113 – وَحُجَّةٌ نَـقْـلِـيَّـةٌ عَـقْـلِـيَّـةْ ==== أَقْسَامُ هَذِي خَمْسَةٌ جَـلِـيَّـةْ
الحُجة هي الدليل (تقريبا)، وسميت حُجة لأن من تمسك بها حجَّ خصمه وحاججه، وهي نقلية وعقلية، النقلية ما يستند إلى نقلٍ (القرآن والسُّنة والإجماع)، والعقلية خمسة أقسام وهي:
114 – خِطَابَةٌ شِعْرٌ وَبُرْهَانٌ جَدَلْ ==== وَخَامِسٌ سَفْسَطَةٌ نِلْتَ الأَمَلْ
- البرهان: قياسٌ مؤلف من مقدمات يقينية (ضرورية)، أي صادقة دائما. وهو أقواها وأجلُّها.
- الجدل: قياس مؤلف من مقدمات مشهورة، وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
- الخطابة: قياس مؤلف من مقدمات مقبولة، (صادرة عمن نعتقد في صدقه) أو مظنونة.
- الشعر: قياس مؤلف من مقدمات تنبسط منها النفس أو تنقبض، أي انفعال النفس بالترغيب والترهيب.
- السفسطة: قياس مؤلف من مقدمات وهمية كاذبة، (مثل قولنا في صورة حصان: هذا حصان وكل حصان فهو صاهل إذن هذا صاهل).
115 – أَجَـلُّـهَا الْـبُرْهَانُ مَا أُلِّفَ مِنْ ==== مُقَدِّمَاتٍ بِاليَقِـيْنِ تَـقْـتَرِنْ
116 –مِنْ أَوَّلِيَّاتٍ مُشَاهَدَاتٍ ==== مُجَرَّبَاتٍ مُتَوَاتِرَاتٍ
117 – وَحَدْسِيَّاتٍ وَمَحْسُوسَاتٍ ==== فَتِلْكَ جُمْـلَـةُ اليَقِـيْـنِـيَّـاتِ
ويتألف البرهان -وهو “المقصود الأعظم من صناعة المنطق”– من مقدمات يقينية (قيل أن اليقين هو الجزم المطابق للواقع) صادرة من:
- أوليات: بديهيات لا تحتاج إلى دليل. وهي ما يجزم به العقل بمجرد تصور طرفيه، مثل قولنا: “الكلُّ أكبر من الجزء”، و”المتوازيان لا يلتقيان” في الهندسة الأوقليدية.
- مشاهدات: الوجدانيات (مثلا: الإحساس بالجوع والتعب)
- مجربات: ما يحصل من العادات، فيحتاج العقل إلى الجزم بحكمه بعد تكرار مشاهدته، مثل قولنا: “الشمس تشرق كل يوم”.
- متواترات: ما يحصل بنفس الأخبار بتواتر، مثل كون الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، أي الحكم بالسَّماع.
- حدسيات: ما يجزم به العقل لظنٍّ مستند إلى أمارة، أي ظن مع قرائن، كقولنا: ضوء القمر مستمد من نور الشمس.
- محسوسات: ما يحصل بالحواس الظاهرة، من لمس وذوق وشم… مثل: حرارة الشمس أو حلاوة العسل.
118 – وَفِيْ دَلالَةِ المُقَدِّمَاتِ ==== عَلَى النَّـتِـيْجَـةِ خِلافٌ آتِ
119 – عَقْلِيٌّ أَوْ عَادِيٌّ أَوْ تَولُّدُ ==== أَوْ وَاجِـبٌ وَالأَوَّلُ المُؤَيدُ
الارتباط بين المقدمة والنتيجة يسمى دلالة، وقد اختُلف في دلالة المقدمات على النتيجة، على النحو الآتي:
- هناك من يقول بالارتباط العقلي الضروري مثل الجويني والرازي، فهما يعتبران النتيجة عرَض من أعراض المقدمات، فهما معا موجودٌ واحد. أي أن النتيجة متضمنة بالضرورة في المقدمات.
- وهناك من يقول بالارتباط العادي، مثل الأشعري، ومعناه تخلف العلم بالنتيجة بعد العلم بالمقدمات، إذ النتيجة هي موجودٌ آخر مغايرٌ لوجود المقدمات.
- هناك من يقول بالارتباط بالتولد: بمعنى أن القدرة الحادثة أثرت في العلم أو الظن بالنتيجة بواسطة تأثيرها في العلم أو الظن بالمقدمات. فالتولُّد أن يُوجِد فعلٌ لفاعله فعلا آخر. وللمقدمات تأثير في تولد النتيجة. وهذا القول للمعتزلة.
- هناك من يقول بالارتباط الواجب: ومعناه أن العلم أو الظن بالمقدمتين علة أثرت بذاتها في العلم أو الظن بالنتيجة. وهذا ما يقول به الفلاسفة.
خَــــــاتــمَـةٌ
رغم أن المنطق يحمي المنطقي من الوقوع في الغلط، فهذا لا يمنع من الخطأ في استعماله أو قبول بعض استعمالاته الفاسدة. وللوقوع في الغلط أسباب في مادة القضايا أو في صورة القياس (عدم حسن استعمال الأشكال المنتجة)، وتسمى مثارات الغلط.
120– وَخَطَأُ الْـبُرْهَانِ حَيْثُ وُجِدَا ==== فِيْ مَادَّةٍ أَوْ صُورَةٍ فَالـمـُبْـتَـدَا
121 – فِيْ اللَّفْظِ كَاشْتِرَاكٍ أَوْ كَجَعْلِ ذَا ==== تَبَايُنٍ مِثْلَ الرَّدِيْفِ مَأْخَذَا
122 – وَفِيْ المَعَانِيْ كَالْتِبَاسِ الكَاذِبَةْ ==== بِذَاتِ صِدْقٍ فَافْهَمِ المُخَاطَبَةْ
123 – كَمِثْلِ جَعْلِ العَرَضِيْ كَالذَّاتِيْ ==== أَوْ لازِمٍ إِحْدَى المُقَدِّمَاتِ
124 – وَالحُكْمِ لِلْجِنْسِ بِحُكْمِ النَّوْعِ ==== وَجَعْلِ كَالقَطْعِـيِّ غَيْرِ القَطْعِيْ
أسباب الغلط في مادة القياس:
- أسباب الغلط في الألفاظ:
أ– اشتراك اللفظ المستعمل، أي “تغاير أشكال اللفظة” بتغير نظائرها وتصاريفها، مثل قولك: في المقدمة الأولى: هذه عين (تقصد عين الماء)، وفي المقدمة الثانية: والعين حق (تقصد عين الحاسد)، وتنتج “فهي شر”، وهذه مغالطة. وقد عالج هذا الفارابي في “مواضع الخطأ في الاستدلال وطرق البرهان” من كتاب “المنطق عند الفارابي” وبشكل مفصل في كتاب الأمكنة المغلطة.
ب- جعل الألفاظ المتباينة مثل المترادفة، أي استعمال المتباينة كالمترادفة، مثل السيف والصارم، فتستعملهما بترادف. مثل قولك: هذا صارم وكل صارم سيف…
أسباب الغلط في المعاني: يقع بالتباس الصادقة بالكاذبة. وهي أربعة أنواع:
- جعل الوصف العرضي كالذاتي: مثل قولك: “الجالس في السفينة متحرك، وكل متحرك لا يثبت في مكان واحد”، فإحدى المقدمتين كاذبة إن أريد بالمتحرك فيها معنى واحد، وإن أريد بالمتحرك في الأولى المتحرك بالعرض وفي الثانية المتحرك بالذات كانتا صادقتين، لكن لم يوجد تكرر فلم تصدق النتيجة.
- جعل النتيجة إحدى المقدمتين: مثل قولك: “هذه نقلة من مكان إلى مكان، وكل نقلة حركة، إذن فهذه حركة”، وهي إحدى المقدمتين. وهذا ما يسمى بـالمصادرة على المطلوب.
جـ- الحكم للجنس بحُكم النوع: لأنه لا يجوز الحكم على الأعم بحكم الأخص، بل يُحكم على الأخص بحكم الأعم. مثل قولك: هذا لون واللون سواد، فهذا سواد، ويسمى الإيهام. ومنه الحكم على المطلق بحكم المقيد. مثل قولك: هذه رقبة وكل رقبة مؤمنة…
د- جعل غير القطعي كالقطعي: كأن تقول: “هذا ميت وكل ميت جماد، إذن فهذا جماد”، وهذا باطل لأن الجماد ما ليس حيوانا. والشخص ليس جمادا على الحقيقة وإن مات فهو شبيه بالجماد لأن الجماد لم يسبق أن كانت فيه حياة ولا نعلم أنها ستكون له.
125 – وَالثَّانِ كَالخُرُوجِ عَنْ أَشْكَالِهِ ==== وَتَرْكِ شَرْطِ النَّتْـجِ مِنْ إِكْمَالِهِ
أسباب الغلط في صورة القياس تكون بأحد أمرين:
- الخروج عن أشكال القياس: بعدم احترام قوانين ترتيب الأشكال أو بعدم تكرر الحد الأوسط في المقدمتين. كأن تقول مثلا: “كل إنسان حيوان وكل زرع نبات”، فلا صحة للقياس دون الحد الأوسط الذي يربط بين الحدين الأصغر والأكبر.
- ترك شرط من شروط الإنتاج: مثل ترك شرط الإيجاب للصغرى في الشكل الأول، مثل قولك: “لا شيء من الإنسان بفرس وكل فرس حيوان، لا شيء من الإنسان حيوان” وهذا الاستنتاج لا يصح.
126 هَذا تَمَامُ الغَرَضِ المـَقْصُودِ===== مِنْ أُمَّهَاتِ الـمـَنْطِقِ الـمَحْمُودِ
127 قَدِ انْـتَـهَى بِحَمْدِ رَبِّ الفَـلَـقِ===== مَا رُمْـتُـهُ مِنْ فَنِّ عِلْمِ المَنْطِقِ
وإلى هذا البيت (127) انتهى صاحب الأرجوزة، وينسبه لوالده، إذ قال: “هذا البيت لوالدنا سيدي الصغير بن محمد رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه ومن عذاب النار صانه ووقاه، أخبرني بأنه قاله في منامه بعد أن أخبرته بهذا الموضوع، فأمرني بإدخاله فيه فأدخلته رجاء بركته طالبا من الله حصول الملكة متوسلا إليه بخير من على سبيل الهدى سلكه صلى الله عليه وسلم”
ونكون بذلك قد انتهينا معه من شرح المادة المنطقية في النظم، أما ما تبقى من النظم فهو على سبيل الختم بالحمد والثناء على الله تعالى الذي يسر العلم للإنسان ورفعه به في الدنيا والآخرة.
128 نَظَمَهُ العَبْدُ الذَّلِيْلُ الـمُـفْـتَـقِرْ===== لِرَحْمَةِ المَوْلَى العَظِيْمِ المُقْـتَـدِرْ
129 الأَخْضَرِيُّ عَابِدُ الرَّحْمنِ ===== المُـرْتَجِيْ مِنْ رَبِّــهِ المَـنَّـانِ
130 مَغْفِـرَةً تُحِـيْطُ باِلذُّنُوبِ ===== وَتَكْشِفُ الغِطَا عَنِ القُـلُـوبِ
131 وَأَنْ يُثِـيْـبَـنَـا بِجَــنَّـةِ العُـلَـىْ ===== فَإِنَّهُ أَكْرَمُ مَنْ تَفَضَّلا
132 وَكُنْ أَخِيْ لِلْمُـبْـتَدِيْ مُسَامِحَا ===== وَكُنْ لإِصْلاحِ الفَسَادِ نَاصِحَا
133 وَأَصْلِحِ الفَسَادَ بِالتَّـأَمُّلِ===== وَإِنْ بَدِيْهَةً فَلا تُـبَـدِّلِ
134 إِذْ قِيْلَ كَمْ مُزَيِّفٍ صَحِيْحَاً===== لأَجْلِ كَوْنِ فَهْمِهِ قَبِيْحَا
135 وَقُلْ لِمَنْ لَمْ يَنْـتَـصِفْ لِمَقْصِدِيْ===== العُذْرُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمُـبْـتَدِيْ
136 وَلِبَنيْ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ سَـنَـةْ ===== مَعْذِرَةٌ مَقْـبُولَـةٌ مُسْـتَـحْسَـنَـةْ
137 لا سِيَّمَا فِيْ عَاشِرِ القُرُونِ ===== ذِيْ الجَهْلِ وَالفَسَادِ وَالفُـتُـونِ
138 وَكَانَ فِيْ أَوَائِلِ المُحَرَّمِ ===== تَأْلِيْـفُ هَذا الرَّجَزِ المُـنَـظَّـمِ
139 مِنْ سَنَـةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنْ ===== مِنْ بَعْدِ تِسْعَةٍ مِنَ المَئِيْـنْ
140 ثُمَّ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ سَرْمَدَا ===== عَلَى رَسُولِ اللَّهِ خَيْرِ مَنْ هَدَى
141 وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الثِّـقَاتِ ===== السَّالِكِيْنَ سُبُـلَ النَّجَـاةِ
142مَا قَطَعَتْ شَمْسُ النَّهَارِ أَبْرُجَا ===== وَطَلَعَ البَدْرُ المُنِـيْـرُ فِيْ الدُّجَى.
————————–
وقلتُ بعد إتمام شرحه:
- وَلاَ تَحْرِمْ مِنْ أَجْرِ الْعِلْمِ أَحْمَدَا === وَاجْعَلْ رِضَاكَ فِي الْمَعَادِ مَوْعِدَا
- فَــهُوَ عَبْدُكَ الْفَقِــيرُ الْمُلْتَـجِي === إِلَى أَلْطَـــــافِـكَ وَدَوْمـاً يَرْتَجِــــــي
- وصل يا مولانا دوما سرمدا === على مختارنا الرسول أحمدا
والحمد لله رب العالمين.
شرحه أحمد بن صالح الفراك.
21 شعبان 1437/28 ماي 2016