إغلاق المسجد أعتى أنواع الإفساد (9) سلسلة مقالات مقدسية
إغلاق المسجد أعتى أنواع الإفساد/ بشرى بوطيب
إغلاق المسجد أعتى أنواع الإفساد (9)
سلسلة مقالات مقدسية
بقلم: بشرى بوطيب
إن رؤية أبواب المسجد الأقصى مغلقة في وجوه المصلين والمرابطين والذاكرين منذ شهر رمضان المبارك يعيد للذاكرة المسلمة تاريخ استفزاز وصد قريش الرسول عن المسجد الحرام، ومنع المسلمين من دخول الكعبة والعمرة والحج فيها. لا يمكن قراءة هذا الإغلاق خارج سياق ميزان الوحي قرآنا وسنة في إطار استكبار الباطل على الحق، كما لا يمكن فصله عن مخطط مشروع الصهيونية الرامي إلى الإفساد في الأرض والمسجد والإنسان، والذي كشفت عنه ولا تزال تظهره الإبادة في غزة والهيمنة السياسية على المنطقة العربية.
1-نحيب الأقصى وصرخة الأسرى
في ظل الأحوال المتردية الإنسانية والمادية في غزة بعد الطوفان المبارك يصر الاحتلال الصهيوني على إتمام مخطط التطهير العرقي للإنسان الغزاوي. ذاك الإنسان المقاوم بالصمود والثبات رغم التجويع ومنع الاحتلال لدخول المساعدات الطبية والغذائية. وبعد فشله في احتلال كل ربوع القطاع والكسر الذي تكبده من لدن رجال الأنفاق، يصوب فوهات آلته وترسانته الحربية والسياسية للمزيد من استفزاز كل ألوان المقاومة والتشبت بالأرض المقدسة.
منذ ما ينيف عن شهر شوهد الاحتلال الماكر وهو يوصد بوابات الأقصى في وجه المصلين. كعادته المتوحشة، يسحل ويضرب المصلين والمعتكفين بباحاته المباركة في شهر رمضان. بات المسجد الأقصى كئيبا بعد أن منع الأذان والصلاة والذكر في محاريبه، هذا على مرأى من أمة الإسلام فلم يجد سندا من مساجد دويلات الاستبداد والتطبيع سواء في الخطب، أو من على منابر الجمعات، أو في قنوت الليالي العشر إلا ممن رحم الله.
استمر العلو الصهيوني في إجرامه، هذه المرة هدد بإعدام الأسرى المعذبين في سجونه، في رسالة رمزية لاستفزاز الإنسان المقاوم خلف القضبان الثابت على القضية والعقيدة. إن مظاهر العدوان والظلم لا تظهر توحش الكيان المتغطرس على الأرض والإنسان فحسب، وإنما تؤرخ لوهن العالم العربي الإسلامي، وتشتته، واختلافه حول أمهات القضايا فكرا ووعيا وإيمانا. ويظهر ذلك أن المحاصر المغلق أمام التحرر والانعتاق ليس فقط الأقصى، بل مساجد وإنسان الأمة. يجهل عمق تغلغل مشروع الصهيونية بكل ثقة منذ قيامه في العالم وما أفسده ويفسده على المسلمين دنياهم وآخرتهم.
2-سعي في الخراب والتخريب
إن فهم الوضع الكارثي للأسرى والأسيرات الفلسطينيين في السجون الصهيونية وهذا التلويح المتعجرف بإعدامهم، وتدنيس بيت المقدس بالطقوس التلموذية في معزل عن استدعاء للوحي وسنن الله في الذين ظلموا يعتم الحقائق، ويسقط في سردية ما يريده المستكبر الصهيوأمريكي للعالم العربي المسلم المستضعف المغلوب.
تاريخ الإفساد في بيت المقدس والبيت الحرام تتجدد غاياته ودوافعه بشكل غير مباشر كلما دافع الحق وأهل الإيمان صناديد الباطل. سيظل شاهدا على ظلم الذين أجرموا في حق الله والأرض وبيوت الله عبر الأزمان. يقول الله تعالى: ” ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم”[1]، وسواء كان الظلم والمنع الذي طال المسجد من قبل النصارى أو ا ليهود، أومن كفار قريش فالوعيد الإلهي واحد، يلحق كما ذكر أهل التفسير كل من منع المساجد إلى يوم القيامة، أو خرب مدينة في ديار الإسلام[2]، لأن الأرض كلها جعلت مسجد ا وطهورا لهذه الأمة المحمدية كما بين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المنع خراب وتخريب لأنه قطع لعمارة المساجد بذكر الله والصلاة وإقامة شرع الله عز وجل. واليوم يعلم الاستكبار وتحالفاته مركزية المسجد الأقصى في عقيدة المسلمين، ثم في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للعالمين. الأقصى ثغر من ثغور المسلمين إلى جانب كونه مصلى وموضع عبادة. فأي خراب أفظع مما فعله الكيان المغتصب للحق وقد أخرج المرابطين والركع السجود؟ إخراج تعسفي للبقية القوية الأمينة من حماة بيت المقدس في الأمة الواسعة الأطراف.
بعد المنع فتح عظيم. بشارة نبوية ترويها السيرة والتاريخ بعد هذا الإغلاق الذي يعد أعتى علو شهدته المنطقة بعد إبادته غزة. هذا الاجتراء الصهيوني على بيت المقدس وتعطيله والتنكيل بمرابطيه في أشهر مباركة هو النبوءة الحقيقية يخطها الكيان بيمينه لزوال السرطان الصهيوني من العالم. فقد حمل النبي صلى الله عليه وسلم بشارة اندحار الباطل على يد قوة القلة المؤمنة. فبعد أن نقضت قريش الهدنة “كان ذلك سببا في فتح مكة فوقع الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب وقد جمعوا له جموعا كثيرة: لا يغزونكم بعد هذا أبدا، ولكن أنتم تغزونهم”[3] يقول الله تعالى: ” ومالهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أو لياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون”[4]، فبعد منع قريش المسلمين من البيت الحرام من الله بالفتح الأعظم على أهل الإسلام وفككت النبوة العصماء تحالف اليهود والمشركين بعد ذلك.
3-قوة عادلة تدافع عنجهية ظالمة
لقد كان الطوفان المقدسي الذي اندلع سنة 2023من تاريخ النصارى تصدعا رهيبا في جدار الغطرسة الصهيونية وهيمنتها المطلقة على بيت المقدس والمنطقة العربية. فلا غرابة في أن يلجأ الكيان إلى خطط متسارعة ومنها إغلاق المسجد الأقصى لعرض القوة المترهلة لمشروعه.
ما يحدث الآن من فتح جبهات عدة: كاليمن وإيران ولبنان في ذات الحين هو ترميم للكسر الذي أحدثه الطوفان والرجال في جسم العنجهية الصهيونية. هذه الحروب التي تشنها آلة التحالف الصهيوني الأمريكي في المنطقة هي استعجال بتنفيذ مخطط مشروعها المبني على نبوءة إسرائيل الكبرى وتسطير وجودها الزمني الآيل للسقوط.
لقد أرهبتها قوة رجال الأنفاق الخفية عن الظالم المعتدي المتبجح بترسانته المادية. إن أشد ما يخيف دهاقنة المشروع السرطاني هو انتشار الوعي الجماعي في شعوب الأمة وولاءها للقضية العادلة ومدى استيعابها لحقيقة أن القوة المؤمنة العادلة لا يمكن أن تتعايش تحت مهانة القوة الظالمة.
[1] البقرة 114
[2] تفسير ابن عطية ، المحرر الوجيز 1/199
[3] فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الإمام أبي حجر العسقلاني، رقم 4109 ج7/467-468.
[4] الأنفال 34