(2) معيار التفرقة بين زغل العلم وجواهره
(2) معيار التفرقة بين زغل العلم وجواهره/ عبد الحليم زوبير
(2) معيار التفرقة بين زغل العلم وجواهره
بقلم: عبد الحليم زوبير
إن كل جملة تعطي معنى معينا -بغض النظر عن بلاغة المعنى ومطابقته لمقتضى الحال- يمكن اعتبارها علما، وعلى هذا فالعلم كثير، لا يسع الإنسان الخوض فيه فقط لمجرد أنه علم يحسن طلبه، وإلا أدى به الأمر أن يقطع عمره في فتات العلم دون أن يصل منه إلى جوهر، فاستدعى الأمر تدبير الزمن المتاح عادة ضمن أعمار بني آدم وهو زمن ضيق بأي مقياس حاولت قياسه مقارنة بالرسالة التي يجب أن يؤديها الإنسان في حياته. فإذا كان الأمر كذلك فإن كل علم مهما كان مفيدا إذا فوت فائدة أولى من تلك التي حصلها فهو زغل وزائد بالنسبة لصاحب الفائدة الفائتة، وعليه فزغل العلم لا يختص بلون أو تخصص علمي معين، لكنه يكون زغلا أو جوهرا بقدر ما يحصل أو يفوت من مصالح صاحبه. وهذا يؤدي بنا أن ندرك أن ما يكون من صلب العلم لشخص متخصص قد يكون مضيعة وقت وزغل بالنسبة لغيره، وقد تكون بعض المعارف من صلب العلم في فترة من فترات التاريخ لكنها تصبج زغلا بسبب تحولات تاريخية معينة، كما إذا حسمت المسألة الخلافية بما لا مزيد عليه، أو تجاوز الزمن أهمية تلك المعرفة، أو أدت إلى اقتتال داخلي بين فئات من الأمة وسوى ذلك.. وقد يكون الموضوع من صلب العلم إذا تم تناوله في إطار مناسب كمجلس علم يحضره أهل الشأن، لكن المأجور بمباحثة هذا العلم في إطاره المناسب قد يكون مأزورا إذا أخرجه إلى العامة وشغلهم به عن صلب المعرفة التي تهمهم، فقد يتحول الموضوع من صلب العلم إلى زغله في الساعة الواحدة حسب السياق الذي يثار فيه.
فإذا استحضرنا الفتنة الهائجة التي تموج بالمسلمين في كافة المجالات علمنا أننا في حالة حرب دائمة، حرب ساخنة وقودها النساء والصبيان والشيوخ والشباب في أصقاع كثيرة من العالم وفي القلب منها فلسطين المحتلة، وحروب ناعمة تتجلى في الشركات العملاقة التي تستهلك طاقة أجيالنا الجسدية والروحية والعقلية بدون أي مردود يعود على الأمة بالنفع، وحروب ثقافية ترى الدين العدو الأول لها، وقد أصبح كثير من الناس ما بين ملحد صريح الإلحاد وآخر ضائع متردد تتقاذفه الشبهات، وغير هؤلاء يتكفل بهم الإعلام المخدر الذي شل حركات المجتمع فلم يعد أحد يطيق سماع محاضرة قيمة ولا درسا وعظيا، وحتى بعض من لجأ إلى سماع القرآن فإنما يبحث عن متنفس يروح به عن نفسه ريثما يعود إلى استهلاك الحرام أكلا وشربا ومشاهدة وسماعا.. فما الذي يمكن أن يكون علما نافعا خاليا من الزغل إذا استحضرنا هذه الطوام التي يعيش بينها المتلقي لهذا العلم؟ وكيف يمكننا التركيز على الجواهر المبثوثة في كل اتجاه نحررها من زغل التاريخ.. تاريخ الصراع المذهبي والتعصب الطائفي؟
أولا: كل طائفة لها جواهر وزغل:
إن من أكثر ما يزيد تخلف الأمة على مستوى تربية الفرد وعزة الأمة، انخراط كثير من أفراد الفئة النشيطة في حروب كلامية مذهبية طائفية، فنجد أن إثبات أحقية المذهب والطائفة يستنزف جهود كثير من أبناء الدعوة الإسلامية وطلبة العلم، فأنت حينما تستحضر الجهد الذي ينفقه أتباع التيار السلفي لدحض شبهات الشيعة، والرد على الصوفية والأشعرية، وتقارنه بجهدهم في مدافعة الكيان الصهيوني ودعوات التمييع والإلحاد، تلحظ بسهولة المبالغة في التحذير والتهويل من خطر التشيع والتصوف والأشعرية، والأدهى أن بعضهم يصرح أن خطر التشيع أكبر من خطر الصهيونية، ولئن بدا واضحا أن هذا الخطاب مجرد امتداد لخطاب سياسي عربي يسعى لشغل الأمة بإيران وخطرها المحتمل، عن إسرائيل وخطرها المتحقق، بل إن جماعة إسلامية ضعيفة لا تملك سلاحا ولا أجهزة يمكن للموغل في الاختلاف أن يتسلى بتهويل خطرها عن أي عدوان آخر حتى في عز الحرب على غزة المحاصرة، ومشاهد الجثث المفحمة بسبب القصف الصهيوني المتوحش، إن هذا الأمر يجعلنا متأكدين أن زغل العلم بقدر ما هو تافه هو أيضا محبوب للنفوس التي تتمسك به لأتفه الأسباب. لكن هذا ليس هو الجواب الوحيد لاستشراء الزغل في الخطاب الإسلامي المعاصر، وليس هو السبب الأول في ما يحصل بين أبناء القبلة الواحدة.
ثانيا: الثقة بالجوهر تؤدي إلى التمسك بالزغل أيضا:
يوجد سبب وجيه يجعل المسلم الذي يعرف أبجديات الأخلاق الإسلامية ينخرط في تيار شأنه إضعاف الأمة بحروف كلامية قذرة تختار من الكلام أحطه وأفحشه وأكثر إيذاء، هذا السبب هو الجوهر المكنون في تلك الطائفة، وهو الذي أقنع المنخرط أول الأمر، وهو البضاعة التي يروجها التيار لاستقطاب أنصاره، فإذا أخذنا ما ذكر من أمر السلفيين، وجدنا أن هناك جوهرا تحوم حوله الدعوة السلفية، وهو الاستقامة على ظاهر الشريعة، إن الاستقامة على ظاهر الشريعة قد انحرف عنه كثير من أبناء الطوائف الإسلامية، فبعض الأتباع في الزوايا الصوفية انطلقوا في طلب جوهر الحقيقة ونسوا أن الشريعة أيضا جوهر لابد منه، وأن الحديث عن مقامات العشق والقرب لا يجزي عن ممارسة الشعائر الدينية كما ورد بها الكتاب والسنة، وأن الصلاة في وقتها خير من الدنيا وما فيها، بل هي نتيجة حتمية لحب صادق. لكن الواقع أن كثيرا من أهل الطريق يتسلون بأخبار العشاق حول الحب الإلهي والحب المحمدي، وهم عن رسوم الشريعة -التي لا خلاف حولها- معرضون، وقد استفحلت ظاهرة الاستهانة بالشرائع حتى دخل من هذا الباب من يريد تمييع الشريعة رأسا، ويحولنا إلى نسخة إسلامية من المسيحية اليروتستانتية اللوثرية. وما لا يجب أن نختلف فيه أن حقيقة الشريعة التي يمكن للإنسان دركها لا يمكن أن يدركها خارج الأشكال الشريفة للشريعة، وهو قول كبار الصوفية المتضلعين من علوم الحقيقة والشريعة معا، وإنما انحرف من انحرف حينما أعياه الالتزام الصارم الذي تفرضه الشريعة على نفوس البشر الميالة بطبعها إلى الفوضى وعدم الانضباط.
إذا فالسلفية في الأصل دندنت حول جوهر مغيب عند كثير من طوائف الصوفية والشيعة، إنه جوهر الالتزام بظواهر الاستقامة، وهكذا نجد أن محاربة السلفية دون استحضار هذا الجوهر يجعلنا نواجه مقاومة شرسة كون السلفي يعتبر هذه الحرب حربا على الاستقامة التي ورد الأمر بها في القرآن في مثل قول الله تعالى: “فاستقم كما أمرت..” (هود 112) لكن أخطر ما يترب على الحرب على السلفية وتتبع زغل الخلاف معهم هو تسويغ التهاون بأمور الشريعة نكاية بالسلفية، حتى أصبح كل من أراد أن يقمع رأيا يؤكد على الالتزام بالشريعة يصمه بالسلفي والوهابي والحرفي وصاحب الأفق الضيق، وهذه الأوصاف تصح أحيانا ولا تصح أحيانا أخرى. وما لا يعرفه الصوفي أو الشيعي الذي يهاجم السلفية قبل تحرير هذا الجوهر أنه يعطي فرصة كبيرة لانتعاش السلفية أكثر، فظواهر القرآن لا تترك الاجتهاد والتأمل على عواهنه، وحينما يكون الرأي مخالفا لما تقرر في القرآن فلا تنتظر أن يصدقك الناس لأنك تهاجم السلفيين، بل أنت تسهم في نشر السلفية في أحدَ صورها.
وما يقال عن الصوفية يقال عن السلفيين أيضا الذي انشغلوا بجوهر الاستقامة على ظواهر الشريعة وتركوا الحقائق التي تزخر بها الشريعة، والتي هي مطلب كل ذي عقل راجح وقلب سليم، فهذه الحرفية والقسوة في تناول مظاهر الشريعة ينفر الناس عن الإسلام فضلا عن الدعوة السلفية، ولا نحتاج لسرد مظاهر الإساءة التي ألحقها هذا التوجه بالدعوة الإسلامية، والسداجة التي نشرها بين الأتباع والحقد على إخوان الدين بسبب اختلافات فرعية. كما لا نحتاج التذكير بالتوظيفات السياسية المنحطة لهذا التيار حين تمسك ببعض ظواهر الشريعة وأعرض عن المقاصد والجواهر والقيم التي تمثل جوهر الشريعة.
ومثل ذلك يقال عن التشيع الذي لا يزال يحفظ جواهر ثمينة في الإسلام، منها التعلق بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومناهضة الظلم السياسي والاستكبار المتكالب على الأمة، لكن هذه الجواهر طمرها زغل سب الصحابة والتنقيص من قدر أمهات المؤمنين، والانغلاق الطائفي لدولة إيران، والانتقام من السنة في العراق واليمن، فمن شاء انتقاد الشيعة في صلتهم بالخلفاء وأمهات المؤمنين فلا ينسى تمسكهم بأهل البيت ودفاعهم عن شرف الأمة في فلسطين، حتى يكون الكلام متوازنا يرتكز على الجواهر بدل المظاهر. وهكذا نجد أننا نضيع حينما نركز عن ما عند الآخر من زغل ونتجاهل ما عنده من جوهر، كما يؤدي بنا إلى تأجيج الصراع الذي ندخل فيه دون معرفة أسبابه الموضوعية.