منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في المجموعة القصصية،”تيغيلت: أنين الجنوب”، لصاحبها الأستاذ لحسن شعيب

سلمى بلاوي

0

قراءة في المجموعة القصصية،”تيغيلت: أنين الجنوب”،

لصاحبها الأستاذ لحسن شعيب

سلمى بلاوي

الكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن مجموعة قصصية، عنوانها “تيغيلت: أنين الجنوب”، لصاحبها الأستاذ لحسن شعيب، تضم 20 قصة، وتدور معظم أحداثها في جنوب المغرب.

والقارئ لهذه المجموعة القصصية يجد نفسه أمام صورة واضحة  للمغرب المنسي، بحيث يقترب من أناسه وثقافته، بأسلوب أنيق، وسرد بديع، ولغة عذبة، فيحس بمعاناتهم، ويفهم ألمهم، ويرى حبهم وعشقهم للحياة والناس.

وقد نجح الكاتب في كسر الهوة الثقافية بين المغربين، المغرب الذي أفسدته الحضارة ونزعت عنه كثيرا من الأنس والروابط الإنسانية، والمغرب الذي سماه الكاتب “المغرب غير المنتفع بخيراته” الذي لا زالا يحافظ على أصالته، وصفاء مشاعره، وبساطة أهله.

إن الكاتب في هذا العمل الأدبي البديع قد أخذنا إلى عمق الجنوب المغربي بجميع تفاصيله ومكوناته، الأرض والتربة، الجو والتضاريس، الرجال والنساء، الأعراف والعادات…وتتغير الأمكنة والمدن بل والبلدان، فنسافر مع الكاتب تارة إلى أوسلو وتارة إلى نيويورك وتارة إلى أماكن أخرى لكن الارتباط بالأرض والحنين إلى الأصل ظل ثابتا في كل القصص.

ومما ميز الكتاب أيضا تمرير الكاتب لرسائل اجتماعية وسياسية وفكرية جعلت من العمل وسيلة فعالة للنقد والبناء، وارتقت به من الأدب الحالم إلى السخرية السوداء التي تعري الواقع وتفضحه.

وقد اخترت أن يكون تركيزي في هذه المقالة على حضور المرأة في المجموعة القصصية تيغيلت، فالقارئ للمجموعة القصصية يتبين له بجلاء أن المرأة فيها ليست شخصية عابرة، تابعة، سلبية، بل هي عماد الأسرة وقوام الحياة، فقد تجاوز دورها جدران البيت ومروج الحقول إلى صياغة هوية المجتمع القروي الأمازيغي بأكمله.

وإليكم، بعض معالم هذا الحضور الوازن الأنيق للمرأة في “تيغيلت”:

  • الإهداء: بدأ الكاتب مجموعته القصصية بإهداء بليغ، هو لوحده قصة، بل هو مختصر لقصة الحياة بأكملها، فيه الأمل والألم، الحياة والموت، الغربة والوطن. إهداء لأخته رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جناته، استطاع فيه الكاتب أن يعرفنا عليها، يقربنا منها، ويحزننا بفراقها، وكل هذا في صفحة واحدة. ولا يعتبر هذا الإهداء عتبة من عتبات النص الأدبي فقط، بل هو وفاء واعتراف وتخليد للذكرى، بحيث تبقى خالدة خلود العمل الأدبي.
  • المرأة والأسرة: تعتبر المرأة في المجموعة القصصية تيغيلت أساس الأسرة وقوامها، فقد شغلت أدوارا مختلفة، وكان لها في كل دور وفي كل قصة أثر بليغ على القارئ، ومن نماذج ذلك ما يأتي:
  • المرأة الأم: شكلت الأم في تيغيلت مصدر الأمان والطمأنينة لأبنائها على اختلاف أعمارهم، فتارة توجه وترشد، كما هو الحال في “قصة تيغيلت” حيث نصحت ابنها باستخدام قوته الجسدية فيما ينفع وعدم استعراضها أمام الناس، جاء في الصفحة 59 من الكتاب قولها: “اسمع يا بني، الله منحك القوة لتصرفها فيما ينفع، لا لتستعرضها أمام الناس، واعلم أنه لا يوجد بطل لم يغلب، ولا جبل إلا وهناك جبل أعلى منه، وكل فارس له كبوة..”

وتارة تتفهم وتتقبل، ومن ذلك قولها لابنها احساين أونبارك بعد هزيمته وعودته مغلوبا: “زال البأس يا بني، أنرت بيتنا.”

وتارة تخفف وتواسي، كما هو الحال مع أم حسن حنون في قصة “عائد من بعيد”، حيث حرصت على احتضانه وتقديم الدعم النفسي له شهورا طويلة بعد وفاة معلمه الذي كان شديد التعلق به، دون أن تكل أو تمل (ص 71).

وتارة أخرى تشجع وتحفز، ومثال ذلك شخصية رقية في قصة دموع الطيار التي وثقت بابنها وصدقت قدرته على تحقيق حلم بدا للجميع مستحيلا، فقالت له :” إن من يعمل بجد وصبر ومثابرة، سيبلغ السماء ذات يوم..ستحقق حلمك باجتهادك وصبرك يا ولدي….” (ص 185).

فالأم في المجموعة القصصية تيغيلت هي الأمان الدائم، والدافع المحفز، والملجأ الحنون، تحمي أبناءها وتذوذ عنهم، توجههم وتؤطر سلوكهم، تدعمهم وتساندهم، في هدوء وطمأنينة، وسلام وسكينة، وكأن الكاتب يبرز لنا تلك القوة الناعمة التي تبني رجال الجنوب وتصقل شخصياتهم، وتعدهم لتحمل صعوبات الحياة.

المرأة الزوجة: ركز الكاتب على إظهار التكامل بين الرجل والمرأة في المجتمع الجنوبي، بحيث يتقاسمان الأدوار، ويتحدان في مواجهة صعوبات الحياة، ويتشاركان في التدبير والتسيير، مما يكسب الأسر استمرارا واستقرارا.

ومن معالم حضور الزوجة في المجموعة القصصية تيغيلت نجد:

1/ الاشتغال في البيت والحقل بتضحية ونكران للذات، وغالبا ما تقضي أعمالها في فرح وسرور، مما يعكس رضا تاما عن واقعها وتقبلا له، ومن الأمثلة على ذلك وصف الكاتب لحال حليمة في قصة هذه صاحبتي وهي تحصد الفصة وتكومها خلفها أكواما متراصة، تنعكس الشمس على منجلها الصغير وعلى موزونات يزين نطاقا تتشح به. تدندن بموال أمازيغي تصاحبه زقزقات عصافير استيقضت باكرا تقفز من شجرة لأخرى.

ومن ذلك أيضا حال النسوة اللاتي يقمن بغسل الأغطية في قصة ” عمامة ناصر”، حيث وصفهن الكاتب بأنهن مسرورات منهمكات في عملهن، وأهازيجهن الأمازيغية العذبة تملأ المكان.

وظل هذا الربط بين العمل والسرور ساريا في ثنايا جميع القصص.

2/المودة والأنس والدفئ الأسري الذي تخلقه الزوجة داخل البيت فيكسبه استقرارا وطمأنينة، ومن الأمثلة على ذلك شخصية قاسي وزوجته شطو التي كانت نموذجا في الحدب والحنو والمحبة (كما قال الكاتب ص 78)

3/ المشاركة في اتخاذ القرارات الأسرية وتقديم الدعم النفسي للزوج: كما هو الحال في قصة لا تدفنوا والدي، حيث أقنعت عائشة زوجها بالرجوع إلى المغرب للاستقرار فيه، ثم أقنعته بزيارة موطنه الأصلي “أيت داوود”، وكانت كلما تشاءم كمال ذكرته بأسباب التفاءل والرضا، وكلما تسخط ذكرته بنعم الله عليه، ترى دائما النصف المملوءة من الكأس، وتجعل من الليمون عصيرا حلوا.

4/ تقديم الدعم المادي للزوج: ويظهر ذلك مع سالم وسيجيرد في قصة شقراء أوسلو.

كما جسد لنا الكاتب نموذج الزوجة المتسلطة الساخطة غير القانعة في شخصية خذوج في قصة بائع الأكباش، فهي امرأة كثيرة الطلبات، صعبة الإرضاء، منعدمة التفهم. وإظهار هذا الصنف من النساء في قصة واحدة فقط إشارة إلى معدن نساء الجنوب اللاتي يغلب عليهن طابع الهدوء والرزانة والتقبل والرضا.

5/ المرأة والأرض: تجسد المجموعة القصصية تيغيلت علاقة وجدانية عميقة بين المرأة والأرض، حيث لا تظهر المرأة باعتبارها قاطنة للمكان، وإنما تتماهى مع الأرض أخذا وعطاء، من خلال العمل في الحقل في جميع الأحوال والظروف، فهي التي تطحن القمح يدوياً وتجلب الحطب للتدفئة والطهي، وهي مهام أساسية للبقاء في تلك المناطق الجبلية: وقد ورد هذا المعنى في كلمات الأغنية الأمازيغية التي كان يستمع إليها إبراهيم في دكانه إذ تقول: طحنت الأم القمح واحتطبت وسقت الماء في الحر والقر. (ص 174)

6/ المرأة والمجتمع: تبرز المجموعة القصصية تيغيلت حضورا قويا للمرأة في المجتمع الجنوبي من خلال:

المشاركة بفعالية في الفنون الشعبية (أحيدوس مثلا)، مما يظهر انسجامها في طبيعة المجتمع.

المشاركة في الحياة الدينية والدعوية: وذلك من خلال عقد مجلس الفدية، وهو مجلس ذكر نسائي يعقد كل جمعة، تجتمع فيه النساء للصلاة والذكر والإنشاد، ثم يتناولون الغذاء وينصرفون. وقد صور الكاتب المرأة في الجنوب مرتبطة بالقيم الإيمانية، حريصة على الذكر والدعاء، تلقن أبناءها ما حفظته في هذه المجالس وتستعين بما تعلمته في توجيههم وتربيتهم.

الإشارة إلى ما تعيشه المرأة في الجنوب من هضم لحقها في الإرث وإعطاء نصيبها لإخوتها الذكور اتباعا للأعراف والتقاليد، بطريقة ساخرة أو (الكوميديا السوداء) حيث قال: “ وضم إلى نصيبه نصيب أخواته اللواتي اقتنعن بأن استفادتهن من حقهن من الإرث يورثهن الذل والهوان إلى يوم القيامة، هكذا سمعن من جدتهن وخالاتهن.”

وخلاصة القول، فإن المرأة في مجموعة “تيغيلت” هي عماد الأسرة وشريكة للرجل في العمل والتدبير، ومصدر أمان للأطفال، تحمي التقاليد الدينية والأعراف الاجتماعية، وتساهم في بناء الإنسان المغربي الجنوبي القوي الصبور الذي يتحدى صعوبة المناخ، والظروف، والحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.