اليقين في إهلاك الله للظالمين ونصره للمستضعفين
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤمن الحق لا ينهار إذا وجد الطغيان الصهيو-صليبي قد طال فساده في الأرض، ولا يهتز لقصف وطلقة رصاص، ولا يكون جبانا عند صيحات النفير وحي على الفلاح، ولكنه يُـعد نفسه وأهله لصراع قد يطول ، ولو لم يكن يملك شيئا في يديه إلا قوة إيمانه وحسن ظنه بالله تعالى، لأنه يعلم أن شرف الخواتيم هو تمام الشرف، أن دوام الحال من المحال، وأن ما عند الله لا ينال إلا بالصدق مع الله، والعودة إلى دينه، والتعلق بالله وحسن الظن به.
أولا: لم تمُت الأمة ولن تموت:
إذا الأعداء يكيدون للأمة، ويريدونها عاجزة بائسة مستسلمة، وأن يكون رأس مالها التأسف والتوجع، وأن تنسى الآلام بالتعاطي للمخدرات والأفلام، وتهرب من المُوجعات إلى المباريات، فإنها لن تموت بإذن الله، لأن الأمة التي اختارها الله لوراثة الأمم، وبقاء شريعة الإسلام، وحفظ الدين، والانتساب للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ليست هكذا، وما ينبغي لها أن تكون.
ونحن على يقين أن الأحداث على بشاعتها تستعجل خروج البراكين من باطن الأرض، لكن؛ وحتى يأذن الله بذلك نقول لأحرار العالم ولشباب أمة الإسلام: لا تُظهروا لعدوكم ضعفا ولا يأسا ولا استكانة… ولا تغفلوا عن إخوانكم طرفة عين في غزة وفلسطين، ولا تسمحوا لعدوكم بقتل ضمائركم بكثير ما به يفتنكم، وعلقوا آمالكم بربكم، واجعلوا من الآلام فرصة لليقظة، حتى تحيى الأمة من جديد، وتسترجع عزتها.
وقبل ذلك وبعده؛ نُحسن الظن بالله تعالى، فهو أرحم بعباده، ولن يصنع بهم وبدينه إلا الخير، وأنه أنصر لدينه من كيد الكائدين. إن الاختبار الذي جعله الله من وراء كل حدث عظيم: “ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض”.
ثانيا: كيف نستفيد من تاريخ الأمة.
كان الغزو المغولي من النكبات العالمية الكبرى التي تعرضت لها الأمة الاسلامية، فدمرت بغداد حاضرة العالم وعاصمة الخلافة، وكبرى المدن الإسلامية وقتها.. ودمرت قبلها طهران، وأصفهان، وبخارى، وسمرقند، وطشقند ومرو الروز، ومرو الشاهجان والتي اختفت من الوجود نهائيا.
سنة 1258م مرّ العالم الإسلامي بواحدة من أشد المحن قسوة بسقوط بغداد تحت وطأة المغول بقيادة هولاكو خان، حفيد جنكيز خان. غرقت المدينة في الدم وانطفأ وميضها لقرون، وقد أدى الغزو المغولي لبغداد عاصمة الدولة العباسية في ذلك الزمن البعيد قبل سبعة قرون من صنع أسلحة الدمار الشامل، إلى مذابح رهيبة قتل خلالها مليون شخص.
قتل المغول دون شفقة ولا رحمة، ودمرت وأحرقت مكتبات بغداد عاصمة الحضارة حينها في سائر الكوكب، بما في ذلك أشهرها بيت الحكمة، وألقيت أعداد كبيرة من الكتب والمخطوطات القيمة والنادرة في مياه دجلة والفرات، واستحال لون الماء إلى الأحمر والأسود من الدم والحبر. وبعد أن استبيحت المدينة ونهبت، دمرت المساجد والصروح وأتت عليها النيران، فانتشرت رائحة الموت والسخام وتحولت بغداد إلى أكوام من الأنقاض لعدة قرون. علاوة على ذلك دمر المغول نظام الري بالكامل تقريبا، ما أدى إلى تدهور الزراعة في جميع أنحاء المنطقة.
ارتكب المغول فظائع وشنائع يعجز اللسان عن وصفها، في وقت كانت الأمة الإسلامية تعاني من مرض عضال؛ انهزام القلب والبعد عن الدين وانهيار الشخصية، حتى ظن الكثيرون أنها النهاية. ومن غرائب الغزو المغولي لبلاد المسلمين ما ترويه المصادر التاريخية من أحداث عجيبة، ومنها ما رواه ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ “عن أحداث حدثت سنة 628هـ، وهذا الذي سمعه مباشرة من الذين كتبت لهم النجاة من هجمات المغول الوحشية على المدن الاسلامية إبان هذه الفترة، فيقول: “كان المغولي يدخل القرية بمفرده، وبها الجمع الكثير من الناس فيبدأ بقتلهم واحدًا تلو الآخر، ولا يتجاسر أحد من المسلمين أن يرفع يده نحوه بهجوم أو بدفاع، حتى أن الرجل من المغول كان يأخذ الرجل من المسلمين ويقول له: ضع رأسك هنا على الأرض ولا تبرح .. حتى آتي بسيف كي أقتلك .. فيضع الرجل رأسه مترنحاً على الأرض حتى يمضى المغولي فيحضر سيفًا ثم يقتله..!!
كان هذا هو وضع المسلمين في ذلك الوقت.. هزيمة نفسية مُرة، وبعد هذه المحنة الشديدة قيض الله للمسلمين مَن ينهض بهم ويُعيد لهم عزهم ومجدهم.
وفي النهاية لما استعاد المسلمون وعيهم وإيمانهم ورفعوا راية التوحيد والوحدة وصحح العلماء والفقهاء والأمراء وجهتهم وأيقنوا أن لا سبيل لاستنقاذ كرامة الأمة وشرفها وعزها إلا بالوحدة والجهاد، ونصروا الله نصرهم الله ومكّـن لهم واتصروا على المغول انتصارا عظيما في عين جالوت.
تبيّن إذن أنه؛ إذا قرأنا ما فعل المغول بالمسلمين من بشاعات لا تخطر ببال، ندرك أن المسلمين سينتصرون في يوم من الأيام، بإذن الله.
ثالثا: سنة إهلاك الله للظالمين.
أخبرنا القرآن الكريم، وتعلمنا من التاريخ أن اليهود والصليبيين والصهاينة؛ قد أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، وانتصر لعباده المستضعفين، ونصر عباده الصادقين، فتهاوت حصونهم وهُدَّت أركانهم.
إن السنن الإلهية وسنة إهلاك الله تعالى عِزه وجبروته للظالمين ستلحق الصهاينة وأعوانهم، بإذن الله القوي العزيز. والأدلة كثيرة منها:
– لما طغى نظام الأسد وقبله كل من القدافي وبن علي ومبارك وغيرهم، وتجاوزوا الحد في الظلم لحقهم ما نعرفه جميعا، فهي سنّةُ إلهية تلحق الظالمين في كل زمان، وهكذا سيحصل لهذا الكيان المجرم، الذي ازداد طغيانه وإفساده وظنّ أهله أنهم قادرون على كل شيء.
– سيأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا كما فعل بأسلافهم من بني النضير الذين نزلت فيهم هذه الآية “فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب”
– إن الله سيسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب كما وعد سبحانه: “وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب”.
– سلط الله عليهم جنده ورسوله والمؤمنين وقذف في قلوبهم الرعب.
– سيبعث عليهم عبادا له سبحانه أولي بأس شديد ليسوؤوا وجوههم وليدخلوا المسجد الأقصى ويطهروه من رجسهم.
– إن الله تعالى ينسب أفعال قمعهم وقتالهم وعقوبتهم إليه سبحانه، فنجد فيها قوله: (أطفأها الله) وقوله: (بعثنا عليكم) وقوله: (وإن عدتم عدنا) وقوله: (ليبعثن عليهم) وقوله: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا)، وربنا سبحانه لا يُخلف الميعاد.
خــاتمـة:
إننا لا نهوّن من واجب التكليف الحالي الذي يقع على عاتق الأمة ونخبها والقادرين من أبنائها، بل نؤكد على الأخذ بالأسباب، ونبثّ الأمل في أبناء الأمة ونعزز اليقين، وندعو إلى حسن الظن بالله، ونؤمن أنه لا يعلم جنود ربنا إلا هو سبحانه، وندعو إلى الفقه بسنن الله تعالى، ونؤكد على جعل قضية هذا الصراع قضية مركزية ومحورية، ونؤمن أن ما عند الله لا ينال إلا بالصدق مع الله، والعودة إلى دينه، والتعلق بالله وحسن الظن به.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.