الحليب الأسود
د. زكية بلمودن
كتاب رائع بكل ما للكلمة من معنى، تقرأه المقبلات على تجربة الأمومة، للتعرف والتغلب على الضيف الثقيل المتربص بالأمهات: اكتئاب ما بعد الولادة، كما تصوره الكاتبة التركية في حلة أدبية نفسية راقية.
لم أكن في حاجة لقراءة ما قالته Elif Shafak عمن توجه إليه كتابها (حليب أسود) لأعرف أنها تعنيني كثيرا، بمجرد أن عرفت أنها تحكي عن تجربة شخصية في اكتئاب ما بعد الولادة عرفت أنها ستتحدث عن شيء جميل وحميم في الأمومة، أنا لم أتعرض لتجربة مشابهة، ولا أقرؤها خوفا أو ترقبا لحدث كل امرأة معرضة له، وكل أم بالضبط، لكنني أقبلت على الكتاب لاصطياد أحاسيس لن تمر عليها الكاتبة الأم دون وصفها بعيدا عن سوداوية المرض، عرفت قبل قراءته، أنها ستتكلم عن مشاعر تهزها الأمومة داخل كل امرأة حتى وإن كانت كاتبة “لقيطة إسطنبول”، التي كانت مقتنعة بكل حرف من كتابتها التي جرتها لقاعة المحكمة، أقبلت على قراءة مذكرات (حليب أسود) لتذكرني بشيء أحسست به وعاينته، ولم أستطع التعبير عنه، وقد جئت بحسي الأدبي البسيط أبحث عنه وسط تجربة الأمومة الطافحة لكاتبة يفوح أسلوبها بالصدق والرقي، أحسست أنها لن تجنب من تقرأه السقوط في كآبة الولادة فقط، بل ستجعلها تنجذب نحو الإحساس الغامر الذي تمتلئ منه الحامل منذ اللحظات الأولى لإحساسها بالجنين يترعرع في دواخلها. الولادة ليست وضع طفل وإخراجه إلى الحياة، بل هي مخاض نفسي تتفتق عنه ولادة نفسية للأم الكائنة في أعماق كل أنثى، تلدها في كل مرة تلد فيها أطفالها، في كل ولادة، تضع جزءا من أمومتها …
ها هي ذي أليف شافاق توقظ الجنين الراكد داخل كل أم أحست بطعم الأمومة فعلا، إذ ليست كل من تلد أما: فكم من والدة لم يتحرك في داخلها شيء، وكم من أم زلزل حنان الأمومة أعماقها وهي لم تلد.
شخصيا، لقد أرجعتني إليف شافاق إلى كل كل ما أحسست به يوما ما، بل وأياما وشهورا، من مشاعر متضاربة، وأنا أتأمل بفطرية في قدسية هذا الإحساس على بساطته، في غموضه وجلائه، في صفائه وكدرته، في هدوئه وصخبه، في سلامه وحربه، وفي وعورته وروعته.