منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين عيني وأعين الناس

بين عيني وأعين الناس/ فؤاد هراجة

0

بين عيني وأعين الناس

بقلم: فؤاد هراجة

من المُسَلَّمِ به أن سمعة الشخص تسبقه، فهي لا تعترف بامتداد الزمان ولا بحدود المكان؛ فالشخص شاء أم أبى هو واقع تحت أعين الناس، يتابعون -بعفوية وتلقائية- سلوكه وأفعاله وتصرفاته، فتتشتت أجزاء صورته بين الناس، كل يراه من زاويته، ومع مرور الوقت تتكون بشكل جمعي سمعته وصِيتُه وصورته المنعكسة عند الآخر.

ومهما فعل الإنسان، ومهما تقنع بأقنعة مخالفة لحقيقته، فإن الأعين التي ترصده من حيث لا يرصدها قادرة على إسقاط كل الأقنعة وإظهاره على حقيقته، كما أن الزمن كشَّاف، والطبع يغلب التطبع، وهو إلى التعرية أقرب! لكن ألا يستحي الإنسان من نفسه حتى وإن رفع الناس من شأنه ومن قدره، ألا يعرف هو نفسه وما يُسِرُّ معها من أفعال وتصرفات يخشى أن يطلع عليها القريب قبل البعيد؟ ألا يعلم كل إنسان مهما عظَّمه الناس مكامن ضعفه وعجزه؟ لا شك أن كل إنسان هو أعرف بنفسه من أي شخص آخر.

لكن هل يقتضي صدق الإنسان مع نفسه وصدقه مع الآخرين أن يُبرِزَ جوانب ضعفه وعجزه أمام الناس، أم أن هذا الأمر ينبغي أن يبقى بينه وبين نفسه حفاظا على شخصيته؟ سؤال من هذا القبيل يحتاج طبيبا، عالما بخبايا النفس وحيلها، وخبيرا بحقيقتها وطبيعتها، وهو أمر لا يجتمع إلا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رُوِيَ عنه أنه كان يقول: اللهم اجعلني شكورا واجعلني صبورا واجعلني في عيني صغيرا وفي أعين الناس كبيرا. رواه البزار وحسَّنَهُ.

فلنتامل عبارة ”اجعلني في عيني صغيرا“ ألا يدعونا من خلالها رسول صلى الله عليه وسلم أن نكون صغارا متواضعين في دواخلنا، حاملين النفس على الاعتراف بنقصها وتقصيرها وضعفها وقلة حيلتها؟ ثم ألا ترشدنا عبارة ”وفي أعين الناس كبيرا“ أن نحرص على حسن السمعة وطيب الصيت بين الناس؟ أليس حَرِيًّا بكل عاقل أن يجد لنفسه تقديرا وتثمينا عند الناس خاصة إذا كان صاحب رسالة وصاحب فكر وصاحب دعوة، فنظرة الناس إليه بتبجيل وتوقير تجعل كلامه نافذا ومسموعا، فضلا عن جعل الناس يتأثرون به ومن ثم الاقتداء بسلوكه. وبما أن الجمع بين أمرين متناقضين في شخص واحد يعد أمرا صعبا للغاية (صغيرا/كبيرا)، فإن الرسول صلى الله عليه لجأ إلى ربه بالافتقار والدعاء لعله يحقق فيه ما تعجز النفس على بلوغه وجمعه.

وقصارى القول، فإن هذا الحديث يعد ومضة نبوية قبل أن يكون دعاء، فهو من جهة، يتضمن الكيفية التي ينبغي أن ينظر بها الانسان إلى نفسه، وكيف يتوجب عليه أن يطمح ليكون كبيرا في أعين الناس، ومن جهة أخرى يتضمن قاعدة ذهبية مفادها: ” على قدر صِغَرِكِ في عينك، تكبُر في أعين الناس“؛ أي كلما تواضعت في نفسك ازددت رفعة بين الخلق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.