هل استفدنا حقا من رمضان…..؟!

 

               بالأمس صمنا أيام رمضان المعدودات وطوينا البطون كاشحين وأظمأنا الشفاه وهجرنا الشهوات واعتزلنا الحلال ساعات طوال وأسهرنا لياليه في القيام وتلاوة القرآن والذكر والابتهال تضرعا وخيفة نرجو الثواب والنجاة من العقاب والعتق من النار والفوز بالجنة دار القرار…

لقد كان صيام رمضان مدرسة للتربية على ما يلي  :                      

1ـــــ التربية على النظام : بحيث يتم الامساك عن جميع المفطرات من وقت محدد مضبوط إلى زمن معين مؤقت وهو الزمن القابل للصوم إلى أن يتم انقضاؤه ليعلن عن وقت الإفطار وذلك تباعا من أول يوم إلى آخر يوم في رمضان فيتعود الصائم على الانضباط والالتزام بالمواقيت والمواعيد المحددة !! ليربي نفسه ويعودها على احترام الوقت وضبطه في حياته كلها..

2ـ التعود على قيام الليل : في رمضان فرصة سانحة ليتنبه الغافل ويفيق المغرور من سباته فيعود نفسه على إحياء الليل ولو بما تيسر، فبعد رمضان يجد نفسه قد تزود بزاد إيماني يعينه على قيام الليل لأن ناشئة الليل أشد وطئا وأقوم قيلا..

3ـ الإحساس بالمحرومين : كلما أحس الصائم الجوع والعطش إلا وتذكر فئات عريضة من الناس في أرجاء المعمورة تشكو البؤس وتعاني الجوع والفقر والعوز….فيشارك هاته الفئات ولو زمنا يسيرا حرمانهم وبؤسهم فيحس بما يحسونه فينمو في نفسه الاحساس بالضعفاء الفقراء والمعوزين أنى وجدوا، فيجود عليهم ويتصدق عليهم تأسيا بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود من الريح المرسلة بذلا وكرما وسخاء…

4ـ  الشعور بمراقبة الله: في الصيام ـ خصوصاـ يتمحض الشعور بالرقابة الذاتية ،فالصائم يرى أمامه ما لذ وطاب من الطعام والشراب ويلتهب حلقه ظمأ وأمامه الماء البارد الزلال فيمتنع عنه ـوهو القادر على أن يصيب منه لو أرادـ دون أن يراه أحد ! لكن شعوره بمراقبة الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى هو ما يمنعه فيرتقي بنفسه إلى درجة الإحسان حيث يعبد الله كأنه يراه فتتوقد في نفسه جذوة إيمانية تضفي على صومه طابع الاخلاص والصدق مع الله ، ولعل هذا هو معنى الحديث القدسي “الصوم لي وأنا أجزي به” وحينما تتشكل هذه الخصلة ـخصلة المراقبة ـفإن المؤمن بعد رمضان يصبح مستشعرا دوما وابدا لمراقبة الله له في كل أقواله وأفعاله وأحواله، فلا يمكن أن يتلبس بقول زور أو رشوة أو اقتراف حرام.. بل تعف نفسه وتزكو روحه وتسمو إلى مدارج الطهر والبر والصلاح والخير. وحقيق بمن تخرج من مدرسة الصيام بامتياز أن يذوق هاتيكم الخصال فتتجلى في سلوكاته آثار الصيام وثماره اليانعة..

5ـ مصاحبة القرآن : رمضان شهر القرآن وفيه أنزل لهداية الناس وانتشالهم من براثن الجهل والضلال إلى نور الهداية وطريق الرشاد وقد ورد في الحديث أن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة أمام رب العباد .وفي الشهر الفضيل فرص للإكثار من تلاوة القرآن واتخاذه صاحبا ومؤنسا طوال النهار وسميرا بالليل ولا سيما تلاوته في القيام ،وكلما تم الاقبال على تلاوة القرآن وتدبره وفهم معانيه إلا وأثمر ذلك لدى الصائم أنسا وغذاء روحيا يغذي الروح فترتوي من نور القرآن فلا تستطيع الانفكاك عنه أو الغفلة عن تلاوته ،وكلما حاولت الابتعاد عنه إلا وأحست الوحشة والوحدة ….وتاقت إلى الوصل لتشرق الروح من جديد وتزكو النفس وإذا تحقق ذلك صار المؤمن مصاحبا للقرآن بعد رمضان لا يهجره ولا يغفل عنه مهما كان !!!

              لقد كان رمضان بالأمس محطة إيمانية ومدرسة للتربية من أجل التزود بالتقوى باعتبارها علة الصيام “لعلكم تتقون” وخير الزاد التقوى .فهل يا ترى صمنا رمضان إيمانا واحتسابا ليتأتى لنا الاستمرار على ما كنا عليه من خير وبر و هدى… بعد رمضان ؟! أم أننا صمنا فقط صوم العادة إفراغ للبطون وظمأ. ثم ملء للبطون وقت الافطار، وبطنة تجعل البدن يثاقل عن العبادة فيكثر الجشاء وتسمن الاجسام وتكثر الامراض في الوقت الذي يجب أن يكون فيه الصيام فرصة للشفاء من أمراض الجهاز الهضمي وشفاء من علل الروح وأسقامها!! ف”رب صائم ليس له من صومه سوى الجوع والعطش” فما لم تظهر فينا آثار الصوم وإن لم نعود أنفسنا على حقيقة الصوم من شعور بمراقبة الله تعالى وتزكية …فلعمري إننا بالعبادة نلعب!

إذا لم يكن في السمع مني تصون               وفي بصري غض وفي منطقي صمت  

فحظي إذا من صومي الجوع والظمأ         وإن قلت :إني صمت يوما فما صمت

     فماذا بعد رمضان …؟! هل يا ترى تزودت الأمة من محطاته الايمانية وأفاقت من سباتها العميق وقطعت مع صوم العادة والتقاليد ؟ وهل تعلمت النظام وضبط المواعيد والوفاء بالعهود ؟ وهل تبدت آثار الصيام على الإنسان للسير قدما نحو بناء الإنسان والعمران ؟وهل كان الصيام ملهما لمعاني النصر والقوة والإعداد والبناء؟!…. تبقى الأيام والسنون القادمة كفيلة بالإجابة على مثل هذه الأسئلة في وقت تتكالب فيه الأمم على أمتنا بالقهر والابتزاز والغلبة وافتعال معارك وهمية والسيطرة على مقدراتنا  كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها !!

اظهر المزيد

إسماعيل حضري

باحث في أصول الققه/ أرفود، المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: