ورد في القرآن الكريم عدد من الآيات البينات التي تستعرض عددا من الخوارق التي طلبها المشركون من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لتكون دليلا على صدقه وحجة على نبوته، ودائما كان الله تعالى يرد عليهم بأن القرآن هو معجزة المعجزات، فيه من البراهين والدلائل والحجج ما فيه كفاية لمكتف، جاء ذلك في قوله تعالى في سورة العنكبوت: » وَقَالُوا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبـِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىا عَلَيْهِمُ إِنَّ فِي ذَالِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىا لِقَوْمٍ يُومِنُونَ«[1] ، وفي قوله تعالى في سورة الإسراء: »وَقَالُوا لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّىا تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الاَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا اَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا اَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلآَئِـكَةِ قَبِيلاً اَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ اَوْ تَرْقَىا فِي السَّمَآءِ وَلَن نُّومِنَ لِرُقِـيـِّكَ حَتَّىا تُـنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبـِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً « [2] وفي قوله تعالى في سورة الفرقان : » وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاَسْوَاقِ لَوْلآَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا اَوْ يُلْقَىآ إِلَيْهِ كَنزٌ اَوْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَاكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا « [3].
وبدل استمرار الكفار في إحراج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمطالبته بالإتيان بمعجزات تدل على صدقه بدأ القرآن الكريم يحرجهم ويتحداهم في الإتيان بمثل هذا القرآن، ليكون إتيانهم بمثله دليلا على أنه مجرد كلام مفترى. وقد ورد هذا التحدي في قوله تعالى في سورة الإسراء : »قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىآ أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا « [4]، وفي قوله تعالى في سورة هود : » اَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ « [5]، وفي قوله تعالى في سورة يونس : » أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ« [6]، وقد بقي هذا التحدي قائما إلى اليوم، بل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في قوله تعالى : » وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىا عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ « [7]، هذه الآيات وغيرها جعلت الجابري الذي يزعم أنه يحتج بالقرآن وبالقرآن وحده يستدل بها على أنه لا توجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزات غير القرآن الكريم.
وكل ما ورد من أخبار حول معجزات وقعت لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وحضرها الآلاف من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم، ورووها جيلا بعد جيل حتى بلغت حد التواتر، » فلا أصل له« [8]،-عند الجابري – بل هي – عنده – مجرد أخبار واهية، وروايات يكذبها القرآن نفسه – حسب زعم الجابري – لأن » القرآن..هو المرجع المعتمد أولا وأخيرا « [9]، أما السنة فلا حجية لها، خصوصا و »أن بعض علماء الإسلام قد أجازوا وضع الحديث… « [10]. وإذا ” جاز وضع الحديث ” على النبي – صلى الله عليه وسلم – ولو في مجال الترغيب والترهيب فمن الصعب أن نميز بين الغث والسمين، وبالتالي فطرح السنة جملة أولى.
أما إذا كان » هناك روايات تحدثت عن أمور كثيرة نسبت إلى النبي على أنها معجزات له من النوع الخارق للعادة ، وكلها أحاديث آحاد ، ومعظمها من النوع الذي يتساهل فيه رجال الحديث[11]…فلا تؤخذ بعين الاعتبار لأن القرآن كرر مرارا أنه لا فائدة في مثل هذه المعجزات ما دام قد كذب بها أقوام أنبياء سابقين ، وأن المعجزة الحقيقية التي جاء بها الرسول محمد عليه السلام هي القرآن « [12]، هذا الكلام الذي يأتي به الجابري من تلقاء نفسه وينسبه لعلماء الإسلام – أقصد تجويز العلماء للوضع أو التساهل في رواية الحديث -، ثم يستشهد على صحته بالقرآن، والقرآن وعلماء الإسلام منه براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام .
إن إنكار الجابري وجود معجزات لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – غير القرآن مخالف للحق والواقع، بل مخالف للقرآن نفسه الذي يزعم الجابري أنه المرجع المعتمد أولا وأخيرا، فقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم عددا من المعجزات التي نسبها لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – في سياق امتنان الله عليه، وبيان جليل قدره، وعظيم فضله عند ربه جل وعلا، فقد روى البيهقي في دلائل النبوة وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما ، في قصة بدر قال : ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : ” إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا ” فقال له جبريل عليه السلام : ” خذ قبضة من التراب ، فأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوههم ، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فولوا مدبرين[13] “. فهذه معجزة باهرة، وكرامة ظاهرة، ذكرها الله تعالى في قوله جل وعلا : » فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىا وَلِيُبْلِيَ الْمُومِنِينَ مِنْهُ بَلآَءً حَسَنًا اِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ذَالِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الْكَافِرِينَ « [14].
معجزة العصمة من القتل:
ومن المعجزات التي وقعت لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – بشهادة القرآن الكريم عصمته عليه السلام من القتل، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه. قالت : قلت : ما شأنك يا رسول الله ؟ قالت: فقال : ” ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ” قالت : فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح ، فقال : ” من هذا ؟ ” قال : أنا سعد بن مالك ، فقال : ” ما جاء بك ؟ ” قال : جئت لأحرسك يا رسول الله ، قالت : فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه “[15]، هكذا كان رسول الله صلى يحتاط لنفسه حتى نزل قوله تعالى: » يَآ أَيـُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبـِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ « [16]، وعند ذلك اطمأن رسول الله صلى عليه إلى حفظ الله تعالى وصرف عنه الحراس، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحرس حتى نزلت هذه الآية والله يعصمك من الناس فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم : ” أيها الناس ، انصرفوا فقد عصمني الله [17]“.
معجزة الإسراء والمعراج:
ومن المعجزات الكبرى التي حدثت لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – وخلد القرآن الكريم ذكرها إلى يوم الدين معجزة الإسراء والمعراج، التي وردت في قوله تعالى : » سُبْحَانَ الذِي أَسْرَىا بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنَ ـ ايَاتِنَآ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « [18].
إلا أن الجابري لما لم يستطع إنكار معجزة الإسراء لأنها وردت في القرآن الكريم لجأ إلى أسلوب آخر من المراوغة، حيث ذهب إلى أن » الظاهر من الروايات الأساسية في الموضوع أن ذلك حصل في المنام « [19]، ثم أورد الجابري كلاما فيه نوع من التضليل حين زعم أن المفسرين اختلفوا في معنى الرؤيا المذكورة في سورة الإسراء بقوله : » اختلف المفسرون في المقصود بالرؤيا فقال معظمهم الإسراء ، واختلفوا هل هي رؤية بصرية أم رؤية قلبية ، هل حدث الإسراء وهو نائم فيكون رؤيا بمعنى حلم ، أم أنه حدث وهو مستيقظ. ولكل أحاديث وآثار يحتج بها . أما معاصرو النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين فقد استهزؤوا بذلك، كما لم يستسغها بعض الذين كانوا قد أسلموا حديثا ، فارتدوا فكانت ” فتنة ” [20]« ، فقوله أما معاصرو النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين فقد استهزؤوا بذلك دليل على أن الإسراء كان حقيقة واقعية وحدثا مزلزلا، لأن ما يراه الإنسان في المنام لا يكون مستغربا ولا معجزا ولا سببا للسخرية والاستهزاء، وقول الجابري، كما لم يستسغها بعض الذين كانوا قد أسلموا حديثا، فارتدوا فكانت ” فتنة”، دليل آخر على أن الإسراء كان حدثا حقيقا وليس مناما، لأن الأحلام لا تكون فتنة، إذ كيف يؤمن الإنسان بالوحي ويكفر برحلة الإسراء التي لم تقع إلا في المنام حسب زعم الجابري.
وأعجب من هذا اشتغال الجابري بالروايات التي يزعم أن الظاهر منها أن الإسراء كان مناما، مع إعراضه عن السياق القرآني الذي طال ما رد به الروايات الصحيحة، فالسياق القرآني يقول إن الافتتاح بكلمة التسبيح من دون أن يسبقها كلام يتضمن ما يَوجب تنزيه الله تعالى عنه يؤذن بأن خبراً عجيباً يستقبله السامعون، يدل على عظيم القدرة من المتكلم جل وعلا، ورفيع منزلة المتحدث عنه صلى الله عليه وسلم، لأن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيهاً أو تنقيصاً لا يليقان بجلال الله تعالى يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه ، وهو التعجب من الخبر المتحدث به، فهل ينطبق هذا على رؤيا منامية أم على حقيقة واقعية؟. وهذا أمر استنكف عن فعله حتى كبار المستشرقين الذين أخذ عنهم الجابري بدعة أن القرآن ينص على أنه المعجزة الوحيدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول نولدكه في تعليقه على الآية الأولى من سورة الإسراء : » تتعلق بإسراء محمد من مكة إلى بيت المقدس . ويعتبره التفسير التقليدي معجزة ، ما لا يتوافق مع كون النبي…رفض اجتراح المعجزات صراحة في مواضع كثيرة من القرآن ، معلنا أنه نذير وبشير فقط . لهذا ينبغي لنا أن نفترض أن محمدا أراد أن يروي حلما وحسب . ولا يمكن التوفيق بين هذا الافتراض والنص الحرفي للآية..إلا إذا اعتبرنا أن محمدا لم يعتبر الحلم خدعة حسية بل خبرة فعلية عاشها « [21]، فنولدكه يعترف صراحة أن نص الآية لا يسمح بالقول بأن الإسراء كان حلما، رغم محاولته التأويل لنفي التعارض المزعوم مع الآيات التي تعيب على المشركين مطالبتهم النبي باجتراح خوارق تثبت صدقه .
أما المعراج فقد أنكر الجابري وقوعه أصلا، لأنه » لم يرد ذكره في القرآن وإنما ذكر الإسراء وحده « [22]، وهذا ما لم يقل به – أقصد إنكار أحداث تاريخية كبرى – حتى أحد كبار المستشرقين مثل نولدكه الذي قال : » إن المصدر الأول الذي سنعتمد عليه هو النقل التاريخي . وهو يحوز أكبر قدر من الثقة حين يتعلق بحوادث ذات أهمية بالغة لتاريخ الإسلام « [23]، مع العلم أن القرآن الكريم نفسه كما تحدث عن الإسراء تحدث عن المعراج في قوله تعالى : » أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىا مَا يَرَىا وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَىا عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىا عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىآ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىا مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىا لَقَدْ رَأَىا مِنَ ـ ايَاتِ رَبـِّهِ الْكُبْرَىآ « [24].
هكذا يحتج الجابري بالقرآن وبالسياق القرآني على رد الروايات الصحيحة عندما تخالف مقاصده، ثم يعرض عما ورد في القرآن ويتغافل عن السياق القرآني وتصبح للروايات الواهية وحتى المكذوبة قيمتها عندما تتفق مع مقاصده، فهل ترك الجابري بعد كل هذا للقارئ فرصة ليحسن به الظن[25] ؟ أو ليفترض في كلامه حسن النية ؟. وأقصد هنا حسن الظن والثقة على مستوى الكفاءة العلمية والموضوعية المعرفية.
لقد رأينا كيف أخرج الجابري مواقف المستشرقين من الإسراء إخراجا سيئا إذ تفوق عليهم والإنكار ومجافاة الحقيقة، وفعل الشيء نفسه مع حادثة المعراج، إذ أن موقفه منه لم يكن إلا صدى لأقوال المستشرقين الذين زعموا أن معجزة المعراج نشأت » تحت تأثير نماذج يهودية أو مسيحية سابقة نشأت بعد مدة من وفاة محمد أسطورة المعراج . وقد اعتمد المسلمون في وصفهم لها بشكل خاص على نص سورة النجم « [26].
وعلى عكس ما ذهب إليه الجابري من أنه ليس لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا معجزة واحدة هي القرآن الكريم، فإن علماءنا – رحمهم الله تعالى – يرون أنه لما كانت رسالة نبينا – صلى الله عليه وسلم – تعم الناس جميعا، وشريعته ناسخة لما تقدم من الشرائع، اقتضى كل ذلك أن تكون براهينها أظهر، وآياتها أبهر، ودلائل صدقها أكثر وضوحا، مبالغة في إقامة الحجة على الناس، ولذلك أيده الله بأنواع من الآيات الباهرة، والعلامات الظاهرة، فيها عبرة لمعتبر، بل إن أحواله وأقواله وأفعاله – عليه السلام – كلها عجب عجاب، تسلب عقول أولي الألباب.
أنواع معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم:
لقد أحصى علماؤنا – رضوان الله عليهم أجمعين – لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ألف معجزة[27]، وهي ترجع إلى سبعة أنواع :
النوع الأول :
هو القرآن العظيم، الذي عجز الإنس والجن على الإتيان بمثله، والذي تضمن من العلوم الإلهية والحكم الربانية والأسرار التي كانت محجوبة عن عقول البرية ما يدل قطعا على أنه تنزيل من حكيم حميد .
النوع الثاني :
ما سبق قبله من الإعلام به، والمبشرات التي دلت على قرب بعثته في كتب الأمم السابقة كالتوراة والإنجيل .
النوع الثالث :
ما وهبه الله تعالى لرسوله – صلى الله عليه وسلم – من الأخلاق العظيمة، والشمائل الكريمة، والفضائل الكبيرة التي لا يجمعها الله إلا لأحب عباده وأكرمهم عليه، ولله در القائل :
خلقت مبرأ من كل عيب كأنما خلقت كما تشاء
وحسبك من ذلك قوله سبحانه وتعالى : “وإنك لعلى خلق عظيم “[28].
النوع الرابع :
ظهور دينه في المشارق والمغارب كما وعد أصحابه – صلى الله عليه وسلم – في كثير من الأخبار التي وردت عنه ولم يكن يعلمها إلا الله تعالى، ولكن ظهور هذه الأخبار على مسرح الزمن مع توالي الأيام أكد صدقه، ورفع بين الناس قدره، فعن تميم الداري رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ” ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز ، أو بذل ذليل ، يعز بعز الله في الإسلام ، ويذل به في الكفر [29]“.
النوع الخامس :
حفظ الله تعالى لهذا الدين الذي جاء به من التغيير والتبديل والتحريف منذ أزيد من ألف وأربعمائة عام، ونقصد بالحفظ هنا حفظ الدين كله، كتابا وسنة وفهما، فإن ذلك يظهر أن هذا الحفظ حفظ رباني وبأمر سماوي .
النوع السادس :
إعلم أنه قد اختلف في صحة ظهور الكرامات على أيدي الصالحين من عباد الله، فذهب المعتزلة إلى إنكارها خوفا من اختلاط الكرامة التي تظهر لأصحاب الاستقامة مع ما يظهر على أيدي الزنادقة من خوارق بقصد الاستدراج، وذهب جمهور الأمة إلى صحة ذلك لأنه واقع ومشاهد ولا مجال لإنكاره، قال صاحب جوهرة التوحيد :
وأثبتن للأوليا الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه
و ما ظهر لسائر أمته – صلى الله عليه وسلم – من الكرامات فإنها دليل على صحة دينهم وصدق متبوعهم – صلى الله عليه وسلم –، وهي فرع من معجزاته – عليه السلام -، فلا يصح وقوع خوارق للصالحين من أمته مع امتناعها في حقه. وقد أورد الشاطبي عددا من الكرامات التي حصلت لبعض الصالحين في كتابه الموافقات منها ما ورد : » عن أبي الخير البصري أنه كان بفناء داره رجل أسود فقير يأوي إلى الخرابات قال: فحملت معي شيئا وطلبته، فلما وقعت عينه علي تبسم وأشار بيده إلى الأرض، فرأيت الأرض كلها ذهبا تلمع. ثم قال: هات ما معك. فناولته وهالني أمره وهربت . وحكي عن النوري أنه خرج ليلة إلى شاطئ دجلة؛ فوجدها وقد التزق الشطان، فانصرف وقال: وعزتك لا أجوزها إلا في زورق . وعن سعيد بن يحيى البصري؛ قال: أتيت عبد الرحمن بن زيد وهو جالس في ظل، فقلت له: لو سألت الله أن يوسع عليك الرزق لرجوت أن يفعل. فقال: ربي أعلم بمصالح عباده، ثم أخذ حصى من الأرض، ثم قال: اللهم إن شئت أن تجعلها ذهبا فعلت، فإذا هي والله في يده ذهب، فألقاها إلي وقال: أنفقها أنت؛ فلا خير في الدنيا إلا للآخرة « [30].
النوع السابع :
ما ظهر على يديه – صلى الله عليه وسلم – من المعجزات الخوارق للعادات، وهي كثيرة جدا، وهي بالنظر إلى طرق نقلها إلينا ليست أخبار آحاد من النوع الذي يفيد الظن – كما يزعم الجابري – بل تفيد القطع وإن في مجموعها، لأنها من العقائد التي ينبغي أن تعلم علما يقينيا، ولذلك وصلتنا إما بالاشتهار وإما بالتواتر اللفظي أو المعنوي وبالتالي فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام[31] :
القسم الأول : ما نقطع بصحته فتقوم به الحجة وإن كان واحدا على انفراده كالقرآن العظيم، وكانشقاق القمر لوروده في القرآن الكريم، وكنبع الماء من بين أصابعه – صلى الله عليه وسلم -، وتكثير الطعام القليل، لاشتهار ذلك وانتشاره وعدول رواته ووقوعه في مشاهد عظيمة ومحافل كثيرة بلغت حد التواتر اللفظي .
القسم الثاني : ما نقطع بصحة نوعه لكثرة وقوعه، وإن لم نقطع بصحة آحاده، كالإخبار بالغيوب وإجابة الدعوات، فإن ذلك كثر منه – صلى الله عليه وسلم – حتى بلغ حد التواتر المعنوي، فصار مجموعه مقطوعا به .
القسم الثالث : ما نقل نوعه وأشخاصه نقل الآحاد، ولكن إذا جمع إلى غيره أفاد القطع بوقوع تلك المعجزات .
وقبل غلق هذا المبحث لابد من التعليق على كلام الجابري الذي زعم فيه أن هناك من العلماء من أجاز وضع الحديث على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مسائل الترغيب والترهيب، وهذا كلام لا يصدر إلا ممن قصر فهمه لعلوم الشريعة وقل اطلاعه على مواقف العلماء وأقوالهم في هذا الباب، لأن الأمة أجمعت على أن الكذب حرام على عموم الناس فكيف بالكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، إذ هو في النهاية كذب على الله جل وعلا » وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا اَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ « [32]، بل لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه كذب على الله لعاجله بالعقوبة » وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنَ اَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ « [33]، وأنى لعالم أن يستبيح الكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يعلم أنه يلج بذلك بابا من أبواب النار، فعن المغيرة رضي الله عنه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن كذبا علي ليس ككذب على أحد ، من كذب علي متعمدا ، فليتبوأ مقعده من النار[34] “، كما أن العلماء شددوا في هذا الأمر لخطورته تشديدا لم يرد مثله في غيره، يقول ابن الصلاح رحمه الله تعالى : » التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق تقبل روايته ، إلا التائب من الكذب متعمدا في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإنه لا تقبل روايته أبدا، وإن حسنت توبته على ما ذكر غير واحد من أهل العلم ، منهم أحمد بن حنبل ، وأبو بكر الحميدي ، شيخ البخاري « [35].
أما ما نسبه الجابري للعلماء من تساهل في رواية بعض الأحاديث التي لم ترق إلى درجة الصحة في مجال الترغيب والترهيب فليست على إطلاقها، بل إنهم وضعوا لذلك شروطا مشددة، أجملوها في ثلاثة شروط، هي[36] :
1 – ألا يكون المروي شديد الضعف .
2 – أن يندرج تحت أصل كلي ثبت بالكتاب أو السنة الصحيحة .
3 – ألا يعارضه دليل أقوى منه .
ورغم كل هذه الشروط التي وضعها الذين جوزوا العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بحجة أن الأخذ بالحديث الضعيف أفضل من العمل بالرأي ، فإن الأمر غير مسلم عند كثير من العلماء ، » لأن لنا مندوحة عنه بما ثبت لدينا من الأحاديث الصحاح والحسان ، وهي كثيرة جدا في الأحكام الشرعية والفضائل الخلقية « [37] .
[1] سورة العنكبوت ، الآية 50 – 51 .
[2] سورة الإسراء ، الآية 90 – 93 .
[3] سورة الفرقان ، الآية 7 – 8 .
[4] سورة الإسراء ، الآية 88 .
[5] سورة هود ، الآية 13 .
[6] سورة يونس ، الآية 38 .
[7] سورة البقرة ، الآية 23 – 24 .
[8] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 385 .
[9] العقل السياسي العربي ، ص 59 .
[10] العقل الأخلاقي العربي ، ص 535 .
[11] التعريف بالقرآن ، ص 190 .
[12] فهم القرآن القسم الأول ، ص 187 .
[13] رواه البيهقي في دلائل النبوة ، باب التقاء الجمعين ونزول الملائكة ، حديث : 935 .
[14] سورة الأنفال ، الآية 17 – 18 .
[15] رواه ابن حبان كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة ، حديث : 7096 .
[16] سورة المائدة ، الآية 67 .
[17] رواه الحاكم والترمذي وغيرهما .
[18] سورة الإسراء ، الآية 1 .
[19] التعريف بالقرآن ، ص 189 .
[20] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 334 .
[21] تاريخ القرآن ، ص 120 – 10-21 .
[22] نفس المرجع والصفحة .
[23] تاريخ القرآن ، ص 53 .
[24] سورة النجم ، الآية 12 – 18 .
[25] قال الجابري في مقدمة كتابه التعريف بالقرآن ص 17 : » ثقتي في حسن ظن القراء كبيرة « .
[26] تاريخ القرآن ، ص 89 .
[27] القوانين الفقهية ، لابن جزي ، ص 14 .
[28] سورة القلم ، الآية 4 .
[29] رواه الحاكم ، كتاب الملاحم والفتن ، حديث : 8390.
[30] الموافقات ، لأبي إسحاق الشاطبي ، تحقيق عبد الله دراز ، دار الكتب العلمية بيروت ، الطبعة السابعة ، سنة 2005 . ج 1 ص 267 .
[31] القوانين الفقهية ، ص 15 .
[32] سورة الأنعام ، الآية 21 .
[33] سورة الحاقة ، الآية44 – 47 .
[34] رواه البخاري ، كتاب الجنائز ، باب ما يكره من النياحة على الميت ، حديث : 1242 .
[35] دراسات في الجرح والتعديل ، لمحمد ضياء الرحمن الأعظمي ، عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ، الطبعة الأولى ، سنة 1995 . ص 82 .
[36] علوم الحديث ومصطلحه ، لصبحي الصالح ، دار العلم للملايين بيروت ، الطبعة 22 ، سنة 1999 . ص 212 .
[37] نفس المرجع والصفحة .