منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يتيمُ الأقصى (قصيدة)

يتيمُ الأقصى (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح

0

يتيمُ الأقصى (قصيدة)

أبو علي الصُّبَيْح

مَن مُبلِغُ الحيَّينِ أنّ الأقصى غدا ذليلِ
وأنَّ مجدَ القدسِ في ليلِ الأسى أمرٌ ثقيلِ
وأنَّ في ساحاتِهِ دمعًا يُفَجِّرُ صمتَهُ
ويُعيدُ للتاريخِ صوتًا من أنينٍ مستطيلِ
تئنُّ مآذنُهُ إذا مرَّ الطغاةُ بساحِهِ
كأنَّ الأذانَ اليومَ صرخةُ ذي جراحٍ لا تزيلِ
ويا أمةً كانتْ تُزلزلُ وقعُها صدرَ المدى
أمستْ تُقَلِّبُ كفَّها في ذلِّها قلبَ العليلِ
أينَ السيوفُ إذا استُبيحَ المسجدُ الأقصى؟
أينَ الأسودُ إذا استباحَ الليلُ حرمةَ جليلِ؟
كنتمْ إذا اشتدَّ الوغى كنتمْ لهيبَ عزيمةٍ
تجتاحُ صفَّ الباغي المتمادي كالسَّيْلِ
واليومَ صرتمْ في المواقفِ صمتَ منكسِرٍ
كأنَّ في الأعناقِ قيدًا صاغَهُ عارٌ ثقيلِ
والأقصى ينزفُ في الليالي حسرةً داميةً
ويصيحُ: هل من فارسٍ يحمِي الحِمى ويُزيلِ؟
يا قدسُ، صبرًا، إنَّ في الأعماقِ بركانًا
سيستفيقُ، ويستبيحُ الليلَ كالسيلِ
سنعودُ لا واللهِ، لا نبقي لظالمِنا
ظلًّا، ولا نرضى لعارِ الذلِّ بالتقبيلِ
سنكتبُ التاريخَ من دمنا ونرفعُ رايةً
حتى يُرى المجدُ في أفقِ العلا كالنبيلِ
يا موطنَ الإسراءِ، يا سرَّ السماءِ إذا
نادى النداءُ أتتْ أرواحُنا بالتهليلِ
إنّي لأبصرُ في الرمالِ كرامةً دفنوا
لكنّها ستعودُ في ثوبِ الفتى الجليلِ
ما ضاعَ حقٌّ خلفَهُ قومٌ إذا انتفضوا
هزّوا الجبالَ، وأفنَوا الظلمَ بالتبديلِ
يا أمةً ضيّعتِ التاريخَ من يدِها
عودي، فعارُ الصمتِ يُبقي القلبَ كالعليلِ
إنَّ الكرامةَ لا تُنالُ بدمعةٍ خجِلةٍ
بل بالدماءِ تُصانُ، والسيفُ للتمثيلِ
والسيفُ إن نامتْ سواعدُ أهلِهِ بكى
والرمحُ إن صمتتْ صدورُ القومِ كالقتيلِ
لكنّنا سنعيدُها نارًا تُزلزلُ أرضَهم
ونردُّ للأقصى بهاءً بعدَ تعليلِ
سنُقيمُ في ساحاتِهِ فجرًا نُشِيدُ بهِ
مجدًا، ونرفعُ رايةَ التوحيدِ بالتكليلِ
ونقولُ للتاريخِ: إنّا أمّةٌ صمدتْ
ولو تكسّرتِ الأيامُ في وجهِ السبيلِ
فانهضْ، أخي، لا ترضَ عيشًا فيهِ مهانةُ من
باعَ الكرامةَ واستراحَ إلى هوى الذليلِ
الأقصى ينادي: من يُجيبُ نداءَهُ؟
والصمتُ يقتلُ في الضمائرِ صوتَ كلِّ نبيلِ
يا ويحَ قومٍ باعوا المجدَ من ولهٍ
حتى غدا فيهم صهيلُ العزِّ كالعليلِ
لكنّنا رغمَ الجراحِ سنستعيدُ بهاءَهُ
ونعيدُ مجدًا في الزمانِ بلا أفولِ
سنرجعُ الأقصى ونغسلُ بالدماءِ جراحَهُ
حتى يعودَ كما عهدناهُ بالأصيلِ
إذا تكالبتِ الليالي فوقَنا ظنُّوا الفنا
لكنّ في صدرِ الليوثِ تصبُّرًا كالسيلِ
نُحيي الكرامةَ إن خبتْ في أرضِنا زمنًا
ونعيدُ مجدًا في الدهورِ بحدِّنا الصقيلِ
ما ماتَ من سكنَ العُلا في قلبِه أبدًا
بل عاشَ في ذكرِ المآثرِ خيرَ تمثيلِ
إنَّ الدروبَ وإن تطاولَ ليلُها ظلمًا
لا بدَّ من فجرٍ يُزيلُ سوادَها بالتحويلِ
يا أقصَنا، إنا على العهدِ الذي ورثوا
نمضي، ونحملُ في الضلوعِ العهدَ كالنخيلِ
لن ننثني، مهما تعاظمَ بطشُ غاصبِنا
فالحقُّ أقوى من طغاةِ الأرضِ بالتأويلِ
نحنُ الذينَ إذا استغاثَ الحقُّ لبّيناهُ
نمضي، ونكتبُ في المدى سفرًا من التبجيلِ
إنَّ العروبةَ في دماءِ الحرِّ نارُ هدىً
إن خمدتْ يومًا، تعودُ بألفِ تهليلِ
يا قدسُ، يا درةَ الزمانِ وقلبَهُ الأبدي
سنستعيدُكِ رغمَ كلِّ الجرحِ والتضليلِ
والأقصى سيعودُ رغمَ القيدِ منتصرًا
وترفرفُ الراياتُ فوقَ الذروةِ العليا كالنخيلِ
***

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.