منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحق المُغَيب “حق معرفة الله”

محسن الدكني

0

تُعتبر معرفة الله أصلا من أصول الدين، فمعرفة الأوامر والنواهي مع عدم التعرف على الآمر والناهي يدعو للتحايل والتماطل في أدائها على الوجه المطلوب. لذلك وجبت معرفته تعالى حق المعرفة، حيث يتعرف العبد على أوامره ونواهيه من خلال معرفته تعالى، فتتحقق العبودية ويتفانى المرء في طاعته. وتحصل معرفة الله بطرق مختلفة منها:

  • إما من خلال التفكر في آياته الكونية لقوله تعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” سورة آل عمران، الآية: 199- 191
  • أو من خلال تدبر آياته القرآنية لقوله تعالى” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” سورة محمدالآية: 24
  • أو من خلال النظر في آياته (أفعاله) لقوله تعالى:”قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ” سورة الأنعام، الآية11

إن هذه المعرفة بالنسبة للمتخصصين، سطحية وقاصرة عن بلوغ حقيقة “الله”، لأنها في نظرهم تفتقر لشروط التربية الذاتية والموضوعية، فمعرفة الله علم قائم بذاته، له أصوله وقواعده، بل وذهب بعضهم إلى اعتبارها حقا من الحقوق المغَيبة قسرا، ونادوا بضرورة اعتبارها من الحقوق الأساسية للإنسان، لأن لكل فرد الحق في معرفة خالقه، والاستعداد لمصيره، وتحرره من كل قيد يحول بينه وبين ربه. ومن هؤلاء نجدعَلمين من أعلام الفكر المغاربي، اللذين استطاعا أن يبثا روح التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، وإخراجه من الجمود والتقليد، الأول هو محمد عزيز الحبابي فيلسوف الشخصانية الإسلامية (1922-1993م)، والثاني هو الإمام المجدد عبد السلام ياسين مؤسس جماعة “العدل والإحسان” (1928-2012م)، رحمهما الله تعالى،كلاهما تحدث عن معرفة الله باعتبارها حقا من الحقوق الإنسانية، لكن نظرتهما لهذا الأمر اختلفت لاختلاف منطلقاتهما مما نتج عنه اختلاف الوسائل المساعدة على تحقيق هذا الحق.

فكيف ينظر الحبابي إلى الحق في معرفة الله؟ وهل للإمام عبد السلام ياسين نفس الرؤية؟

المنطلقات:

لتوضيح فكرة “معرفة الله”، تطلب الأمر عند الحبابي في البداية توجيه سهام انتقاداته للتصوف، باعتباره أحد العوامل الخارجية في سد باب الاجتهاد وتكريس الجمود والتقليد، معتبرا “مصدر التصوف غير إسلامي لأنه غير الروح الحقيقية للإسلام.. وركنوا الى الزهد عن العالم”[1]. فالروح الحقيقية للإسلام حسب الحبابي هي اهتمام بالجانب الدنيوي تحترم فيه قوانين الله وحقوقه، غير أن حقوق الله تتجاوب مع حقوق الناس، والمقصود هنا بحقوق “ليس مجرد قيم تشريعية بل التزام نحو الله لفائدة البشر، فالإيمان في الإسلام ليس تأملا صرفا إنه شهادة أي إقرار بحقيقة الله وعمل بمعنى التزام نحو الوجود الكلي للإنسان، فالاقتراب من الخالق لا يتم إلا بالالتزام من أجل ومع المخلوقات”[2].

بينما انطلق الإمام ياسين من انتقاده للفلسفة المادية، حيث بين بؤس الإنسان الحديث، زمن الحداثة، الذي استسلم لحياة تافهة فارغة من كل معنى تعقبها نهاية مأساوية قادمة لامحالة، هذا الإنسان الذي أصبح اليوم يعيش حالة استلاب، إذ رغم التطور التقني إلا أنه لم يفهم بعد معنى الحياة الدنيا، وأصبحت “الفلسفة الوضعية المادية هي أسلوب التفكير الوحيد المتجدر في المجتمع الحديث فلا وجود إلا لما تدركه الحواس وكل مالا يستطيع العلم إثباته وقياسه يظل مجرد تخرصات، خاصة إذا تعلق الأمر بمصير الإنسان وعن المغزى من وجود الإنسان”[3] هذه الفلسفة المادية العدمية نتج عنها ظهور الداروينية أي أن الإنسان حيوان نتج عن ارتقاء بطيء للحياة.

ففي سنة 1830 نشر تشارلز داروين كتابه “أصل الأنواع” عارضا فرضياته القائلة بأن الإنسان ليس سوى حيوان متطور لم يخلقه أي إله من عدم. هذه الفرضية تأتي في سياق الانتقام من الكنيسة ومن إله الكنيسة (صكوك الغفران الممنوح للمذنب مقابل ندامة من الذهب الرنان تسقط في خزانة الكنيسة). إن الداروينية بالنسبة للإمام ياسين ما هي إلا عودة الى الوثنية الإغريقية الرومانية، فالاعتماد على العقل في فهم الكون يصيب صاحبه بالتيه واليأس.

الوسائل:

إن الاختلاف في المنطلقات بين الرجلين، سيؤدي حتما إلى اختلاف الوسائل رغم وحدة الوجهة والغاية.

فالحبابي رحمه الله يرى بأن انصراف الصوفية عن العالم إلى حياة أشبه ما تكون بالرهبانية نتج عنه ظهور اتجاه معاد لكل ما يتعلق بالتطور الثقافي والعلمي، وهذا يتناقض حسب الحبابي مع ما جاء من أجله الوحي. لذلك يرى زَعمَهم بمعرفة الله واستئثارهم بمحبته تعالى مجرد ادعاء لأنه في نظره “كل حب يستلزم معرفة المحبوب “إلى حد ما” سواء أكان الحب حبا لله أو للبشر أو للطبيعة. إلا أن معرفة الله تتحقق انطلاقا من معرفة البشر، معرفة الكون. فالمؤمن ينطلق ويرتفع من المخلوقات إلى الخالق “([4]). فمعرفة الله تحصل أولا وضروريا عن طريق معرفة الكائنات والأشياء التي أبدعها، فبالتعاطف معها وعبرها يرتقي المؤمن إلى محبة خالقها، والإنسان أولى الكائنات بهذه المحبة، ولا يشترط في هذا “الإنسان” لا عقيدة ولا مذهب. إذن محبة الله تبدأ بمحبة كل إخواننا في الإنسانية لأن الله قد فضلنا وكرمنا جميعا وبالتساوي على العالمين، فإذا أراد المجتمع الإسلامي أن يصير كما يجب أن يكون، في تطابق منسجم مع أصوله، فعليه أن يذكي بالجانب الإلهي كل ما يتصل بالإنسان أي أن ينظر إلى الإنسان بمنظار القداسة، “لقد كان المفكرون ينطلقون من الله لمعرفة العالم وقد آن الوقت لننطلق من العالم نحو الله مع الآخرين”([5]). فعوضا من معرفة الله عن طريق الزهادة يدعو الحبابي إلى الخروج من قوقعة الانطواء على الذات إلى العمل الميداني الواقعي ” فبالعمل وفي العمل يلتقي الإنسان بالإنسان وتنشأ علاقات مع الله”([6])

وبالإضافة إلى علاقة الحب بالمعرفة أضاف الحبابي علاقة أخرى: “اتصال الحب بالتضحية فالمحب الحق هو الذي يتقبل التضحيات من أجل حبه لأن التضحية تضفي على الحب قداسة”، والمقصود بالتضحية: ليست تضحية البدائيين بالأرواح من أجل الإصلاح أو التعويض، وإنما المقصود هنا التضحية بالذات والامتناع عن الشهوات وتحمل الألم من أجل الآخرين كما تقتضي القيام بالواجبات والكف عن المنهيات، إن قام بها المؤمن حقت له محبة الله وعفوه.

أما بالنسبة للإمام ياسين، فجعل رأس حقوق الإنسان وأم الحريات ومنبع الكرامة “تحرير الإنسان من كل عبودية غير العبودية لله رب العالمين لا شريك له..ومن حقه في معرفة ربه تنبثق سائر الحقوق “[7] فمعرفة الله عند الإمام حق مسلوب لأن ولاء الإنسان وُهب لغير الله، وصار عبدا لهواه ونزواته، وأضحى خادما لغروره وشهواته، أو مشغولا بهموم الدنيا عن آخرته، فلابد إذن من تحريره من كل القيود التي تكبله من أجل معرفة خالقه، إن هذا الحق هو أسمى الحقوق وأعلاها، بل “أسبق المطالب في سلم الأولويات “[8]. ولا يتأتى ذلك، إلا بصعود مدارج الدين (الواردة في حديث جبريل)، ابتداء من الإسلام بإقامة الشعائر الدينية الظاهرية ارتقاء إلى الإيمان ووصولا إلى أعلى المقامات وهي الإحسان. إسلام فإيمان ثم إحسان هكذا يسلك العبد المومن في طريقه إلى “الله”. لكن هذه الطريق كلها عقبات وتحتاج لاقتحام، ولأن العقبة كؤود والطريق وعرة وملتوية، والسبل كثيرة، قد يتيه فيها السالك فلابد له من دال على الله، مرشد يدله على أيسر السبل الموصلة للغاية الإحسانية، ويسميه الإمام “بالمصحوب”.

خلاصة:

كل من الحبابي والإمام ياسين رحمهما الله تعالى، انتقدا قعود المتصوفة، ونبذا معا إسلام الزهادة والدروشة، لكن الإمام ياسين لا يفوته الاعتراف بفضل “القوم” أي الصوفية، في الحفاظ على لب الدين وجوهره، رغم أنه لا يعترف بالاسم (التصوف)، لأنه لم يجد له سندا لا في كتاب الله ولا في سنة نبيه ويفضل مصطلحا قرآنيا ونبويا: “الإحسان”. بينما دعا الحبابي إلى تجاوز التصوف جملة محملا إياه تبعات التخلف الحضاري والثقافي، وكونه أشبه ما يكون بالرهبانية. لكن الرجلين يتفقان من حيث مبدأ الخروج إلى المجتمع، والعمل مع الناس وبينهم ومخالطتهم والصبر على أذاهم، فذلك جوهر القرب من الله وبه تتحقق معرفة الله، لأن من علامات محبة الله توفيق العبد لفعل الخيرات، عن طريق خدمته لعباده.


[1] الشخصانية الاسلامية، الحبابي محمد عزيز، الطبعة الثانية مكتب الدراسات الفلسفية دار المعارف القاهرة، ص:120

[2] – الشخصانية الاسلامية، ص:141

[3] – الاسلام والحداثة: ياسين عبد السلام الطبعة الأولى مارس 2000 مطبوعات الهلال وجدة، ص:151

[4] الشخصانية الإسلامية، ص:131

[5] الشخصانية الاسلامية ص:141

[6] الشخصانية الاسلامية، ص:142

[7] حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، عبد السلام ياسين، ص:216

8 الإحسان، عبد السلام ياسين، 1/24، ط/1، مطبوعات الأفق الدار البيضاء 1998.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.