ما الذي يقدم في ترتيب الضرورات الخمس النفس أم الدين؟
ما الذي يقدم في ترتيب الضرورات الخمس النفس أم الدين؟/ عبد الحليم زوبير
ما الذي يقدم في ترتيب الضرورات الخمس النفس أم الدين؟
بقلم: عبد الحليم زوبير
يعيب بعض الحداثيين على علماء الأصول ترتيب الضرورات الخمس الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وتقديمهم للدين على النفس في ذلك الترتيب، وحيث إن الحقد على الدين الذي هو المحرك الرئيس لهذه الاعتراضات لا يمكنهم التصريح به دائما في مجتمع مشبع بالثقافة الإسلامية، فقد برروا أولوية تقديم النفس على الدين بما يشبه الاعتراض العلمي، كون الدين متوقف على النفس، وكأنهم فطنوا لأمر جديد لم يفكر فيه علماء الأصول. فماذا يعني تقديم الدين على النفس في ترتيب العلماء للضرورات الخمس التي ترعاها الديانة؟
إن الترتيب بين هذه الضرورات نوعان يجب التمييز بينهما، الأول ترتيب اعتباري والآخر ترتيب عملي، فأما الترتيب الاعتباري فمعناه أن الدين هو الرسالة التي من أجلها يحيى الإنسان ويموت، ولا يموت الدين من أجل الإنسان، وهذا ليس خاصا بالإسلام، فكل من يملك مبادئ يقر أن هذه المبادئ فوق كل اعتبار، وأن تقديم النفس والمال وكل شيء من أجل الحفاظ على المبادئ أمر فرغت منه المجتمعات البشرية. وما الجيوش التي تكون قوامها آلاف الرجال يضعون أرواحهم رهن إشارة المبادئ السامية التي من أجلها قامت الدولة، إلا تطبيق عملي لهذا الأمر. فالجيش الفرنسي مثلا يحمي قيم الجمهورية الفرنسية، ولا تتردد الدولة بكل مؤسساتها في تقديم أرواح الجنود والقوات الأمنية لاستمرار هذه القيم، ومثل هذا يقال عن الجيوش الأمريكية التي تقتل في كل بقاع الأرض وخارج الحدود لتحمي ما يسمى بالقيم الأمريكية، وقل مثل ذلك عن الصين وروسيا وسائر الدول بمختلف مستوياتها في التقدم والتخلف والفقر والرخاء، إنها مسألة لا ينكرها أحد. وعلى هذا الأساس فإن الإسلام ربط قيمة الإنسان في هذه الحياة بمعرفة دين الله تعالى والخضوع له، والدفاع عن حياضه، فالمسلم الذي يعيش بغير رسالة إسلامية لا يملك جوهر الحياة ولا الهدف منها، قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات الآية 66). ولذلك يأتي الدين في ترتيب الضرورات الخمس أولا وقبل النفس وباقي الضرورات التي هي العقل والنسل والمال.
وأما الترتيب العملي فحيث إن وجود النفس وصحتها هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الدين، فإن التفكير هنا يكون في الوسيلة أولا، لأن الغاية لا طريق إليها إلا عبر الوسيلة، فلذلك أولى الإسلام النفس عناية لم تخطر ببال كثير من المعترضين، سواء من حيث الوجود بحيث حرم الله قتل الأجنة والأطفال تحت أي ذريعة، وهو الأمر الذي لا يعيره المعترضون اهتماما حينما يغرقون في حقوق الجمال والبغاء، فيستحلون إزهاق أرواح الأجنة دون أن يرف لهم جفن، لتصفو لهم المتع البهائمية، وكذلك من حيث الحفظ بعد الوجود حيث لا مجال لما يسمى الموت الرحيم الذي لا يعترض عليه المعترضون على الدين، ولا مجال للانتحار ووضع حد للحياة لأي سبب، وتقديم النفس على الدين عمليا أمر مدرك لسائر العقلاء فضلا عن العلماء والمتخصصين، فإن الشخص منا قد يصرف على سيارته أو شركته أضعاف ما يصرف على نفسه وأسرته، وقد يضيق على نفسه فيما فوق ضرورات العيش ليتمكن من تسديد نفقات سيارته، أو انتشال شركته من براثن الديون المهددة بالإفلاس، لكن كل هذا الاهتمام لا يخطر ببال عاقل أن سيارته أو شركته في الاعتبار أهم من نفسه أو من أسرته، ولا يصل به الأمر أن يقضي على نفسه أو أحد أفراد أسرته ليصلح وسائل العيش.
وقد يلزم المعترضين هذا الاعتراض أيضا في بقية الضرورات، فالنفس مقدمة على العقل لمكانتها الاعتبارية، لكن من جهة العمل فإن الإنسان يحرص على سلامة عقله ليكون لوجود نفسه معنى، وإلا فما قيمة وجود النفس بدون عقل، لكن أحدا لم يقل اقتلوا المجانين الدين لا عقل لهم لأن العقل مقدم على النفس من الناحية العملية.
وهكذا فالإسلام لا يحتاج جرعة إنسانية وهو الذي رفع من شأن الإنسان حقا، ولم يميز بين الجنين والرضيع والراشد وبين الذكر والأنثى وبين الجميل والقبيح وبين السليم والمعاق في حق الحياة والكرامة الآدمية التي يقسمها أهل الأهواء حسب أهواء مؤقتة، بينما هي في الإسلام حقوق لا تقبل المراجعة ولا التفريط.