منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كاتب بلا مقال 

كاتب بلا مقال / زيد الطهراوي

0

كاتب بلا مقال 
بقلم: زيد الطهراوي

انتظروا مقالته الطويلة؛ الجموع كانت تئن، و النفوس مصدومة، و الأموات متناثرون، و الأحياء أصابهم الجوع، و منهم من أصابه الجنون حاول أن يكتب فأحس بالجمود و الوقت يمضي و أمسك قلمه ليسيل ما في قلبه على الورق ابتعد عن تزويق الأحداث و كتب: لم يكن في المكان أحد، و غابوا جميعا و هبطت مكانهم جثث في كل مكان و غابوا جميعا كأنهم وهم فراسلته الصحيفة و قالت: كيف ننشر هذه الكلمات على أنها مقال؟ فقال: الكاتب هو إنسان،و لن يستطيع في هذه اللحظة الحرجة أن يكون كاتبا، و سوف يتمادى في حقيقته كإنسان صدرت الصحيفة في موعدها و كان عموده ابيض كأنه الفراغ و كتبوا تحته جملة: لم يصل المقال من مصدره قرأها فارتاح قليلا، و لكنَّه قال: لم يصل المقال و لم تظهر أمام العالم جثثهم راحلون راحلون، كلهم راحلون ميتون راسلته الصحيفة: ننتظر منك مقالا فلا تعتذر قال: كيف أُخرج من أعماق الردم مقالاً؟ كيف أغيب عن بكاء الأبناء و حرقة الآباء و الأمهات؟ ما أراه هو جوع و تشريد و سحق شامل للبشر و كل الساكتين ظالمون.

قالت الصحيفة: و لكن هناك مقالات ترفع راية التفاؤل فقال الكاتب: كلها مقالات كاذبة ؛ غزة مدينة تحترق وحدها، و الوقود الذي يؤجج النار هو السكوت المدهش، و الخنجر المسموم الذي يذبح المدينة و أهلها هو إقناع البشر أن هذه المجازر هي انتصار، فلا تخدعوا أنفسكم و لا تكذبوا الكذبة و تصدقوها، إنَّ الصحيفة التي تنشر المقالات السعيدة هي العائق الحقيقي أمام حقن دماء الضعفاء تغاضت الصحيفة عن الاتهامات و كأنها موافقة عليها.

و قالت: إذا لم ترسل مقالاتك ستكون مفصولا، قال: لا بأس فإن غزة تموت أنها تتعرض لأقسى إبادة بشرية و الكون صامت و الصحف صامته و أخرج الكاتب الكاميرا و صوَّر الجثث التي لا تجد من يدفنها، و الجثث التي لا تجد من يستخرجها من تحت الأنقاض، و صوَّر رؤوساً مقطوعة متناثرة لرجال و نساء و أطفال، و صوَّر كذلك المجاعات و الخيام و المساعدات التي يمنع الأعداء وصولها ؛ و إذا وصلت تعرَّض لها الجشعون، و صوَّر صوراً كثيرة عن الدمار و الموت الكثيف، ثم وجَّه كاميرته نحو الأفق، و صَّور القذائف التي تنهال دون رحمة و لا هيبة لأحد، ثم جعل كاميرته تدور في المكان بحثاً عن الإرهابيين الذين يطاردهم الأعداء ؛ فلم يجد إلا الأطفال و النساء و الشيوخ ؛ مقتولين أو أحياء جوعى و معذبين و مصدومين و قال الكاتب للصحيفة: هذا هو المقال و لا مقال أصدق منه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.