منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حلم كاد أن يتحقق

حلم كاد أن يتحقق/ عبد الصمد الخزروني

0

حلم كاد أن يتحقق

بقلم: عبد الصمد الخزروني

 

على طول أيام المونديال 2022م المنظم بقطر، تراودني الكلمات في كل مرة لكنني أحاول أن أدفعها، وكلما زاد الحماس وكبر الحلم بفوز المنتخب الوطني في مباراة بعد مباراة تراودني الكلمات أكثر وتهجم علي في كل مكان و زمان. حتى جاءت مباراة المغرب مع فرنسا فأفاضت الكأس واستسلمت للكتابة. فكتبت:

أحلام الأمس حقائق اليوم هكذا علمتنا الحياة. فقد اعتدنا في حياتنا الفردية أن نحلم بكثير من الأمور فتتحقق بعد حين. قد يكون ذلك قريبا وقد يكون بعيدا.

على سبيل المثال، شاب يحلم بالتوظيف فيتوظف، وشابة تحلم بالزواج فتتزوج، ورجل يحلم بالذهاب الى أوروبا فيذهب، وأسرة تحلم بمنزل يأويها فإذا بها تسكنه، ورجل يحلم بملك سيارة فإذا به يشتريها. أمثلة كثيرة لا مجال لحصرها.  بيد أنه في حياتنا الجماعية أمة وشعوبا يحدث العكس، الأحلام إلى عهد قريب لدى أفراد الأمة كانت قليلة،  وحل محلها اليأس في القلوب من شدة الاستبداد وكثرة الفساد. لكن الله تعالى إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب،  فيأتي الربيع العربي ليصنع الحدث وتنبعث الأحلام من جديد وتصبح أحلام الحرية والكرامة والعدالة شعارات يرددها الجميع. ومع الثورات المضادة التي انقلبت على إرادة الشعوب تبخرت تلك الأحلام عند الكثير من الناس، ولم تعد تراود إلا القليل منهم ممن لهم يقين في موعود الله ورسوله بظهور هذا الدين وانتصاره وانتشاره.

وتشاء قدرة الله ومشيئته بعدما تمكن الياس من قلوب الكثير أن يسخر مونديال قطر 2022م حتى تنبعث هذه الأحلام من جديد وتعود لتراود الأمة على طول مساحتها الجغرافية، هذا المونديال الذي كان محطة تاريخية فريدة من حيث التنظيم والتخطيط والتسيير.

كان بحق أول مونديال افتتح فيه بالقرآن الكريم.

وأول مونديال احترمت فيه الأخلاق.

وأول مونديال يقاوم فيه التطبيع مع اليهود.

وأول مونديال تثبت فيه الشعوب أنها قادرة على الوحدة.

وأول مونديال يؤكد أن الإرادة عندما تحضر لدى صناع القرار تصنع الأعاجيب.

هذه المنجزات وغيرها كانت إلى عهد قريب عند القطريين أحلاما تراودهم، لكنها بفضل إرادتهم القوية وإصرارهم المتواصل، وعملهم الدؤوب، ومجهوداتهم الكبيرة، تحققت فأبهرت بها العالم. هذه أحلام الأمس صارت اليوم عندهم حقائق على أرض الواقع.

أما الحلم الكبير الذي ظهر وهجه وتفاعلت معه الأمة العربية والإسلامية وتضامن معه الجمهور بكل أطيافه، الرجال والنساء والأطفال، داخل المغرب وخارجه، القادة والساسة، المفكرون والمثقفون، حتى العلماء والدعاة دخلوا على الخط. فهو أن يصل أول منتخب عربي وإسلامي وإفريقي إلى المربع الذهبي. كان الحلم في بدايته انتصار الفريق المغربي فانتصر، ثم كان حلمه  عبور المجموعة فعبر، ثم كان حلمه وصول المربع فوصل.  وهكذا الأحلام كلما تحقق منها شيء زاد طمع معه أصحابها في تحقيق ما تبقى منها حتى تتحقق كاملة.

ما فعله المنتخب المغربي إنجاز كبير، وشرف عظيم ومفخرة لكل الأمة. ويكفي له شرفا وفخرا أن ينعت بمنتخب الساجدين وأن يظهر للعالمين قيم الإحسان  إلى الوالدين والتمسك بدينه وقيمه.

كانت النية والإرادة والعمل الجماعي وروح الفريق وبذل المجهود هو الدرس الكبير والشعار البارز العنوان العريض لكل ما قدمه هذا الفريق الكبير.

وفي في النهاية أقول: إن هذه اللعبة الكروية بالرغم مما يقال عنها من أنها مخدرة للشعوب وملهية لها عن قضاياها المصيرية الحقيقية، إلا أنها لمن يحسن استثمارها وسيلة لإحياء الأحلام الكبيرة. مثل أحلام الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ووسيلة في نشر القيم النبيلة، ووسيلة في ابراز مظاهر الدين والتراث والثقافة.

والآن عندما يتحقق الحلم وتعم الفرحة الجميع مهما كانت النتيجة فهي مرضية للجميع. ماذا بعد؟ هل ستتفرغ الأمة للأحلام الأخرى غير أحلام الكرة، بالعمل على تحقيق أحلام التقدم في مجالات التعليم والاقتصاد والسياسة والاجتماع بنفس الإرادة والنية والعمل الجماعي وروح الفريق وبذل المجهود؟ أم قدرنا أن ينتهي هذا كله فقط مع أحلام الكرة المستديرة ومع انتهاء الفرحة، وانتهاء مونديال قطر.

تحية عالية للمنتخب الوطني المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.