منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رسالة إلى صديق كُتبت خلال الأيام الأولى لـ”طوفان الأقصى”، ولم تُنشر

عبد الهادي المهادي

0
 رسالة إلى صديق كُتبت خلال الأيام الأولى لـ”طوفان الأقصى”، ولم تُنشر

بقلم: عبد الهادي المهادي

بسم الله الجواد الكريم، اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على من أرسل إماما ورحمة ونذيرا للعالمين، سيدنا ومولانا وشفيعنا محمد، صلى الله عليه وسلم.
وبعد، صديقي محمد (…)
(1)
كنتُ قد قرّرتُ بأن أتوقّف عن اقتناء روايات حسن أوريد، أو قراءتها، لاعتبارات كثيرة ليس بي اللحظة أدنى رغبة في التفصيل فيها. قرأتُ له كلّ كتبه الفكرية والسياسية، وأغلب رواياته، باستثناء “رحلة من الجنوب”، التي صدرت منذ أقلّ من شهرين، بينما “الموتشو” لم أكملها. ولكنّني اليوم، وبعد أن عرفتُ بأنه يستوحي سيرة المؤرخ المغربي أبي القاسم الزياني، صاحب “الترجمانة”، مادة لروايته الأخيرة “الباشادور” اشتريتها دون تردّد.
أوّل ما قرأت له “مرايا الغرب المنكسرة”، فراقني أسلوبه، وأدهشتني سعة اطّلاعه، وكانت “رواء مكة” العمل الأدبي الذي بدأ في تزهيدي فيه، لأنّه ظهر فيه مُدّعيا كبيرا ومخاتلا. وللمفارقة هو نفس العمل الذي فتح لأوريد باب الشهرة، خاصة بعد أن قال فيه المقرئ أبو زيد، بمبالغاته المعهودة، كلاما كبيرا، فصوت المقرئ مسموع، وله مُحبّون ومريدون كثرا.
حسن أوريد، حسب تقديري، مثقّف “فكري”، أكثر منه أديب، وإن “وَلد” ما شاء من الروايات وفرّخها. لقد غدا مُكثرا جدا، والإبداع لا شيء يقتله كما يفعل الإكثار. هو أبعد ما يكون عن صفة “المفكّر”، وإن كنتُ قد سبق وأن وسمته بذلك، وإنّي أتراجع اليوم، وأعتبر ذلك تسرّعا منّي!
مَن اقتنيتُ منه الرّواية أخبرني أنّ حسن أوريد كان خلال الأسابيع الفائتة يبحث، في مكتبات طنجة، عن كتاب الزياني الذي نشره صديقنا خالد طحطح حديثا، والموسوم بـ”عقد الجمان في شمائل السلطان مولانا عبد الرحمن”، ويليه: “حديقة الحكام الجفاة ومن انضاف إليهم من البغاة”.
صديقي محمد،
حكايتي الأولى مع الزياني طريفة، وكان صديقنا عبد السلام المنصوري، طرفا فيها.
ففي إحدى مساءات صيف 2001م، عرّجتُ على مكتبة السّي عمر، الواقعة منتصف عقبة ابن الأبّار، يمينا وأنت صاعد، حيث كنتُ متوجها نحو مقهى حنفطة، يوم كانت ما تزال مقهى تعبق ببعض أجواء المدينة وأهل المدينة وعوائدهم ولهجتهم، قبل أن تتحوّل اليوم إلى مسخ بدون هويّة.
أدخلني السي عمر إلى مخزنه الذي يوجد خلف مكتبته، وتركني هناك غارقا بين كتب عتيقة مغبّرة. وقعتُ على كنوز كثيرة، أتذكّر منها كتاب “الزاوية” للتهامي الوزاني، وكان يومها مفقودا من المكتبات، لحظتها طرتُ فرحا، لأن أسلوب الرجل فيها أطربني وتجربته التي رواها هناك دوّختني.
وبينما كنتُ أغادر، أخفيتُ نسخة من “الزاوية”، بالإضافة إلى كتاب “الترجمانة” لأبي القاسم الزياني في مكان لن يكتشفه سواي، لم أكن أعرف يومها القيمة العلمية والتاريخية للزياني ولكتابه، أخفيتهما بنِـيّـة أن أَعود رفقة صديقي عبد السلام المنصوري ليأخذهما، فقد قدّرتُ أنه يمكن أن يُعجبه.
في الغد عدنا، ولم أكن قد أخبرته بالكتابين، وعندما قدّمتهما له، وبالطريقة التي تناول بها “الترجمانة” علمتُ أنّني فرّطت في كتاب عظيم، “التّْـشْـمْتْ” كما نقول في الخطاب الدّارج. برقت عيناه للحظة كقرصان خبير، وطافت على ثغره ابتسامة سريعا أطفأها. لم يشأ حينها أن يعترف لي بقيمة ما حصل عليه، خوفا من فقدانه، كتمتها في نفسي، بعد أن اعترفتُ بسذاجتي!
تعرّفت بعد ذلك على الزياني، وعلى غيره من المؤرخين والإخباريين المغاربة، وعرفتُ تميّزه. ولكنّني لحد الآن لم أمتلك كتابه “الترجمانة”.
(2)
هذا المساء، قبيل المغرب، التقيتك في منتزه فيلا هاريس، ذهبتُ إلى هناك، رفقة الأولاد، محاولةً فاشلة منّي للخروج من حالة عاطفية اكتسحتني منذ بدأ القتل في الغزّاويين، كنتُ أريد أن أختلي بنفسي، كعادتي عندما تدهمني مثل هذه الحالات، فوجدتك تعاني بدورك؛ التقى “مريضان”، ولم يكن هناك جدوى من إطالة اللقاء، فغادرتَ، بينما بقيتُ هناك وحدي أُجيل النظر في الشجر وحركية الناس من حولي، وفي بعض الأحيان أطالع صفحات من الرواية التي اشتريتها صباحا. لم أقدر على الانغماس فيها، وصلت الصفحة الأربعين وطويتها، ليس بي رغبة لفعل شيء.
إن جاز لي ـ صديقي ـ أن استشفّ “هدف” أوريد من وراء كتابته روايته، لقلت بأنها الرّغبة في تقييم عصر المغرب العلوي، فالرواية تبدأ أحداثها منذ السلطان إسماعيل، وتعرّج ـ إلى حدود ما وصلته ـ على فترة حكم ابنه أحمد وعبد الملك وعبد الله، مُبرزا سردية القتل والسفك والتشريد التي مارسها هؤلاء في حق الكثير من البربر خاصة. أوريد ـ ولا بدّ أنك تعرف هذا ـ يأخذ على عاتقك مهمة الدّفاع عن الأمازيغ، وإعادة صياغة الرواية التاريخية لحضورهم في التاريخ. يفعل ذلك بحماسة كبيرة.
هل تتذكر ـ صديقي ـ مخطوطتي “صور من الاستقصا: المغرب زمن العلويين ما قبل الحماية”؟ أعتقد أنّنا نشترك ـ أنا وأوريد ـ في المقصد! حاولت مرّتين أن أنشر الكتاب، ولكنّهما باءتا بالفشل، مما جعلني أضعه جانبا، انتظارا لفرصة قد تأتي.
صلّيت المغرب على حصير فوق العشب الرطب، وانتظرتُ أن ينيروا الأضواء التي فوقي حتى أعود إلى الرواية، ولكنّ الظلام، رفقة البرد، زحف سريعا، فجمعتُ أغراضي وغادرت.
(3)
دخلت البيت والمؤذّن يرفع صوته بالنداء لصلاة العشاء، عدتُ كما ذهبت؛ الحالة تسكنني، ومهما فعلت تأبى أن تغادرني.
شغّلت التلفاز؛ القصف مازال مستمرا، وحديث عن قرب التدخل البري في غزّة، وتظاهرات عارمة في بعض العواصم الغربية تعاطفا مع الفلسطينين، وكانت أكبرها في لندن. وأهالي غزّة يكتبون أسماءهم على أيديهم تحسبا للشهادة، وحديث عن انتقال “حزب الله” اللبناني للمستوى الثاني في مشاركته في الحرب، ودخول الشحنة الأولى من المساعدات لغزّة، ودعوات لليقظة من أن تُستعمل هذه المساعدات لتهجير الفلسطينين، وتململ وسط موظفي الخارجية الأمريكية جراء مواقف دولتهم من الحرب، ومطالبة “إسرائيل” بإخلاء عشرين مستشفى في القطاع استعدادا لقصفه، وتَفاجُؤ “إسرائيل” من القدرات الاستخباراتية لحماس حسب ما نقلته جريدة إسرائيلية، وبايدن يخصص 14 مليار دولار مساعدة لإسرائيل، وتقارير على أن غالبية الأمريكيين يعارضون ذلك، واتهامات لنتنياهو بحرق وثائق تخص “طوفان الأقصى” للتهرب من المسؤولية، واختتام “قمة السلام” بالقاهرة دون بيان ختامي، والتي لا أدري لم تمّ عقدها!
أغلقتُ التلفاز وجئتُ إلى مكتبتي الصغيرة، حيث أكتب لك هذه الرسالة، هربا إلى الكتابة.
(4)
صديقي محمد
“إسرائيل”، كما يُقدّر عبد الوهاب المسيري ـ رحمه الله ـ “جماعة وظيفية” ضمن التشكيل الاستعماري الغربي، استنبتها في قلب العالم العربي والإسلامي لتقوم بأدوار كثيرة ومتنوعة. وهي “مُكوّنٌ” مُتصدّع وغير منسجم، والكثير من المفكّرين يُقدّرون أنّ “نهايتها” ستكون انطلاقا من تفكّك بنيتها الداخلية؛ إنها قويّة بضعف محيطها وبحماية مستكبري العالم وطغاته.
وفي المقابل هناك من يعتقد بأنّ اليد العليا في العالم، و”العقل المدبّر” لحركيته السياسية والاقتصادية، وغيرهما، تقف خلفها “إسرائيل”.
كيف تنظر إلى هذا الموضوع؟ أما أنا فقد حرت.
تحياتي أيها العزيز. طنجة: السبت 21 أكتوبر 2023، على الساعة العاشرة والربع ليلا.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.