منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(15) التطبيع مع اليهود بين الاقتضاء الأصلي وواقع العدوان (2) | طباع اليهود ومخاطر التطبيع

الدكتور عبد الحليم أيت أمجوض

0

إن سلوك اليهود الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والذين قتلوا الأنبياء بغير حق، والذين يعيثون في الأرض فسادا بالظلم والاعتداء على الدين والأنفس والأموال والأعراض والنسل، وما يزالون، يجعل التطبيع والحوار معهم بالتي هي أحسن وإيجاد أرضية التوحيد المشتركة ووحدة الإنسانية[1] من المستحيلات في حاضر المسلمين شرعا وعقلا وقانونا، إلا أن يغيروا من سلوكهم هذا ويردوا المظالم إلى أهلها، قال الله عز وجل: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم. ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون”[2].

وقد تولاهم المستكبرون في العالم اليوم وظاهروا جميعا على إخراج الفلسطينيين من أرضهم وتقتيلهم لأطماع ومصالح ظاهرة وخفية في الشرق الأوسط وثرواته، وليس يفهم كيف يقر السيد الأمريكي الأبيض بتهجير الفلسطينيين من أرضهم بدعوى الحق التاريخي البعيد، ولا يقر بذلك على نفسه بقوة الحق التاريخي القريب للهنود وسكان أمريكا الأصليين الذين قتلوا ودمرت حضارتهم في التاريخ القريب جدا من طرف أجداده من رعاة البقر الذين ادعوا استكشاف أرض آهلة بالسكان، فاستوطنوا أرضا غير أرضهم ونهبوا خيراتها ولا يزالون، فلم لا يعود هؤلاء البيض إلى أوروبا ويتركون ذوي الحق التاريخي في أمريكا بسلام؟

ولِـمَ لَـمْ تمنح أوروبا أو أمريكا لليهود إقليما من أراضيهما الواسعة إذا أرادوا التكفير عن أخطائهم في حق اليهود تاريخيا كما يدعون، فتصبح مثلا دولة الكيان الصهيوني ولاية من ولايات أمريكا فتكون أقرب إليها من حبل الوريد أرضا وواقعا، كما هي في جوفها اليوم حكما وتأثيرا؟؟

إن منطق النبي موسى والسيد المسيح عليهما السلام لا يختلف عن منطق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا تختلف كتبهم، في رفض الظلم والاستكبار والاعتداء. ولو كانوا بين أظهرنا اليوم لتظاهروا لإخراج اليهود الغاصبين من فلسطين، فهلا توحدت جبهة الموحدين على مقتضى الأخوة الإنسانية الشرط الثاني من شروط الكلمة السواء وفاء لرسالات أنبيائهم ورسلهم؟ هلموا أيها الفضلاء!!! أيها العقلاء الموحدون الأحرار!!!

أما الحديث مع من يجوزون التطبيع، بل الاستسلام، في حر الاحتلال الصهيوني من داخل الدائرة الإسلامية، فيقتضي تذكيرهم ببعض المعطيات تبين منطق التعامل الشرعي المفترض[3]، وهي كما يأتي:

1.إن الكيان الصهيوني دولة محاربة للإسلام والمسلمين منذ نشأتها، بل قامت على تشريد الفلسطينيين وسفك دمائهم واغتصاب أراضيهم، ولا يحتاج المتتبع لتاريخها تذكيرا بسلسلة حروبها التي لم تنته بعد.

2.الصهاينة ليسوا طرفا يبحث عن السلام كخيار، وإنما يستخدمونه مناورة مرحلية لأهداف معلومة، دلت على ذلك؛ اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، واتفاقيات مدريد مع الدول العربية المنصاعة، واتفاقيات أوسلو مع السلطة الفلسطينية، واتفاقيات وادي عربة مع الأردن، وكلها اتفاقيات خدمت الدولة الصهيونية وخرج العرب منها بدون خفين، مرهونين بقروض شديدة الوطأة من صندوق النقد الدولي الذي يسيطر عليه اليهود.

3. الصهاينة يريدون قلب المعايير الشرعية والدولية، فهم أقلية تريد من خلال اتفاقيات السلام أن تجعل أزيد من مليار مسلم عالة عبيدا يتكففون عصابة لا تتجاوز بضعة عشر مليونا في العالم كله.

4.الاستسلام المذل مناقض لمقتضى الكرامة ولعدد من النصوص الشرعية منها الآيات المذكورة التي استثنت الظالمين من الأمر بالبر والقسط والمجادلة بالتي هي أحسن، فضلا عن قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم  جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل”[4]، وقوله تعالى على لسان سيدنا موسى: “قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين”[5].

فهل يدرك المطبعون هذه المخاطر؟؟؟ ألا فليسقط التطبيع قبل فوات الأوان…


[1]  – التي تتنافى مع ادعائهم السمو والتعالي على سائر الخلق.

[2] – سورة الممتحنة، الآيتان:8-9.

[3] – خالد سليمان حمود الفهداوي، الفقه السياسي الإسلامي، ص:219 وما بعدها.

[4] – سورة الممتحنة، الآية:1.

[5] – سورة القصص، الآية:16 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.