وطن بلا وطن (قصيدة)
أبو علي الصبيح
وسبرت غور الموحشات..وعدتي
عمق الخيال فعدت غير جزوع
___
جرح يصيح ودمعة خرساء
وأنا البكاء وعالمي إقصاء
حزن أنا ورفعت سارية الشجا
وإلي من بند الدماء لواء
أنا أقصى الوجع الكبير وصرخة
غصت بها في نزفها الأرجاء
وفمي انتماء الإنتماء وثورة
عصفت يسابق للوراء وراء
ودم ألاطفال على مشارط لهوهم
وقفت تدير بكأسه العملاء
وأنا الولاء لموطني أعلنته
سيطول في عمري إليه ولاء
ستظل أحزاني تقيم طقوسها
عندي وتعلن موتها الأعباء
أنا خيمة كسر الردى أوتادها
وتناثرت بصمودها الأرزاء
ثوبي بآلامي أحوك خيوطه
وتخيطه بجحودها البلواء
لونته بدموع كل مشرد
لمته في أدغالها الصحراء
أنا أقصى الآهات صرت مصيبة
فينا تدور بعصفها الأنواء
فمتى سيجمعنا لقاء المنتهى
ويمد كف الأمنيات عطاء
أنا لم أجد من قد يقول أنا الذي
أغشى المدار ليسعد البؤساء
فمشايخ دحت الكروش وأوغلت
وملت جيوب شيوخنا الأهواء
فتدافعوا حول الصحون أكفهم
منها تسيل بطبعها الأقذاء
قبضوا دراهم موتنا وتفلتوا
وعوى بهم نحو الهروب رغاء
ومجالس جلست على أضلاعنا
وتشعبت بمرادها الأسماء
فمقامر ومغامر ببلاده
فيها يبيع فتشتري العنقاء
وهنا على هذي المنابر صرحت
جبب الشيوخ وعمة بيضاء
وذقونهم بذقونهم قد علقت
وبهم تعلق وحده الإغواء
أنا لا أرى العلماء إلا زمرة
بغبائهم تتفقه الجهلاء
متأسلمون وكلهم إسلامهم
كذب وكل صلاتهم عرجاء
أنا لم أجد من مد كف عطائه
واستاء لو ناش الرضيع شتاء
منذ احتواني الموت في أكفانه
وبنا علا للنازحين رجاء
وتجلببت بالدين كل عمامة
ناءت بحمل ذنوبها الأمداء
من منكم فينا انتخى ولنا مشى
حتى يقال بأنه الفداء
فجميعكم وجميعكم في جمعكم
منهم رغى عند الحديث هراء
إذ أن أبسط ما يقال لكلكم
الدين منكم يا شيوخ براء
تاجرتم بمصيرنا وكذبتم
يا أيها الفساق والأجراء
هنا عليكم فاستهان عدونا
برقابنا فتسلط الغرباء
وتشرد الخلطاء عن حاراتهم
وبكت على أحبابها الخلصاء
هي خيمة والريح تعوي دونها
وبها تصيح الضحكة البلهاء
مذ فتحت عين الصغار مدارها
وطوى بقايا الأمنيات مساء
ثغري يزاول بالمجاعة شكله
وبها تجود بجوعها الفقراء
أنا جوع هذي الأرض في دهسته
وتقيأت برضاعتي الأثداء
جرحي كبير من يضمد نزفه
وله ستكسر لونها الأدواء
في كل درب قد بحثت فلم أجد
شخصا تثور بروحه العلياء
فجميعنا صرنا غزة وأهله
والأقصى فينا هذه ألفداء
فمآتم بمآتم موصولة
ومشردون تضمهم بطحاء
وبلادنا أنا لم أجدها مأمنا
فيها علا التقتيل والإيذاء
هل يا ترى يوما نلملم تيهنا
ويطول في دار البقاء ثواء
أنا ما رأيت ولا أرى كلا ولا
من قد يقيل وتنجلي الغماء
وطن بلا وطن وكل بلادنا
منفى وفيه الحاكمون أساؤوا
من ذا يلملمنا ويرثي حالنا
فجميعهم في موتنا الشركاء
قطعوا الجسور وجسروا خطواتنا
وبكذبهم تغفو هنا السعداء
فبطونهم منفوخة وجيوبهم
والكل هزت روحه الخضراء
فتطايروا مثل الذباب وراءها
ولهم تغني الضحكة البلهاء
يا ويلهم إما تحمحم في الربى
هذي الرجال وتشعل الغبراء
يا أنت يا هذا الأقصى متى أرى
تعلو الشموس وتلمع الأضواء
دعني إلى نفسي أقول رثاءها
لو كان يجدي بالنفوس رثاء
فأنا سأبكيني وأرثي موطنا
وعلي تبكي وحدها الأبناء
فدعوا عيوني في تبكي مرة
حتى يكحل للجفون بكاء