وقفات مع السنة الهجرية

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله

        تحل بنا في كل وقت من هذه السنة ذكرى السنة الهجرية [1]معلنة انصرام عام  و حاملة معها اوراق العباد الى يوم الحساب . و مقربة للعبد إلى يوم رحيله . إنها مناسبة  تحتم علينا التوقف معها وقفات متعدد بتعدد دلالاتها و معانيها .

         الوقفة الأولى : يا ابن آدم  ، إنما أنت أيام …

        إن السنة الهجرية هي العمر الذي يتآكل بالسنوات  شيئا فيشا  و انت لا تشعر بذلك ، كما قال الحسن البصري رحمه الله : “يا ابن آدم, إنما أنت أيام, إذا ذهب يوم ذهب بعضك“.  تولد صغيرا فيسلمك  الليل الى  النهار و يسلمك النهار الى الليل و و تسلمك سنة الى أخرى  و تسلمك الدنيا إلى الآخرة نحو مصيرك المحتوم … و هكذا تتعاقب فيك الأيام حتى ينتهي أجلك . فطوبى لمن كانت أيامه سِمانا بالطاعات ،  و يا حسرة و  يا ندامة لن كانت أيامه و لياليه عجافا . فماذا قدمنا فيها و ماذا ضيعنا ، فالعمر يمضي و ما مضى منه لن يعود أبدا. يقول عز من قائل : ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ .[2]

  و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : ” اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك. “[3]  قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ”  اِرتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا،  فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل[4], و هيهات أن يجتمع في القلب حبان ، حب الدنيا و حب الآخرة.



       الوقفة  الثانية : حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا

             السنة الهجرية  مناسبة عظيمة لمحاسبة النفس و  مطالعة الرصيد ،  و ليعرف الواحد منا الربح من الخسارة  قبل فوات الأوان ، ماذا قدم و ماذا أخر .  فإن رأى خيرا حمد الله و شكره و ثبت مكتسباته ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم[5] ،   و إن رأى غير ذلك تاب و استغفر . لذلك الكلمة الرائعة التي قالها سيدنا عمر رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم” .          و عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْن أَوْسٍ  عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأماني ” .[6]  

        و لا يخرج عمل المرء عن دوائر ستة : الأولى ، على دائرة الفرد و خلاصه ،﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا[7]. و الثانية ، دائرة الأسرة ، قال سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[8]. أما الثالثة ، فدائرة المجتمع  ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [9]. و الرابعة ، دائرة الأمة ، و التهمم بقضاياها و نصرتها ، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، فعن النعمان بن بشير رضي الله عن قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” [10] . و الخامسة ، دائرة الانسانية ، فالناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ، و  عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس  ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم [11]. أما الدائرة الأخيرة ، فعموم المخلوقات ، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا:  ” بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به” [12].

هي دوائر تتفاوت تتفاوت نسبها من فرد إلى آخر لتكشل مجموعا.

            

الوقفة  الثالثة : لا هجرة بعد الفتح ، و لكن جهاد نية …

           بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى يثرب، لم يتبق في مكة إلا عدد قليل من المسلمين لم يهاجروا لمرضهم وكبر سنهم.
وكان من بين هؤلاء الصحابة الذين حبسهم المرض وكبر السن الصحابي الجليل: ضمرة بن جندب[13] رضي الله عنه لم يستطع أن يتحمل مشقة السفر وحرارة الصحراء فظل في مكة مرغمًا.
ولكنه رضي الله عنه لم يتحمل البقاء بين ظهراني المشركين، فقرر أن يتحامل على نفسه ويتجاهل مرضه وسنه.

       وبالفعل خرج ضمرة بن جندب رحمه الله، وتوجه إلى يثرب، وأثناء سيره في الطريق اشتد عليه المرض، فأدرك أنه الموت، وأنه لن يستطيع الوصول، فوقف رحمه الله وضرب كفًّا على كفٍّ، وقال وهو يضرب الكف الأولى: اللهم هذه بيعتي لك ،ثم قال وهو يضرب الثانية:  وهذه بيعتي لنبيك،
ثم سقط ميتًا  . فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بما حدث لضمرة، ثم نزل قول الله تعالى: ﴿ ‘ ﻭَﻣَﻦ ﻳَﺨْﺮُﺝْ ﻣِﻦ ﺑَﻴْﺘِﻪِ ﻣُﻬَﺎﺟِﺮًﺍ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻭَﺭَﺳُﻮﻟِﻪِ ﺛُﻢَّ ﻳُﺪْﺭِﻛْﻪُ ﺍﻟْﻤَﻮْﺕُ ﻓَﻘَﺪْ ﻭَﻗَﻊَ ﺃَﺟْﺮُﻩُ ﻋَﻠﻰ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻭَﻛَﺎﻥَ ﺍﻟﻠّﻪُ ﻏَﻔُﻮﺭًﺍ ﺭَّﺣِﻴﻤًﺎ ﴾  [14]

           فجمع النبي أصحابه وأخبرهم بشأن ضمرة وقال حديثه الشهير ، الذي هو الحديث الأول في صحيح البخاري والأربعين النووية   : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ[15].

الطريق الى الله طويل، لايشترط أن تصل إلى آخره، المهم أن تموت وأنت فيه.
العمل مع الله لا يشترط فيه أن تصل للهدف، ولكن يكفيك أن تموت وأنت تعمل وتسير في الطريق إليه مادامت نيتك لله[16]  …فما المسافة التي قطعناها الى الله نصرة لدينه في أفق التجديد الأعطم . التجديد الذي ينتقل بالأمة من الملك الجبرية والفرقة إلى الخلافة والوحدة والقيام بالقسط والشهادة لله في الأرض [17]. و لا عليك إن تحقق في زمانك أو بعدك ، ما دامت نيتك لله .

الوقفة الرابعة : و العاقبة للمتقين .

          تعتبر الهجرة نقطة تحول في تاريخ الانسانية عموما و تاريخ المسلمين على الخصوص ، فقد شكلت بداية التحول من من الاضطهاد الى التمكين . قال سبحانه : ﴿ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)[18] . , وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . [19]

      فبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة يهيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ، ويقذف الإيمان في قلوب الأنصار ، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين , قال تعالى : ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ[20] . و هي بشارة خالدة الى يوم الدين لكل من سار و اقتدى ، في أفق البشارة و الموعود الإلهي ، قال سبحانه : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [21] . و لعل ما يلاقيه المسلمون حاضرا في كل بقاع العالم ، أفرادا و جماعات و دولا ، بشارة بتمكين قادم لا محالة ، و خلافة ثانية يرضى عنها ساكن الارض و السماء .

الوقفة الخامسة : الهجرة زكاة.

           دأبا أجدادنا رحمهم الله أجمعين أن يجعلوا مطلع السنة الهجرية بداية حولهم ، فاقترن شهر محرم بإخراج الزكاة ، طهرة لنفس الإنسان من الأنانية والبخل والحرص، لشعور الإنسان بأن المال الذي يحصل عليه ملك له وحده، وتحت سيطرته وتصرفه هو فقط، وإعطاؤه للزكاة تشذيب وتعديل لهذه المشاعر والأحاسيس، لذلك يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا[22]. غير أن الزكاة لا تقتصر على الأموال ، فلكل شيء زكاة . فكل واحد ملزم بزكاة ما يملك من مال أو وقت أوجهد أو علم … فبقدر البذل يكون النماء و الزيادة . كما أن البذل  شرط التمكين ، و علامة صدق المرء في سلوكه و دعوته ببذل المال و النفس . لذلك اقترنا في القرآن، ولذلك يسبق ذكر الجهاد بالمال ذكر الجهاد بالنفس. المال عصب الجهاد وشرطه. فالمؤمن يبرهن على صدق نيته في إنجاح القضية المقدسة ببذله ماله. فلا نعرف صدقه إلا من خلال بذله ماله وجهده. وما في القلوب يعلمه الله. [23]

 

 

و الله عالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون

 

[1] . للاشارة فإن الهجرة كحدث تاريخي وقعت في شهر ربيع الأول ، لكن اعتمد المسلمون شهر محرم لبداية الينة الهجرية.

[2] . سورة السجدة الاية 12.

[3] . أخرج الحاكم في المستدرك و قال حديث صحيح على شرط الشيخين

[4] .  أخرجه البخاري في كتاب الرقائق ، باب في الأمل و طوله.

[5] .  سورة ابراهيم الاية 6 .

[6] . رواه التِّرْمِذيُّ وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ.  

[7] . سورة مريم  الاية 95

[8] . سورة التحريم الاية 6

[9]  .سورة هود 117.

[10] . أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم .

[11]  . أخرج الطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج.

[12] . أخرجه الشيخان .

[13] .  اورد المفسرون القصة في تفسير قوله تعالى : ﻭَﻣَﻦ ﻳَﺨْﺮُﺝْ ﻣِﻦ ﺑَﻴْﺘِﻪِ ﻣُﻬَﺎﺟِﺮًﺍ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻭَﺭَﺳُﻮﻟِﻪِ ﺛُﻢَّ ﻳُﺪْﺭِﻛْﻪُ ﺍﻟْﻤَﻮْﺕُ ﻓَﻘَﺪْ ﻭَﻗَﻊَ ﺃَﺟْﺮُﻩُ ﻋَﻠﻰ ﺍﻟﻠّﻪِ ﻭَﻛَﺎﻥَ ﺍﻟﻠّﻪُ ﻏَﻔُﻮﺭًﺍ ﺭَّﺣِﻴﻤًﺎ

[14] . سورة النساء الاية 100 .

[15] . أخرجه البخاري و أصحاب السنن و غيرهم .

[16] .  اقتباس من تدوينة للدكتور عمر أمكاسو.

[17] . مجلة الجماعة ، العدد 5 ، ص 51.

[18] . سورة العنكنوت ، الآيات 1،2،3 .

[19] .  رواه الترمذي في السنن .

[20] . سورة غافر ، الايتان 51-52.

[21] . سورة النور ، الأية 55.

[22] .سورة التوبة ، الأية 103.

[23] . عبد السلام ياسين ، مجلة الجماعة، العدد 11،ص 20 .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: