منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اُنْقُرْ خَشَبَ الوَقْتِ وَالْخِطاب!

اُنْقُرْ خَشَبَ الوَقْتِ وَالْخِطاب!/ د. عبد القادر الدحمني

0

اُنْقُرْ خَشَبَ الوَقْتِ وَالْخِطاب!

بقلم: د. عبد القادر الدحمني

رحل الأصدقاء، مات بعضهم عن سبق إصرار وترصد وانكسار، واغتال آخرين الغَبْنُ والقسمةُ الضّيزى في البلد الحزين، ومن تبقى منهم هاجر إلى المنفى، أو تلاشى في دروب ضيقة جديدة، بينما تنحى القليل منهم صوب ارتقاء حملته موجة متمردة كسرت سقف الارتفاع ذات حظ يشبه في نذرته الكبريت الأحمر المتعذّر.

وأنت، بقيت وجها لوجه، أمام مدينة تسلحت بكل أوتيت من بداوة وغباوة، وأشهرت سيوفها القديمة، وفتحت بالوعاتها، وشرعت في ترديد أهازيج الضياع والسّغب.

يمكنك أن تحاور حزنك الأسود لساعات على كراسي الانتظار والنظر، يمكنك أن تتلهّى قليلا، عن تعذّر القراءة، واستحالة الكتابة، أمام لغط الكرة ولهيب “السّوق”، وتشوّه المعنى، وانفراط عَقْدِ الأمل، يمكنك أيضا أن تعبّ من سجائر غيرك، وتفكّر في مقولات تتسلّى بها عن مأساة الوجود “المستدام” في مقبرة.

لا تفكر كثيرا في إمكانية قيام معجزة ما، وتبدّل الأحوال في زمن العِيال، لقد جرّبت ذلك مرارا فلا تعد، خذ كرسيا بعيدا، في ذلك الركن المنزوي، ومارس تخيّلاتك النوستالجية البعيدة عن الواقع المعاند، ومأساة الغرق الجماعي في التفاهة وطنين ذباب الأبواق، أو عرّج قليلا بدورك على طوفان الاستعراء في المنتديات.

كن “روتينيا” يا صديقي كي تتمكّن من الاستمرار على علّاته، انقر خشب الوقت والخطاب، وقل كلاما يعجب الجوقة ويمسح عنك ما تراكم من تحاشٍ أو توجُّسٍ أو تُهَم، ولَحِّنْ إن شئت مواويلَك بالنَّفَسِ الجنائزيّ المحبوب في خيمة هذا البؤس الكبير.

هل رأيت جموعَ الفتيان وهي تتواثب صوب البحر؟ كأنها شهقة النجاة الأخيرة، وكأن أبواب الجنان قد فُتحت بلا حساب. فكّر جيدا، يمكنك أن تجد نفسك وحيدا في هذه الصحراء الجبانة، يمكنك أن تستفيق ذات يوم فتكتشف أن بَلَدَك قد تحوّل إلى جزيرة معزولة، وألّا أحد هنالك يمكنه أن يسمع صوتَكَ أو يأتي ذات يوم لنجدتك.

ومع ذلك، اشرَبْ قهوتَكَ وئيدا، فلا داعي للاستعجال. تتزاحم الأفكار، والخواطر، والمشاهد، وروائح السجائر، وظلمة الخيبات، ومرارة الفقدان، وتتعاظم المآسي، وتعطي للقهوة مذاق السمّ، ومع ذلك اشربها، لعلك تنجو من هذه الحياة.

لحظة! أحدُهم يريد أن ينصب مشنقة لنصوصه أمام الملأ ويحمّل العالم مسؤولية النار التي تأكله بلا رحمة، وآخر، قد أرخى قبضته المهدودة عن آخر قشّة كان يمسك بها ممتنعا عن التدحرج الأخير، وأخرى هناك تنتظر قاربا وَعَدَها بالعودة قُبَيْلَ عيد ميلادها كي يزفّ لها خبر الضفّة الجديدة مضمّخا بحشرجة اللهفة القديمة، وآخر يركب قصبة ويلوّح من بعيد بفرح طفولي، معلنا بداية المعركة وبلوغه شأوا غير مسبوق، أما تلك المغلوبة على أمرها في الحزن العالي ، فهي تشحذ الوقت المتبقي كي تأتي سريعا على قلبها المنهك في ليالي الاغتراب والأنين، لعلها تصنع جسرا، لعلها تكتب نصا، ولعلّها تقتل نفسا، إن لم تقدّر عنف الصّمت وقيمة الوقت.

وأنت! ما دخل استعاراتك في مسابقة الفرسان؟! تولَّ عن الواجهة، وتمسّك بكرسيّ الزاوية نفسه، وابْقَ بعيدا عن أدخنة الانسحاق في زفرات مدخّني الوعي المزيّف، وراقبْ إن شئت تحلّلك البطيء في مدينة الموت والملح والغبار، راقب كيف يتحوّلُ انتظارُ التحلُّل نصًّا يتعثّر في خطاه إلى القول المبين، ملتفتا إلى نفسه في زهو وعُجب مدمّر، راقصا كبهلوان مجنون أمام صرامة الحزن ومناشر الحنين المخيفة.

لكن مع ذلك، يستمسك بأمنية عنيدة: لعل ذلك النّصّ يضيء يوما، فتبصرك السفن العابرة، وربما يتبرعم شتلةً تستجلبُ رطوبة العمق وتمدُّ أغصانها كي تقاوم التصحر المقيت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.