منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المشاهب: نقطة ضوء في مدينة الأشباح

د. عبد القادر الدحمني

0
المشاهب: نقطة ضوء في مدينة الأشباح
د. عبد القادر الدحمني
منذ مدة طويلة لم أحضر نشاطا ثقافيا في مدينة سوق أربعاء الغرب، لعل آخر الأنشطة كان حفل توقيع ديوان شعري للصديق العزيز منصور الفلاحي بقاعة العروض الخاصة بثانوية سيدي عيسى، والتي هي نفس قاعة المطعم لداخليتها القديمة.
لماذا هذا الاستهلال؟
البارحة زارتنا في مدينتنا الفرقة الغنائية المتميزة “مجموعة المشاهب”، والتي تم تأسيسها سنوات عديدة قبل أن أولد، ولا زالت تكافح بخطها الغنائي الملتزم والهادف، وبكلمات أغانيها المنتقاة والمعبرة والوازنة دلاليا ونفسيا وجماليا..
حسب ما فهمت من نص الإعلان والدعوة، أن الفرقة تنظم جولة وطنية في إطار احتفالياتها الفنية بالتقدم الحاصل في قضية الوحدة الترابية للوطن، تتضمن عددا من المدن، تدخل بعض الفضلاء لتشمل أيضا مدينة سوق أربعاء الغرب، وهكذا، تم التنسيق والترخيص، والاحتضان، رغم أن المجهود الأكبر كما يبدو، قد تحمّله الصديق الدكتور أسامة الصغير المعروف بصداقته مع أفراد المجموعة الفنية.
مازحني أحد الأصدقاء حين علم برغبتي في الحضور، فأجبته بأنه لا مشكلة لدي في الحضور، من جهتين، من حيث سياق الحفل، وهو سياق وطني لا نختلف عليه مبدئيا، ومن حيث الخط الفني للمشاهب، والذي لا نختلف حوله أيضا، إلا على مستوى اختلاف الأذواق، لكنني أتوجّس فقط من طبيعة الجهة المنظمة، فأتأكد منها، ومن الغايات، غير الفنية ولا الوطنية، التي قد تثوي خلف النشاط، وهو ما عرفت خلافه، ما دام الحفل بمبادرة من الفرقة ذاتها، في إطار جولتها. نعم، من الطبيعي أن يسعى كل واحد إلى توظيف الحفل لخدمة أجندته، في مدينة هامشية صغيرة، حتى السعال قد يُؤوَّل فيها سياسيا، وتكون له تداعيات على مستوى هدير الانتخابات وتحالفاتها وإشاعاتها..
“ما علينا”..
خطوة جميلة أن تأتي فرقة غنائية بوزن وجمالية وتميز مجموعة المشاهب، وجميل أن تكون القضية جامعة، مثل الاحتفاء بالقرار الأممي الذي يقترب من الإنصاف على مضض، لكن السؤال المطروح بمرارة، هو: ألا يشعر المجلس البلدي بالعار وهو ينظم حفلا فنيا لفرقة وازنة في ذلك الفضاء العاري غير المناسب لمثل تلك السهرات؟
ألا يدفع الحال المزري للقاعة، التي لا تتوفر فيها شروط العرض الغنائي بتاتا إلى الخجل؟ ما دامت قاعة مخصصة لبعض أنشطة دار الشباب، والتي صارت في عداد المؤسسات الميتة منذ سنوات عديدة، خاصة وأنك تحتاج إلى رحلة شاقة لقطع المفاوز والقفار لتصل إليها، وتحتاج إلى مصباح يدوي كي تدخل إليها كأنك داخل إلى معلم أثري قديم اندرست معالمه وتداعى بناؤه.
يعز عليّ أن أركز هنا على الجانب السلبي القاتم من الصورة، وأن أخدش الأثر الفني والجمالي الطيب الذي تركته الفرقة رغم الظروف المزرية التي غنّت فيها، في ظل صوتيات متردّية وقاعة غير مناسبة، وجمهور حضر على عجل، وباله مشغول بمباراة كرة القدم.
لماذا هذا الكلام؟
منذ سنوات وأصوات الفاعلين الثقافيين ترتفع بالصراخ والمطالبات والمناشدات والالتماسات، كي يتفضل على المدينة رعاة شأنها، من منتخبين ورجال سلطة، بإطلاق سراح المركز الثقافي، وبناء قاعة عروض فنية ومسرحية تليق بالفن وبالمدينة، ولكن كأننا في مدينة أشباح، فلا يجيبك إلا صدى صوتك.
هل الأمر يتعلق بإرادة سياسية مصرة على إبقاء المدينة تحت الماء، وخنق صوتها بهذا القدر المؤذي، والمؤدّي إلى هجرة العديد من الفعاليات التي لا تجد أفضية مدنية وثقافية وترفيهية كي تتنفّس؟
لماذا تتوفر حد كورت وهي “فيلاج صغير” على مركز ثقافي، وتتوفر مدينة أصغر من سوق الأربعاء، وهي مدينة بلقصيري على مركز ثقافي، ولا أثر للفكرة ولا تداعياتها عند الملجس البلدي للمدينة وسلطاتها الإدراية؟؟؟
صدقوني، أنني سلمت على بعض أعضاء الفرقة بنية الاعتذار عن سوء الاستضافة المكانية..
استضافة المشاهب، نقطة ضوء، في ظل برامج “المواسم” و”الزيطي” الذي تزدهر فيه سوق “الماحيا” والكريساج، نعم. ولكنها صورة نخدشها بصمت القبور، في غياب الاستجابة لمطالب بسيطة يرفعها عقلاء المدينة منذ عقود..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.