خُبْزُ الأُمِّ لا يَبْرُدُ (قصيدة)
خُبْزُ الأُمِّ لا يَبْرُدُ (قصيدة) رَدٌّ إلى روحِ محمود درويش/ أبو عليّ الصُّبَيْح
خُبْزُ الأُمِّ لا يَبْرُدُ (قصيدة)
رَدٌّ إلى روحِ محمود درويش
أبو عليّ الصُّبَيْح
—
يا محمودُ…
قُمْ قليلًا من غيابكَ،
لا لتعودَ إلى الدنيا،
ولكن لتسمعَ كيف بقيَ رغيفُ أمّكَ ساخنًا
بعد أن بردتْ أيدي الراحلين.
قُمْ لترى الزيتونَ؛
فإنه ما زال شيخَ هذه البلاد،
مُعفَّرَ الجبين،
مشققَ الكفين،
واقفًا على ساقيه
كفارسٍ جاهليٍّ نسيَ الموتُ أن يُسقطه.
يا محمودُ…
أكنتَ تحنُّ إلى الخبز وحده؟
أما أنا
فأحنُّ إلى اليد التي كانت تقسمه،
وإلى التنور حين يتوهج في آخر المساء،
وإلى رائحة الحطب،
وإلى الزيت في الصحن،
والزعتر الأخضر،
وإلى أمٍّ كانت تختصر الوطن كله
بقولها:
تعال يا ولدي…
لقد برد الطعام.
وما كنّا نعلم
أن الطعام قد يبرد،
وأن الأم قد ترحل،
وأن البيت قد يصمت،
وأن الولد قد يشيب،
ويبقى واقفًا أمام باب طفولته
كيتيمٍ أضاع الطريق.
أُمّاهُ، ما الخُبزُ لولا الكفُّ تعجنُهُ
ولا الديارُ إذا لم يسكنِ الأهلُ
ما زلتُ أشمُّ على التنورِ رائحتِي
كأنَّ عمريَ عندَ البابِ ما زالوا
يا محمود…
لقد علّمتنا الأمهات
أن الوطن لا يبدأ من الحدود.
الوطن يبدأ
من عتبة البيت.
من شجرة التين.
من كرمة العنب.
من حجرٍ كان الأب يجلس عليه.
من جرّة الماء.
من صوت الديك عند الفجر.
من رائحة القهوة
حين يطرق الضيف الباب.
ومن أمٍّ
تضع يدها على رأس ابنها
وتقول:
الله يرضى عليك.
هناك تبدأ فلسطين.
أما الخرائط
فتأتي بعد ذلك.
بلادي وإن جارَ الزمانُ بأهلِها
لها في دمي عهدٌ أجلُّ وأكبرُ
إذا قُطِّعتْ دربُ الرجوعِ فإنني
إلى تُربِها فوقَ المنايا سأعبرُ
يا محمود…
مررتُ بالجليل
فوجدتُ الريح تعرف أسماءنا.
قلت لها:
أين الذين كانوا هنا؟
فأشارت إلى الزيتون.
قلت:
وأين الآباء؟
فأشارت إلى التراب.
قلت:
وأين الأمهات؟
فهبّت من جهة البيوت القديمة
رائحة خبز.
فعرفتُ الجواب.
يا محمود…
هكذا بلادنا.
لا يجيبك فيها التاريخ بالكلام.
شجرةٌ تجيب.
حجرٌ يجيب.
بئرٌ يجيب.
مفتاحٌ صدئ
في يد عجوز يجيب.
وقبرُ أبٍ
على سفح الجبل
يجيب.
حتى الخيل…
نعم، حتى الخيل تعرف.
فكم فارسٍ مرّ من هنا
وكان صهيل فرسه
أعلى من خوفه!
وكم رجلٍ خرج من بيته
ولم يرجع،
فبقي حصانه يلتفت نحو الطريق
كأنه ينتظر وقع الخطوات.
خيولُنا تعرفُ الميدانَ إن صهلتْ
ولا تسائلُ يومَ الروعِ مَن حضرا
نمضي وتعرفُنا الهيجاءُ شامخةً
كأننا فوقَ ظهرِ الخيلِ قدرا
يا محمود…
نحن أبناء قوم
كان الرجل منهم
إذا أعطى كلمةً
شدّها إلى عنقه.
وإذا نزل الضيف
أوقد النار.
وإذا استجار به ضعيف
قام.
وإذا ذُكرت الأرض
وضع كفَّه على ترابها
كأنه يضعها على رأس أبيه.
لم تكن فلسطين عندهم شعارًا.
كانت خبزهم.
ماءهم.
قمحهم.
قبورهم.
كانت أسماء أولادهم.
وكانت شجرة الزيتون
دفتر العائلة.
هذا غرسها أبي…
وتلك غرسها جدي…
وهنا كان البيت…
وهناك كان البئر…
ومن تلك الطريق
كانت أمي تعود
وحزمة الحطب فوق رأسها.
هذي الديارُ وإن تقادمَ عهدُها
في كلِّ حجرٍ للجدودِ بيانُ
والزيتُ يشهدُ والزيتونُ يعرفُنا
والتينُ والكرمُ العتيقُ مكانُ
يا محمود…
أما القدس؟
فلا تسألني عنها.
فإنني كلما أردت وصفها
شعرتُ أن اللغة
أصغر من بابها.
القدس لا تحتاج شاعرًا.
الشاعر يحتاج القدس
ليعرف مقدار عجزه.
هناك
يمشي التاريخ حافيًا.
هناك
ترتجف الكلمات أمام الحجارة.
هناك
كل نافذةٍ رواية،
وكل زقاقٍ ذاكرة،
وكل بابٍ يعرف
كم مرةً مرَّ الغائبون
وتركوا قلوبهم خلفهم.
يا قُدسُ يا سِفرَ الزمانِ وحرفَهُ
يا قبلةً في مهجةِ الأحرارِ
مهما تطاولَ في الدروبِ مغيّبٌ
تبقينَ فجرَ الأرضِ والأسحارِ
يا محمود…
سمعت السيّاب عند الخليج
ينادي ماءً
لا يستطيع حمله إلى العراق.
ورأيت البردوني
يبصر اليمن
من وراء عتمته.
ورأيت الماغوط
يحمل دمشق في صدره
كجرح لا يريد أن يلتئم.
ثم التفتُّ إليك.
كنت واقفًا
عند آخر القصيدة،
وفي يدك رغيف،
وفي اليد الأخرى
ذاكرة وطن.
فقلت لك:
يا محمود،
الشعراء العرب
ما كانوا غرباء عن البلاد…
البلاد هي التي كانت
تُنتزع من تحت أقدامهم.
سيّابُ يسألُ ماءَهُ عن نخلةٍ
والبردونيُّ بالظلامِ بصيرُ
ودمشقُ في كفِّ الماغوطِ التي
نزفتْ حروفًا جرحُها مشهورُ
وأنت يا محمود…
أخذتَ أمَّك معك
إلى كل مكان.
لم تحملها في حقيبة.
حملتها في القصيدة.
فصار ملايين الناس
كلما شمّوا خبزًا
تذكّروا أمهاتهم.
وهذه وحدها
هزيمةٌ للموت.
أن يموت الشاعر
وتبقى أمه
تخبز في قلوب الناس.
يا محمود…
إن الأمهات لا يمتن تمامًا.
يبقين في تفاصيل
لا ينتبه لها أحد.
في طريقة ترتيب الفراش.
في رائحة الثياب.
في طبق قديم.
في دعاءٍ كنا نسمعه كل صباح.
في جملةٍ نكررها
ثم نكتشف أننا نقولها
بالنبرة نفسها.
ويبقين في الخبز.
آهٍ من الخبز يا محمود…
كم من رجلٍ هزمته المنافي
ثم هزمته رائحة رغيف!
رغيفُ أمّي إذا مرَّ النسيمُ بهِ
ردَّ الصبا بعدما قد شابَ وجداني
وأرجعَ الدارَ والأيامَ ضاحكةً
وأجلسَ الأمَّ في قلبي وأركاني
يا محمود…
قل للأمهات اللواتي رحلن:
إن أبناءكن كبروا.
لكنهم لم يكبروا
على حضنكن.
قولوا لهن:
إن الرجال
مهما صارت لحاهم بيضاء،
يبقون عند باب الأم
أطفالًا.
وإن الرجل
قد يقف أمام الدنيا كلها
ولا يهتز،
ثم يسمع كلمة:
“يا ابني”
فتنهار في داخله
خمسون سنةً من القوة.
ما هانَ قلبُ فتىً إلّا أمامَ يدٍ
كانتْ تمسِّدُ في طفولتهِ الرأسا
الأمُّ مملكةٌ إذا غابتْ بنا
صرنا ولو ملكَ الرجالُ لنا يتامى
يا محمود…
أما المنفى
فليس أن تعيش خارج البلاد فقط.
قد يعيش الإنسان
في أرضه
ويشعر بالمنفى.
المنفى الحقيقي
أن يصبح بيت أبيك غريبًا عليك.
أن تمرَّ بالطريق
فلا تعرفك الوجوه.
أن تبحث عن شجرة جدك
فلا تجدها.
أن تقول:
هنا كنا…
فيقول لك أحدهم:
أين الدليل؟
الدليل؟
يا محمود…
وهل يحتاج الابن
إلى وثيقة
كي يثبت أن أمه أمه؟
هذا التراب دليلنا.
هذه المقابر.
هذه الأشجار.
هذه أسماء القرى
التي نحفظها
كما نحفظ أسماء أولادنا.
إن قالَ أينَ الدليلُ؟ قلتُ تربتُنا
فيها عظامُ جدودي خيرُ تبيانِ
وفي الزيتونِ آثارُ الأكفِّ لنا
وفي الحجارةِ تاريخي وعنواني
يا محمود…
مَن يملك الذاكرة
لا يُهزم بسهولة.
لهذا كانت جداتنا
أخطر من الكتب.
كانت الجدة تجلس قرب الموقد
وتبدأ:
كان لنا بيت…
كان لنا حقل…
كان جدك يملك فرسًا…
وكانت لنا تينة
يأتي ثمرها في آخر الصيف…
وكان…
وكان…
وكان الطفل يسمع.
ويكبر.
ثم يروي.
وهكذا
تعجز السنون عن ابتلاع القرية.
فالقرية التي بقي اسمها
في فم طفل
لم تمت.
علِّمْ صغيرَكَ اسمَ كلِّ قريةٍ
فالاسمُ أولُ رايةٍ لا تُكسَرُ
واحفظْ حكايا الجدِّ، إن حكايةً
تبقى على مرِّ الزمانِ وتُثمِرُ
يا محمود…
لقد تغيّر العالم كثيرًا.
لكن الزيتون
ما زال زيتونًا.
والأم
ما زالت أمًّا.
والغريب
ما زال حين يضع رأسه
على وسادته
يسافر إلى البيت.
وما زالت فلسطين
تدخل أحلام أبنائها
من غير جواز سفر.
تدخل
من نافذة صغيرة في القلب.
وتقول:
أما اشتقت؟
فنقول:
وكيف لا نشتاق؟
ونحن كلما أكلنا زيتًا
وجدناك.
وكلما شممنا زعترًا
وجدناك.
وكلما رأينا بحر حيفا
عرفنا أن للماء ذاكرة.
وكلما وقفنا أمام أسوار القدس
عرفنا أن للحجارة نبضًا.
حيفا تنادي والكرملُ شاهدٌ
وعكّا على شطِّ البحارِ تنادي
والقدسُ ترفعُ في السماءِ جبينَها
فتعودُ روحي للحمى وبلادي
يا محمود…
أنا لا أكتب رثاءً لك.
الشاعر الذي ترك
كل هذا الضوء
لا يُرثى.
أنا أحدثك
كما يحدث الرجل رجلًا
غاب عن المجلس
وبقي فنجانه مكانه.
أقول لك:
يا محمود…
مقعدك لم يفرغ.
كلما قرأ شابٌّ قصيدةً
جلستَ.
كلما حنَّ مغتربٌ إلى أمه
جلستَ.
كلما وضع فلسطينيٌّ
الزيت والزعتر أمام أولاده
وقال:
ذوقوا…
هذا طعم بلادكم،
جلستَ معنا.
الشاعرُ الحرُّ لا تُطوى صحائفُهُ
إذا توارى، ففي الآفاقِ ذكراهُ
يموتُ جسمًا ويبقى الحرفُ رايتَهُ
كأنَّ في كلِّ جيلٍ عادَ محياهُ
يا محمود…
وإذا لقيتَ هناك
شعراءنا الذين مضوا،
قل لهم:
ما زالت اللغة بخير.
وما زال بين العرب
مَن إذا سمع بيتًا قويًا
اهتز قلبه.
وقل لهم:
ما زالت الخيل
في القصائد تصهل.
وما زالت الصحراء
تفتح صدرها للقوافي.
وما زال العربي
إذا ضاقت به الدنيا
بحث عن بيت شعر
يسند ظهره إليه.
نحنُ الذين إذا القصائدُ أقبلتْ
لبسَ البيانُ على أكفِّنا السُّمرَا
والخيلُ تعرفُ إن نثرنا شعرَنا
أنَّ القوافي قد تهيَّأنَ للكرى
يا محمود…
لكنني أعود إلى أمك.
فكل الطرق في هذه القصيدة
تعود إليها.
كأن فلسطين نفسها
أمٌّ كبيرة.
نخرج منها.
نسافر.
نتخاصم.
نتعب.
نشيب.
ثم نريد الرجوع.
فمن لنا
إن أغلقنا باب الأم؟
ومن يطعم الروح
إن برد رغيفها؟
ومن يمسح عن جبين الرجل
غبار السنين
غير كفٍّ
كانت تمسحه
حين كان طفلًا؟
يا أمُّ أنتِ بدايةٌ ونهايةٌ
وبغيرِ دفءِ يديكِ لا أوطانُ
إن كان للإنسانِ بيتٌ واحدٌ
فحضنُ أمٍّ بيتُهُ والعنوانُ
فيا محمود…
نم.
ولكن اترك النافذة مفتوحة.
قد تمرُّ الليلة
رائحة خبز.
وقد تهبُّ ريحٌ
من الجليل.
وقد يأتيك صهيلُ فرسٍ
من وراء الزمن.
وقد تسمع أمًّا
تنادي ابنها.
عندها
ستعرف أن فلسطين
لم تنم.
وأن القرى
لم تمت.
وأن القدس
ما زالت واقفة.
وأن الزيتون
ما زال يرفع أصابعه
إلى السماء.
وأن الأمهات
ما زلن يعجنَّ الطحين
بالماء والملح
وبشيء لا يعرفه
إلا أبناء هذه البلاد:
الحنين.
سنظلُّ نحملُ في الضلوعِ بلادَنا
حتى ولو حملَ الترابُ عظامَنا
ونظلُّ نزرعُ في الصغارِ حكايةً
كي لا يضيعَ مع الزمانِ مقامُنا
فالقدسُ فينا والجليلُ عقيدةٌ
والكرملُ العالي يشدُّ خيامَنا
والزيتُ والزعترُ الأخضرُ شاهدٌ
أنَّ الترابَ قد استعادَ كلامَنا
والأمُّ إن خبزتْ رغيفًا واحدًا
أحيتْ على جمرِ الحنينِ قرانا
يا محمود…
ها أنا أطوي القصيدة،
ولا أطوي الحكاية.
فالقصائد لها نهايات،
أما الأمهات
فلا نهاية لهن.
والخبز يؤكل،
لكن رائحته تبقى.
والقهوة تبرد،
لكن مجلسها يبقى.
والرجال يموتون،
لكن مواقفهم تبقى.
والشعراء يرحلون،
لكن القصيدة
تظل تسير وحدها
من بيت إلى بيت،
ومن قلب إلى قلب،
ومن جيل إلى جيل.
فنم يا محمود درويش…
وعلى مقربةٍ من غيابك
دعْ لنا رغيفًا،
وحفنةَ زعتر،
وغصنَ زيتون،
وقصيدةً مفتوحة الباب.
فنحن قومٌ
قد نبتعد عن الدار…
لكن الدار
لا تبتعد عنا.
وإذا سألتَ غدًا الترابَ عن اسمي
قالَ الترابُ: هنا لهُ أجدادُ
وإذا سألتَ الزيتونَ مَن أبناؤهُ
هزَّ الغصونَ وقالَ: هذي بلادُ
وإذا سألتَ القدسَ عمّن عشقوا
قالتْ: هنا للشوقِ ألفُ فؤادِ
وإذا سألتَ الخبزَ سرَّ حنيننا
قالَ: الأُمومةُ موطنٌ وبلادِ.
—