وقد خاب من حمل  ظلما

بسم الله الرحمن الرحيم

قال عز وجل في الحديث القدسي: ﴿ يا عبادي، إني حرَّمتُ الظُّلْم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظَالَموا[1]؛ وقال أيضا في محكم تنزيله: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾[2] الظلم ظلمات يوم القيامة، وخسران وحسرة وندامة، ظلم تلبس بأنواع شتى، ظلم أكبر، وآخر أصغر، ظلم الإنسان لنفسه، وظلمه لغيره، ظلم يوقعه هو على غيره ، وظلم يقع عليه. ظلم حسي معنوي، وآخر مادي.

فالظلم الأكبر كما ذهب إليه أغلب المفسرون هو الشرك بالله[3]، يقول الطبري:” شركا بالله، وكفرا به، وعملا بمعصيته.[4] والشرك لا شك في أنه أبلغ الظلم وأبطل الباطل. وأي خيبة من أن يلق الإنسان الله ولم يفز به ربا. يقول تعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيما[5]

شرك وظلم بجميع أشكاله، فظلم المرء نفسه ذلا وخنوعا وخضوعا لغير الله، فيصبح المعبود هو الهوى والدينار والدرهم، وتصبح النفس الأمارة بالسوء، واتباع الشهوات هو القائد والموجه. فيرضى المرء بعيشة الهوان، وأنصاف الحلول، فيكون الجزاء المحقق الحرمان من روح وريحان وجنة نعيم، والخسران المبين بالخلود في النيران.

وظلم فردي يلحقه العبد بنفسه بذنوب يرتكبها ومعاصي يقترفها، وآثام يجنيها بما كسبت يداه، فتكون الحياة وحشة، والعيش ضنكا، الرزق ضئيلا، والسعادة مستحيلا.

ظلم جماعي واجتماعي، تلبس بالفساد فتغلغل في جميع مناحي الحياة، حتى أصبح المنكر معروفا، والمعروف منكرا، واختلطت الموازين حتى لا تكاد تميز بين الضحية والمتهم، بين الظالم والمظلوم، وغابت القيم فأصبح المظلوم المقهور والمغلوب على أمره في ردة فعل غير محسوبة العواقب يمارس الظلم على من هو أقل منه. حتى أضحى الظلم ظاهرة متفشية تسري في أدق خلايا المجتمع.

ظلم أسري يمارسه أحد الزوجين على الأخر وبالتالي على الأبناء، فيتحول محضن الأسرة من الرحمة والمودة والسكينة إلى التنافر وربما إلى التخاصم المفضي إلى تمزيق أواصر اللبنة الأساس في بناء العمران البشري.

ظلم إداري يحول المؤسسة العمومية إلى مرتع للرشوة والزبونية وتصفية الحسابات الشخصية، دون مراعاة للأحكام الشرعية ولا للمساطر القانونية، بدعوى أن المرء لا يعذر بجهله للقانون، وأن القانون لا يحمي المغفلين، في حين أن الشريعة الغراء، وقانون السماء لا فرق عنده بين المغفل وغير المغفل في عقوبة الظلم، « مَن اقتطع حقّ امرئ مسلم بيَمينه فقد أوجب الله له النار، وحرّم عليه الجنة ». فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: « وإنْ قضِيبا مِن أراك »[6]. أي عدل وأي قسط هذا الذي يقتص من الظالم ولو كان عودَ سواكٍ مِن أراك.

ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء، حجة واهية، ويمين كاذبة، وحكم يملى، ومظلوم في غياهب السجون، وثأر مضاد، وفساد في الأرض، في غياب تام للضمير الإنساني، وفي فراغ إيماني كلي لا يفكر إلا حياة فانية، يقول عز وجل محذرا الظالمين: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [7].

ظلم سياسي من أبرز سيمه شراء الذمم، وبيع الوهم، والكذب على العباد، دون أي حسيب أو رقيب، مما يؤدي إلى الفساد والاستبداد، واتساع الهوة بين طبقات المجتمع الواحد، فيطفو على السطح الإجرام، والنهب والسلب. قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ[8] .

ظلم مهني، ظلم طبقي، ظلم تلون بجميع الألوان، ظلم يلد ظلما، وظلم يورث ظلما، ظلم فوق ظلم، ظلم نخر أواصر المجتمعات المتخلفة فزادها تخلفا وانحطاطا، ظلم يصول ويجول حتى ظن الظان أن لا مكان للحق والعدل، لكن الحق والعدل يعلو ولا يعلى عليه، لأن النفس السوية تكره الظلم، وتغضب على الظلم، وتتوق للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فيجد المظلوم أنصارا، فتتسع دائرة النصرة، ويلوح شعاع العدل من بعيد، فيعيد أمل الانعتاق من ربقة الظلم إلى الواجهة، تلك سنة الله في الكون، لكن النتيجة الحتمية هي قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا[9] فطوبى لمن كان لبنة في بناء صرح دولة الحق والعدل والكرامة. وبشرى لمن ساهم في يقظة قلبية تؤدي إلى توبة انقلابية تعيد الأمور إلى صوابها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]    رواه مسلم

[2]  – الشعراء: 277.

[3]  – ينظر : –  تفسير القرطبي 11/249, روح البيان 5/ 430،

[4]  جامع البيان في تفسير القرآن :18/378

 [5] – النساء: 47.

[6] –  الترمذي : السنن الكبرى ، كتاب الشهادات ،باب التشديد في اليمين الفاجرة . صحيح مسلم : كتاب الإيمان ، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار

[7]  – غافر : 16.

[8] –  إبراهيم: 41 – 42 .

[9] – الإسراء: 81.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: