم سنته صلى الله عليه وسلم وتطبيقها في كافة شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

​ التعاون على توحيد الأمة والابتعاد عن أسباب الاختلاف والشقاق، وإظهار أخلاقه صلى الله عليه وسلم في قيادة الأمة من الاستضعاف إلى التمكين، ونشر معاني الرحمة والتسامح والعفو…

​خاتمة:

        تتجاوز قيمة هذه الذكرى العاطفة المجرّدة لتصبح ميزاناً حقيقياً لقياس أثر النبوة في واقعنا؛ فهي ليست مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل هي وقفة تجديدية للعهد مع الله ورسوله، لتؤكد أن الاحتفاء الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون بإحياء سنته في القلوب، وإشاعة رحمته في السلوك، وتحويل ذكرى مولده إلى مؤتمر لتقييم منجزاتنا الإيمانية والعلمية ووضع خطة للنهوض بالأمة إلى الأفضل والأحسن.

       الاحتفاء بالذكرى النبوية هو دعوة لتجديد الالتزام بالمنهاج النبوي في التربية والعمل والجهاد، تجديد الوفاء بالعهد والتبات على الحق، الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، هو برنامج عمل يربط هم الدنيا بالآخرة، لإحياء الأمة وإخراجها من الظلمات إلى النور، وعدم الركون إلى الظالمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، الذكرى تذكير الناس بسنته في نشر معاني السلم والرحمة، وتبشير الناس بالخير ودعوتهم إلى الصلاح والرجوع إلى طريق الفلاح….. اللهم وفقنا للاقتداء بسنته واتباع منهاجه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.