هناك في منعطف التاريخ ينتظرنا القدر

و أنا أمارس حرفة التفكر والنظر، ساقتني بنات أفكاري إلى مَعبَرٍ من الفرضيات وأنا أستحضر أخبار الوحي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشرىفة، فنادتني، يا هذا! هَبْ أنك خُلِقتَ في هذا العالم:

✓ فلم تعاين فيه مستكبرين ينتمون إلى الفرعونية المستعلية، ومستكبرين ينحدرون من القارونية المالية، ومستكبرين ينسلون من النمرودية الطاغوتية، ومنهم من تلاقحت فيهم كل ألوان الاستكبار.

✓ ولم تشهد المفسدين ينشرون الرذيلة والفاحشة من ربا وزنا ولواط وسحاق، يدافعون عنها ويَدْعُونَ لإشاعتها بين الناس، ويحاربون كل متطهر عفيف…

✓ ولم تر حفنة من اليهود الصهاينة قد استولوا على الأرض المباركة بحبل من الغرب الصليبي المتصهين.

✓ ولم تتجرع ألم الأمم وهي تداعى على الأمة الإسلامية كما تداعى الأكلة على قصعتها.

✓ ولم تتابع عبر التاريخ ذهاب خلافة العدل والشورى والحرية في زمن قصير لم يتعد الثلاثين سنة، ليحل محلها حكم العض والجبر الديكتاتوري المستبد المتسلط…

✓ ولم تجد من يَفْجُرُ أمام الله إلحادا وكفرا بيوم القيامة!

✓ ولم تَرقُبْ عينك مستضعفي العالم يئنون تحت وطأة المستكبرين تفقيرا، وتقتيلا، واستعبادا…

✓ ولم تعش أياما مدلهمات كثر فيها الهَرْجُ، وأصبح فيها الصادق كاذبا والكاذب صادقا، والأمين خائنا والخائن أمينا…

✓ ولم تجد لايهودا ولا نصارى، ولا منافقين ولا صادقين، ولا مشركين ولا موحدين، ولا دهريين ولا مؤمنين، ولا مكذبين ولا صادقين…
هب أنك لم تجد هذا ولا غيره مما قَرَأْتَهُ في الوحي، لا في حياتك ولا في واقعك، ألا يكون ذلك مدعاة لتكذيبه واستخرافه! ثم ألا يمثل حضور صور هذه الإخبارات في الواقع المعيش دليلا معجزا على وحي نزل منذ 15 قرنا؟ مدة كانت كافية لمحو أقصى ما يمكن أن يصل إليه المتخيل الانساني أيا كانت عبقريته، فيصبح المخطوط متجاوزا بقوة الواقع.
ثم أليس تَحَقُّقُ الكثير من الإخبارات مدعاة لتصديق ما تبقى منها، وأن سنن الله ماضية في الكون، وأن الإنسان هو أهم عنصر في معادلة تنزيلها، تتفاعل معه جدلا صلاحا وفسادا،
مصداقا لقول الحق سبحانه: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [الرعد:11]. “إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ” [يونس:81]. “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ” [القصص: 5].
ما أحوجنا إلى قوة اليقين في هذا العالم الموار الذي طغى فيه الباطل، وتفشى فيه الظلم، يقين محفز إلى الفعل والحركة، يقين يبدد كل ظلام او ضباب يحجب عنا أعظم وأجَلَّ إخبار غيبي منتظر يتمثل في زوال حكم المستكبرين، وعودة الرشد لعالم السياسة بعودة قيم العدل والإحسان والشورى والحرية. موعود لم تخص به النبوة أهل الإسلام، بل عممته على أهل الأرض بشرا وشجرا وحجرا…
موعود يتطلب إرادة وهبة وقومة جماعية في وجه الظلم والفساد ترقى لسمو الغايات، ورفعة المقاصد، ونبل الأهداف. 
موعود ويقين ينقلنا من ذهنية الانتظار والاستسلام للواقع، إلى الفعل في التاريخ وتغيير مسار التاريخ في اتجاه منعطف التحرر والانعتاق، بأيدينا فقط نُنَزِّل قضاء الله ليصبح قدرا مقدورا.

 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: