منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رغيف خبز عاطفي

رغيف خبز عاطفي/ زيد الطهراوي

0

رغيف خبز عاطفي
بقلم: زيد الطهراوي

 كان ابن خلدون جريئا؛ فقد كاشفهم بالحقيقة والمكاشفات في وطني سلبية، ذلك أنها تؤذي و تجرح، فكل همهم أن يضربوا وجه المستمع بالحقيقة، أو التي يظنون أنها حقيقة، و أما مكاشفة ابن خلدون فهي مقنعة أنيقة.

لقد وضح لهم أن رغيف خبزهم لا يستطيع شخص واحد إنتاجه؛ طحين و عجين و خبز و مخبز و خباز، إلى غير ذلك من المفردات و الأشخاص و الأدوات، ليصلك رغيف الخبز مليئاً بالبروتين و الفيتامينات.

و لقد تعرفت على فكر ابن خلدون منذ طفولتي، و فهمت أن ابن خلدون يريد أن يقول: إن الإنسان اجتماعي بطبعه فجاءني خطابه قويَّ الحجة، و لم أكتشف في طياته الأسرار و لكنني فهمت بعد ذلك معنى التراحم، الذي يشرق من خلال التعاون على إنتاج رغيف خبز.

و لم يستطع القرَّاء أن يستوعبوا هذه المشاعر، و تجاهلوها قائلين: هل هذا الكلام الذي تقوله مكتوب؟ قلت لهم: هذه أمور لا تُكتب، و كنت أعذرهم قليلا؛ فالرغيف الذي كان يُخبز في أيام ابن خلدون يختلف عن الرغيف الذي يُخبز في أيامنا، فالذي يُخبز في أيامنا هو صنع آلات لا تفهم و لا تشعر، و أما في أيامهم فقد كانوا يسكبون الطحين مع الماء بأيديهم، و يعجنونه بأيديهم، و يوقدون نار التنور ( الفرن ) بأيديهم، و يخبزون بأيديهم، فكانت أعمالهم هذه مزيجاً رائعاً من المشاعر، و لهذا كانوا يفهمون فهماً عاطفياً بأن من كُلِّف بالعجن أو الخبز يستحق أن يأكل مما تعبت فيه يداه، و ناله تعب عجنه و حر خبزه، فلو أحضروا له أفضل رغيف في العالم فلن يكون لذيذا كلذة الرغيف الذي تنتجه يداه، و هنا ترقد حقيقة العاطفة و لم يفهمني القراء في كل ما قلت، و كانوا يتساءلون دائماً عن أسباب المجاعات، و لماذا يطير رغيف الخبز من أفواه الناس و كأنه عصفور بريّْ و مع ذلك كررت لهم قائلاً: رغيف الخبز يا سادتي تخبزه الآلات، و لقد تحول الناس إلى رجال روتينيين، يقذفون الماء و الطحين في الآلات؛ فيخرج مخبوزاً مطحوناً بلا تراحم أو عاطفة لو كان ابن خلدون حياً لرجوته أن يضيف معاني التراحم إلى خطابه، و لعل كبار السنِّ يُحدثونكم عن أجدادهم، و كيف كانوا يشعرون بالخجل إذا علموا أن شخصاً في الحيِّ نام جائعاً بلا رغيف خبز.

كانت حياة القراء صاخبة، و الآلات تطحن و تعجن و تخبز، و مع هذا كنت أسعى جاهداً من البدء لأكون نزيها، و كانت الميادين واسعة لأعجن فيها رغيفي، و كنت أشعر أنني أركض فيها وحيدا، ذلك أن الطيور البشرية حولي كانت لا تعرف أن رغيفاً واحداً مني لا يكفي في مواجهة هذه المجاعات، و أنه لا بد أن تجتمع عملياً و عاطفياً كل أرغفة الخبز، لينجو العالم و ينام بلا جوع، و يصحو بلا جوع.

لقد نجحت الطيور البشرية القاسية في كل شيء، و صفعت الناس بأرغفة خبز لا تُسكت صراخ أمعائهم، لأنها استغنت عن الرفيق و اكتفت بالطريق و أما أنا ففي نهاية الجولات لم أفز، لأنني لم أقتنع بالطريق إلا مع الرفيق، و كنت أنشد أرق الكلمات وحدي، و أركض بنشاط و تصميم وحدي، و أصحو كل يوم برغيف لا يُشبع الأوفياء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.