منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الألوان عالم من السحر والجمال

 الدكتور محمد السقا عيد

0

الألوان

عالم من السحر والجمال

 الدكتور محمد السقا عيد

استشاري طب وجراحة العيون

 

جميعنا نعشق الألوان الجميلة وتؤثر فينا الألوان بشكل رائع، فمنا من يبتهج للون معين، ومنا من يتشاءم من لون معين، تخيل أن حياتك لوحة وفى يدك فرشاة وطلب منك أن تلونها، فهل تلونها بلون تتفاءل به أم لون يبعث فى نفسك الحزن؟ الألوان في حياتنا بهجة وأمل… الألوان تهذّب نفوسنا وترسم تفاصيلنا، نراها، نرتديها، نلمسها تؤثر فينا وتغير أمزجتنا، نختارها وتختارنا لتتغير معاني حياتنا وتتلون بالألوان المناسبة، فهل نستطيع أن نتخيل حياتنا بلا ألوان؟.

هل سبق لك أن لاحظت أن بعض الأماكن تزعجك بشكل خاص؟ أو أن بعض الأماكن تساعدك على الاسترخاء والهدوء؟ هل تعلم أن محيطك اللوني قد يؤثر على عواطفك وحالتك الذهنية؟ وهل تعلم أن الألوان لها تأثير كبير على كيفية رؤية العقل للعالم المحيط به… لا يتفق الكثير من الناس على أنّ الألوان تؤثّر على الحالة المزاجيّة للشخص أو على شخصيته، لكنّ علماء النفس أثبتوا أنّ الألوان لها تأثيرها السلبيّ والإيجابيّ على سلوك وشخصيّة الشخص من الناحيتين النفسيّة والروحيّة، وحتّى في المجال الطبي أثبتت العديد من الدراسات أنّ الضوء ذو الألوان المختلفة يساعد في الشفاء والاسترخاء، فاللون يؤثر فينا من يوم ميلادنا حتى يوم مماتنا، ويستطيع تغيير حياتنا وأمزجتنا، وقادر على تغييرنا فسيولوجيا واجتماعياً ونفسياً كذلك.

تؤثر الألوان على الطبع والمزاج، فتحدث أحاسيس ينتج عنها اهتزازات، بعضها يحمل سمات الراحة والاطمئنان، والآخر يحمل صفات الإرهاق والاضطراب، فاللون يسمو بالروح ويغذي الأعصاب، ويريح الإحساس، وله تأثير واضح في حياتنا اليومية، فمنه ما يحفز الهمة، ومنه ما يحبطها، ومنه ما يوحي بالدفء ومنه ما يوحي بالبرد. وقد يحمل اللون الواحد تأثيراً مختلفاً من شخص إلى آخر كالأخضر مثلا فقد يوهم البعض بالقلق والاضطراب ويوحي لآخرين بالخضرة والطبيعة.

أوضحت الدراسات بأنّ للألوان تأثير كبير على حياتنا، حيث إنّها تؤثر بشكل كبير على نفسيتنا وطريقة شعورنا، حيث تمّ استخدامها لتفسير ودراسة الإنسان وتحديد ميوله وشخصيته، وحتى تمّ استخدامها في علاجه، فينصح الأشخاص المكتئبين مثلاً بالتركيز على ارتداء الألوان الفاتحة، وتجنّب الغوامق لما له من أثر كبير في تعديل المزاج، كما قاموا بالاعتماد عليها في عملية تصميم المنازل، فهناك ألوان يفضّل أن يتم استخدامها في غرف النوم كالأخضر لأنّه يرمز إلى التكاثر والخصوبة، والأحمر الذي يرمز للحيوية والحب، وهناك ألوان مناسبة للمدارس ومكاتب العمل كالأزرق؛ لأنّها تشجع على التفكير الخلاق والإبداع، وغيرها من الألوان الأخرى، أيضا تمّ الاعتماد عليها في الإعلانات التلفزيونية لجذب انتباه المشاهد، فمن الأمثلة على ذلك أنّ أصحاب المنتجات يستخدمون اللون البنفسجي للترويج لبضائعهم الجديدة لأنّه يدل على التغيير والغرابة والتميّز.

وللتأكيد على أهمية الألوان وارتباطها في نفسية الأشخاص، ظهر علم جديد وهو أحد الفروع الحديثة لعلم النفس، وهو علم النفس اللوني، ومن أوائل الذين اهتموا بهذه الدلالات هي شركات التسويق حيث ربطوا بينها وبين كيفية الترويج لمنتجاتهم ولفت انتباه المستهلكين، فلكل لون دلالات معينة ارتبطت به ويتم استخدامه لدلالة عليه من قبل المستخدمين أنفسهم سواء أكانو أفراد أم شركات ومؤسسات، حتى وإن تشابهت دلالات بعض الألوان مع بعضها البعض، إلا أن هناك تفضيلات للون على آخر.

لماذا نفضل لوناً بعينه على غيره من الألوان؟

لكلٍ منّا لونه المفضّل، ويرافقنا هذا اللون منذ صغرنا إلى أن نكبر، وفي الكثير من الأوقات نختار ملابسنا وديكور منزلنا من هذا اللون، والسبب أن الجسم يكون بحاجة إلى التذبذات التي يمنحه إيّاها هذا اللون، أي يشعر بالراحة لمجرد رؤيته أو انعكاسه على العين.

وتؤكد النظريات الأساسية في علم النفس أن لكل لون من ألوان الطيف ذبذباته الخاصة، والتي تتفاعل معها خلايا الجسم فتُصدر تردّدات تختلف باختلاف الحالة النفسية للشخص، لذلك تساعد بعض الألوان على تغيير تردّدات خلايا الجسم من خلال ذبذباتها، فعندما يكون الجسم في حالة من عدم التوازن، يلجأ إلى البحث عن اللون ذي التذبذب المساعد له للخروج من هذه الحالة، وبالتالي ينعكس اللون على العين ويؤثر في الجهاز العصبي، كما يمكن أن يساهم في العلاج من مرض معين أو التخفيف من حدة الألم.

كما أن اختيار لون محدد يرجع إلى طبيعة الشخص والبيئة التي يعيش فيها، ناهيك عن أن شخصية الفرد تدفعه لتفضيل لون على آخر، فالأشخاص مرهفو الإحساس يميلون الى الأزرق، ويختار المتفائلون في الحياة اللون الأصفر، ويفضل أصحاب الشخصيات الاجتماعية اللون البرتقالي، بينما يعبّر البنّي عن شخصية صلبة وقاسية، والأخضر عن شخصية متسامحة ومتفهمة، ويميز الأسود أصحاب الشخصيات الغامضة والجادّة، والأبيض يعبر عن شخصية متسامحة وطيبة، والأحمر هو لأصحاب الشخصيات العاطفية.

العلاقة بين الدماغ والألوان

 حدّد العلماء منذ عقود منطقة معالجة اللون في أدمغة القرود، واستنتجوا أنّ الدماغ البشري يعالج اللون بنفس الطريقة. ومع ذلك، فإنّ علماء الأعصاب في كلّية الطب بجامعة هارفارد استخدموا التصوير بالرنين المغناطيسي لتحديد منطقة استقبال الألوان في دماغ البشر، وخلصوا إلى أنّ هناك اختلاف طفيف بينهما، حيث تعالج تلك المنطقة عند البشر الصور الملونة والأبيض والأسود، والأكثر من ذلك هو أنّ جميع المعلومات تذهب فوراً إلى مناطق الدماغ المسؤولة عن الحركة والاشكال والألوان، وتقوم بتحليلها بشكل لحظي. والعجيب في الأمر هو أنّ المصابون بعمى الألوان قد لا يكونوا قادرين على التعرُّف على الألوان بشكلها الصحيح، لكنّ أدمغتهم لا تزال لديها القدرة لتمييز الألوان ومعالجتها بشكل صحيح. ويدل هذا الاكتشاف على أنّ للألوان أهمّية أكبر بكثير ممّا كنا نعتقد، خاصّةً عندما يتعلّق الأمر بالدراسة أو العمل. لذا دعونا نتعرف كيف تؤثِّر الألوان على فعالية التعلّم والتركيز.

ارتباط الألوان بحياتنا

توجد الألوان في كل مكان حولنا، فأحلامنا وردية، وغضبنا أحمر، وشبابنا بلون الربيع. واللون ليس مادة ملموسة، بل هو إحساس ناتج عن موجات كهرومغناطيسية تشكل الضوء. تتلقى الأعين هذه الموجات وتتولى الأدمغة ترجمتها فيتولد عن ذلك إحساس نسميه الألوان.

والألوان كالألحان تسمو بالروح وتغذي الأعصاب وتريح الإحساس، ويعتبر تأثيرها على العقل والنفس من العوامل الهامة في حياتنا، ومن الألوان ما يحقق للنفس الهدوء والراحة، فزرقة السماء والبحر وخضرة الأعشاب والنباتات والأشجار توحي بالراحة والهدوء. ولا يقف دورها عند الترفيه النفسي والأنس التي تضفيه على النفس البشرية فقط، بل إن الأمر يتعدى ذلك بكثير، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الألوان لها تأثير على خلايا الإنسان، فخلق الله سبحانه وتعالى السماء بهذا اللون، وجعل الزهور لها ألوان محددة والشجر باللون الأخضر… كل تلك الأمور لم تخلق عبثا، ولكن لحكمة ربانية… وهذا ما تم اكتشافه حديثا، فلكل لون موجة معينة وكل موجة لها تأثير على خلايا الإنسان وجهازه العصبي وحالته النفسية.

وتلعب الألوان دورا كبيرا في تغيير نظرة الفرد للحياة، كما أنها تعبر عما يدور في شخصيته بحيث يتجاوب معها. و تعتبر الألوان بحد ذاتها من العوامل البيئة المؤثرة في صحة الإنسان، فهي تؤثر على العواطف والنظرة إلى الحياة وتؤثر أيضا على السعادة النفسية للفرد والمجتمع بشكل عام. كما تملك الألوان طاقة قوية، فيمكنها أن تشفيك أو تسبب لك المرض، تعالج نفسيتك أو توتر أعصابك، تنشطك أو تهدئك، تمنحك شعوراً بالدفء أو بالبرودة، تؤجج عاطفتك أو تميتها…الخ.

وعالم الألوان عالم مليء بالأسرار والمعاني والقيم والمفاهيم، التي أودعها الله في كل لون من الألوان، وبات علماً مترامي الأطراف، يدرّس في أرقى الجامعات العالمية ومراكز البحوث والدراسات، بل تطور هذا العلم ليغزوا حتى كليات الطب والعيادات النفسية، وأضحى من أنواع الاستشفاء المشتهرة عالمياً “العلاج بالألوان”.

يقول عالم النفس أردتشام: ” أن تأثير اللون في الإنسان بعيد الغور، وقد أجريت تجارب متعددة بينت أن اللون يؤثر في إقدامنا و إحجامنا و يشعر بالحرارة أو البرودة، وبالسرور أو الكآبة، بل يؤثر في شخصية الرجل و في نظرته إلى الحياة. و بسبب تأثير اللون في أعماق النفس الإنسانية، فقد أصبحت المستشفيات تستدعي الاخصائيين لإقتراح لون الجدران الذي يساعد أكثر في شفاء المرضى، وكذلك الملابس ذات الألوان المناسبة. و قد بينت التجارب أن اللون الأصفر يبعث النشاط في الجهاز العصبي، أما اللون الأرجواني فيدعو إلى الاستقرار و اللون الأزرق يشعر الإنسان بالبرودة عكس الأحمر الذي يشعره بالدفء.

أمثلة:

– اختار مهندسو الطائرات اللون الأخضر والأزرق لتقليل حوادث الدوار التي تحدث لراكبي الطائرات، بعد أن أدركوا أن اللونين الأصفر والرمادي يساعدان على حدوث الدوار. وفي هذا الصدد تقول الأخصائية ( سيمونس ) : ( حتى شركات الطيران تدرك قيمة اللون، حيث يقوم الكثير منها بدهن كبائن طائراتهم بألوان رقيقة لطيفة مهدئة للأعصاب، للتقليل من التوتر الذي يصاحب عملية الطيران ).

-ويظهر أثر الألوان ما حدث في إحدى الفنادق الكبيرة في نيويورك، فقد اجتمع الضيوف على مائدة، وكانت عامرة بصنوف الطعام والشراب مما لذ وطاب، وبدأ الحاضرون يأكلون في سرور ملحوظ، فإذا بأنوار تشع بعض الأضواء فأحدثت للأطعمة ألواناً غير جذابة فأصبح لون الخضرة غامقاً غير مقبول. وأخذت أكواب اللبن لون الدم والأحمر، وأخذت شرائح اللحم اللذيذة اللون الأخضر، ولم تمض دقائق حتى هجر الضيوف المائدة بسبب هذه الألوان المنفرة غير المناسبة.

-في مدينة ( شيكاغو ) الأمريكية دهنت جدران متجر كبير لبيع اللحوم باللون الأصفر، فبدت اللحوم للزبائن باهته اللون، وكأنها فاسدة، فهجر الزبائن هذا المتجر لهذا السبب وعندما عاد صاحب هذاالمتجر إلى دهان متجره بلون أخضر مائل على الزرقة، بدت اللحوم أكثر احمراراَ، والعظام أكثر بياضاً مما أوحى بأن لحومه طازجة، فزادت مبيعاته وعاد إلى سيرته الأولى.

-وتذكر الأخصائية ( سيمونس ) قصة ( هوارد جونسون ) الذي قام بطلاء مطعمه بألوان رقيقة لطيفة، وكيف أن كل من زار هذا المطعم علق على برودته، ولم يكن إقبال الزبائن كما كان يأمل صاحب المطعم، الي أن أخبره أحد استشاري الألوان بوضع قطع من الأغطية البرتقالية اللون على الكراسي والطاولات، ودهن الجدران بألوان ذات ظلال لونية محايدة مع إضافة صور زاهية الألوان للفواكه والخضروات. ونتيجة لهذه التعديلات اللونية، زادت مبيعات المطعم من الأغذية بنسبة ( 134% ) ولم يشتك أي من عملاء المطعم من إحساسه بالبرودة، على الرغم من عدم تغيير درجة الحرارة عما كانت عليه سابقاً.

-وللألوان القاتمة أثرها السيئ في نفوس المتشائمين واليائسين، فقد ظل جسر مقام على نهر التايمز في لندن موضعاً مرغوباً للمنتحرين، حتى أشار أحد الأخصائيين باستبدال لون سوره الأسود بلون أزرق هادئ مريح للأعصاب، وفعلاً قلّ بعد ذلك عدد حالات الانتحار من على هذا الجسر. وفي إحدى سجون مدينة نيويورك المعروفة بنزلائها الفوضويين، انخفضت عدوانية وفوضى أولئك النزلاء فوراً بمجرد طلاء الغرف باللون الوردي ذي الظلال الخاصة.

– أجرت الباحثة ( سيمونس ) وزملاؤها أبحاثاً على أثر اللون الوردي على الأشخاص من ذوي الوزن الزائد المعرضين للإفراط في التهام الوجبات الخفيفة بصورة مزمنة، فوجدوا أن الحملقة في مربع وردي اللون يهدئ من القلق الذي قد يؤدي على الإفراط في الأكل.

خلاصة القول

تلعبُ الألوان دورًا رئيسيًا في تهيئة الحالة المزاجية والذهنية ولها تأثير قوي على مشاعر الفرد وعواطفه، وهي علاج إضافي للعلاج الطبي، ويتم عن طريق تعريض جسم الإنسان لذبذبات لونية بحسب مرضه لتساعده على الشفاء، بحسب صحيفة “تايمز أوف إنديا”..

فالألوان عالمٌ من السحر والجمال، فبلا ألوان يبدو العالم باهتاً، لأن الألوان تعني الحياة، وقد أثبتت الدراسات النفسية المتعلقة بالألوان، أن للألوان تأثيراً مباشراً على نفسية الإنسان ومزاجه العام، فكل لون يترك أثراً معيناً في المزاج، وهذا الشيء ليس مجرد تخمينات وتوقعات، وإنما كلام مبني على أسس علمية، حيث أن لبعض الألوان أثراً إيجابيا، وبعضها الآخر يترك أثراً سلبياً. ولكل شخص لون معيّن يفضله عن غيره، فالبعض مثلاً يرتاح لارتداء لونٍ معين دون غيره، ويفضل لون طلاء جدران بلونٍ معين دون الآخر، كما أن الألوان تحمل العديد من الدلالات والرموز التي لا يمكن تجاوزها، فالأسود لون الحداد والحزن، والأبيض رمز النقاء، والأحمر رمز الحب…الخ. الألوان عالم جميل، وإذا أحسنَّا فهم اختيار الألوان، حققنا جزءًا كبيرًا من راحتنا النفسية. كما أنها قد تكون إحدى وسائل العلاج الجديدة التي يمكن استخدامها في تخفيف حدة بعض الأعراض النفسية مثل: القلق والتوتر.

 فقط أغمض عينك… ادخل عالم الألوان وعش مع كل لون على حدة.


المراجع:

-كتاب أثر الألوان على العقل والجسم – تأليف د توفيق حجازي.

– كتاب العلاج بالألوان صيحة جديدة في عالم الطب – د محمد السقا عيد.

– الشبكة العنكبوتية – مواقع متعددة.

– موقع البلاغ -مقال لون حياتك يالألوان المناسبة- د طارق الرجيب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.