منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نظرية الإبداع عند السادة الصوفية..مقاربات دالة؛ (الجزء الثاني).

0
اشترك في النشرة البريدية

 بـَيِّنَـات.

أرتب الحديث في هذا الجزء الثاني من مقالي، وأنا منشغل بالبحث عن قواعد نظرية الإبداع عند السادة الصوفية رضي الله عنهم واستكناه جوهرها؛ على مقدمات أجعلها مداخل ضرورية لقراءة متأنية تطلب أول ما تطلب كشف غُمَّة الحجاب، والظفر بصحبة أولي الألباب، المتصدين لإحياء ما اندرس من أصيل الأصول، وما أصابه من دعوى الشك والارتياب، وصرف النظر إلى فقه كان مبحث أهل التربية والسلوك الأوائل رضوان الله عليهم، وقد صَيَّرته الغفلة، وما كسبت أيدي الناس في عداد المفقودات، بعد أن انطفأ من الأمة ما كان مشتعلا من كوانين القلوب ومجاميرها، وبعد هجوم كاسح لفقه منحبس ضيق متجهم مكفهر، ولست تعدم من الأمة سادة قائمين استجمعوا الشرائط، وأخرجوا للأمة ما استودعه دستورها من أعلاق وذخائر، ودلوها على الفهم الصحيح، والمنطلق البين الصريح، فلم يطلبوا غير الله، ولم يظفروا بسواه، فمعرفة سلوكهم وفهمهم لحركة الإنسان والتاريخ مقدمات أساسية لفقه سنة الله عز وجل الماضية في العباد ومصائر الرقاب.

وإن الناظر في كتابات السادة الصوفية رضي الله عنهم وما وصلنا من تراثهم ومكتوباتهم يلحظ النعت الإلهي المميز لعلومهم، وعجيب تصرف الله عز وجل فيما تدبجه أناملهم، وتخطه أقلامهم، وهم من كان بالنبع متصلا، وللفهم السليم جامعا، فلا غرو أن يكون ما كتبه السادة الصوفية بحرا لا تكدره الدلاء؛ بَحْرٌ لا يُساجل وجم لا يُحَافل. فها أنذا في هذا اللفيف المبارك أجلس في محرابهم، متنسما عبير موافقاتهم ما به أخط صُوى نظرية إبداعية فريدة، مزيلا غبش الرؤية وضباب الفهم، طالبا آثار الصحة والعافية لبياناتنا العربية الثِّقَافية والكلامية، وقد نابذتها الشواغل عن رب كل مشتغل وشاغل، وانسحبت عليها معطيات الساحة الواقعية فأعمتها عن طلب الدليل، والظفر بخير سبيل.

وأجدني في هذا الجزء الثاني مرتبا القول على مقدمات للقول المبدع والفعل الأبدع عند القوم رضي الله عنهم، وهي كالتالي:

المقدمة الأولى: إبداع الذات: إخلاصها للحق.

 

المزيد من المشاركات
1 من 11

لقد أبدع السادة الصوفية رضي الله عنهم أسلوبا جديدا في فهم الكون والحياة؛ هو أسلوب وعي الذات الذي يعني ضمنا استيعابا حقيقيا لصيرورة الوعي الثقافي في محيط الصوفي ومجتمعه؛ فهذا الأخير لم يدرك ذاته خارج ذاته كما هو حال البيانات العربية ونظريات الفلاسفة والمتكلمين؛ وحتى “الفقهاء” المؤثثة للمشهد الفكري و”الثِّقافي” من حوله، بل إن الصوفي أدرك ذاته من داخل ذاته؛ وبذلك أبدع نموذجا معرفيا فريدا وراقيا، فكيف يعرف الوجود مِن حوله ويٌرتبه ترتيبا بديعا؛ من لم يعرف ذاته وترك الفوضى في قلبه؟ وبذلك فقد تمَثَّل السادة الصوفية ذاتية وعي الذات مبكرا؛ وهو ميزان أدركه إمام مصر عبد الله بن وهب[1] رضي الله عنه حيث كان يكثر من قول: ( إنَّمَا يُحْسِنُ الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه.)؛ وهو نفس الميزان الذي وقفت عليه في كتاب تاريخ بغداد للخطيب منسوبا للحكيم سمنون[2] رحمه الله حيث قال عندما سئل عن الفراسة وحقيقتها: ( إنَّ من تَفَرَّسَ في نفْسِه فَعَرَفَهَا صَحَّتْ له الفِرَاسَة في غَيْرِه وَأَحْكَمَهَا.)[3]؛ ولذلك انتهى أغلب أصحاب البيانات العربية إلى تبديع بعضهم البعض، لكن الصوفية رضي الله عنهم لم يسعوا قط إلاَّ لتبديع أنفسهم؛ والخروج من حظ أنفسهم؛ وعندما جاء رجل إلى أبي علي الدقاق[4](ت405ه)، قائلا: قطعت إليك شُقَّة طويلة والمقصود لقاؤك، فأجابه: “يكفيك خطوة واحدة، لو سافرت عن نفسك.”[5]؛ فعند القوم ليس المراد من إطلاق النفس الوجود، ولا القالب الموضوع؛ وإنما أرادوا بالنفس ما كان معلولا من أوصاف العبد ومذموما من أخلاقه وأفعاله؛ ومفارقة الذات المبدعة لهذا الحال عندهم واجب، وإخلاصها (أي الذات) لا يتم إلا عبر المعرفة التامة، والمعرفة التامة للشيء لا تحصل إلا بفقده، وهو ما مر معنا سلفا في المقال السابق؛ فالصوفي لم يخلص للزمن ولا للتاريخ؛ وإنما أخلص لمسار روحي وأحوال دقيقة وحاسمة رسم بنفسه وعبر معاناة شخصية ذاتية، فهو لم يتشبث بكل قشة على أنها يقين، بل بحث وبتفان وإخلاص وصدق عن عين اليقين وحق اليقين؛ ولذلك نجد الإمام الجنيد رضي الله عنه، زعيم الطائفة، يتحدث عن هذا المسار بكل جرأة ووضوح: “لا يبلغ أحد درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق”[6]؛ إنه طريق الحق وبيانه وكلمته التي لا تترك لك صديقا؛ فالصوفية لم يبحثوا قط عن شهادة وتزكية لمسارهم من أحد؛ بل شقوه عبر ذاتهم وفي مشاهداتهم ومكاشفاتهم؛ إذ لم يروا في تقييم الاخرين لهم فضيلة؛ ولا في اتهامهم لهم رذيلة؛ فما كان سعيهم لهذا أبدا فهم رضي الله عنهم يستوي عندهم مدح الناس لهم أو ذمهم؛ رافعين شعار : ” التعلم من الحي الذي لا يموت”؛ ولذلك كانت حركة الإبداع الصوفي إحياء للذات؛ وذلك بانتشال الذات من قبضة الذات، ومن عداوة الذات للذات.

 

المقدمة الثانية: المعرفة الإبداعية الصوفية: نعت إلاهي.

النعت الإلهي في النظرية الإبداعية الصوفية لا يعني سوى التلقي المباشر من الحضرة الإلهية؛ فنطقهم ليس عن ذات وإنما عن موجد الذات ومحدثها ومن هي في قبضته، ومن هنا جاء قول الإمام الشبلي[7](ت334ه): ” من علامة المعرفة أن يرى نفسه في قبضة العزة؛ وتجري عليه تصاريف القدرة”[8]؛ ولا يتم له ذلك إلا عبر طريق المحبة ف ” من علامة المعرفة المحبة لأن من عرفه أحبه”[9]؛ فالمحبة تتخلل الذات والروح والمعرفة فتبدعها في أدّق صورة؛ وتصلها بالكل؛ وما الكل إلا منبع المعرفة وعينها؛ ومتى تلقت الأفهام والعقول والأرواح المعرفة من غير منبعها الصافي؛ وُرِّثت وَأَوْرثت فهما كليلا عليلا؛ وأشربت الأفهام كدرا وطينا.

فالصوفية لا يربطون وُجُودَهم وَوُجْدَهم بغير الله عز وجل؛ ولذلك أفرغت مساعيهم من حوافز الأنانية المستعلية والأبعاد الضيقة؛ فهم لا ينزعون إلا لنزع حوافز التعصب والكراهية وسجن الذات في عبودية الذات؛ وتلك لعمري هي الحرية في أبهى صورها وتجلياتها؛ فلا غرو أن يبرأ الإمام محيي الدين بن عربي(ت638ه) من عِلَتَي الفكر والنظر، ويعتبر المعرفة: “نَـــعْــتـــاً إلاهِــــيــــــــا”[10]؛ وهي لا تعني عنده سوى: المحجة، “فكل علم لا يحصل إلا عن عمل وتقوى وسلوك فهو معرفة لأنه عن كشف محقق لا تدخله الشبهة بخلاف العلم الحاصل عن النظر الفكري لا يسلم أبدا من دخول الشبهة عليه والحيرة فيه والقدح في الأمر الموصل إليه.”[11]؛ فشتَّان بين أهل الخبر واللسان؛ وعلماء الباطن أرباب القلوب والعيان ! كما يقول أبو طالب المكي أعاد الله علينا بركة الجميع.

وقد أجاب الإمام الشبلي رضي الله عنه مرة عن سؤال:

متى يكون العارف بمشهد من الحق؟ فأجاب بقوله: إذا بَدَا (ظهر) الشَّاهِد، وفني الشواهِد، وذهب الحواس، واضمحلّ الإحساس”[12]، فقمة الإبداع فناء من يبدعه في مبدعه، وبهذا وجدوا في الإبداع المعرفي، اعتكافا كليا للقلب اتجاه الحق في الأحوال والهواجس والخواطر، وهو ما يؤدي بالمبدع أن يكون ” من الخلق أجنبيا ومن آفات نفسه بريا، ومن المساكنات والملاحظات نقيا”[13]، وبهذا ” يصير مُحْدَثاً من قِبَل الحق بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره.”[14] كما عبر عن ذلك الإمام القشيري[15](ت465ه)؛ فليس الصوفي إلا ناطق في بيانه وإبداعه بلسان الحضرة الإلهية، ولذلك قدم الإمام الشبلي هذا الوصف البديع قائلا: ” ليس لعارف علاقة، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى، ولا لخائف قرار، ولا لأحد من الله فرار”[16]؛ إنه إرجاع الإبداع لصاحب الأمر والنهي؛ لا التفات للصوفي لغيره سبحانه وتعالى ولا قرار له إلا معه؛ وملتفت عندهم لا يصل؛ ومن لا قرار له بالله ومع الله فلا قرار له.

فالإمام الشبلي يرسم طريقا لاحبا لماهية المعرفة الصوفية المبدعة؛ فهو يجيب عن سؤال وُجِّه له عن المعرفة وماهيتها بكلمات موجزة معبرة موحية: “أولها الله وآخرها ما لا نهاية له.”[17]؛ ولذلك أجاب ذا النون المصري[18](ت245ه) على سؤال: بم عرفت ربك؟ بقوله: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي.”[19]؛ إنه الإخلاص الكامل والذوبان الكلي في الحضرة الإلهية؛ لكن هذه المعرفة الإلهية المبدعة لا تتأتى من دون بذل جهد ومجاهدة؛ وبذلك حقق أبو يزيد البسطامي[20] معرفته: ” ببطن جائع وبدن عار”[21]؛ وليس البدن العاري عند القوم رضي الله عنه سوى إظهار الافتقار والعجز والانكسار؛ وبه نال القوم الرفاعية والمعرفة الإبداعية، إنها اللاشيئية !وهو نفسه نهج أبي سعيد الخراز[22] (297هـ) إذ نال ما ناله من معرفة ” من عين الجود وبذل المجهود”[23]، ونالها آخر ” بلمعة لمعت بلسان مأخوذ عن التمييز المعهود ولفظة جرت على هالك مفقود”[24]؛ إنه التحلل من الحول والقوة والتجرد الكامل؛ ومن ظن انه يحدث إبداعا بغير الله ومن الله فلا حد لحسرته وخسرانه.

فالصوفية يصفوا أنفسهم بسالكي الطريق الباحثين عن الحق الغرقى في بحار المعرفة والتوحيد؛ فلم يسعوا من وراء ذلك إلا لصياغة نظرية إبداعية مميزة في المعرفة والسلوك، فقد ورد عن أبي حفص عمر بن مسلمة الحداد[25] (ت 260ه) قوله: ” منذ عرفت الله ما دخل قلبي حق ولا باطل”[26]، إنه بلوغ درجة التجرد الكلي له سبحانه، وهو أكبر تجليات الذات المبدعة، إنه بلوغ درجة الأخلاقية المطلقة.

قيل لأبي مدين الغوث (ت 594ه)[27] وقد رُئِي تمسح الناس به بنية البركة، وقد تركهم يفعلون ذلك دون أن يحرك ساكنا:

أما تجد في نفسك من ذلك أثرا؟ فأجاب؟ هل يجد الحجر الأسود في نفسه أثرا يخرجه من حجريته إذا قبلته الرسل والأنبياء والأولياء؟ فقيل: لا !! فرد عليهم بقوله: أنا ذلك الحجر.”[28]، هنا وهنا فقط يثبت بطلان ادعاء المعرفة على أن تكون مصدرا للمعرفة، لأنها ليست معرفة بالظواهر وتفسيرها فقط، بل اتصاف الذات المبدعة بصفات الحق؛ أي تمثلها الكامل واتصافها بصفات الكل الأخلاقي؛ ولذلك اعتبر أبو يزيد البسطامي أن ” أوفى صفات العارف أن تجري فيه صفات الحق”[29]، إنه ارتقاء الذات المبدعة إلى مصاف الاتصاف المطلق بالأنا الحقة وذوبانها في الحق، وبذلك نجد محمد بن الفضل[30] يجيب عن سؤال وجه إليه عن حاجة العارفين على الله بعبارة: “لا حاجة لهم ولا اختيار، إذ بغير الحاجة والاختيار نالوا ما نالوا ( التسليم المطلق) لأن قيام العارفين بموجدهم، وبقاؤهم بموجدهم وفناؤهم بموجدهم.”[31]، ومن هنا جاء قول يحيى بن معاذ[32](258 هـ.)، ” ما دام الصوفي يَتَعَرَّف فإنه يواجه بقول: لا تختر شيئا، ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف ! فإذا عرف وصار عارفا فيقال له آنذاك، إن شئت اختر وإن شئت لا تختر. لنك إن اخترت فباختيارنا اخترت، وإن تركت فباختيارنا تركت الاختيار، فإنك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار”[33]، ما أروعه من بيان! وتلك هي صحة السر تنتج عنها فصاحة العلانية، من كان صحيح السر كان فصيح العلانية.

 

المقدمة الثالثة: الذات المبدعة وطوق التقليد.

ما أروع ما أورده العلامة ابن حزم الاندلسي (456 هـ ) رضي الله عنه في نبذ التقليد مؤكدا ومحذرا ببيانه الفصيح: “وسيردُ الجميع إلى عالم الغيب فيحكم بيننا فيما فيه نختلف وتالله لتطولن ندامةٌ من لم يجعل حظه من الدين والعلم إلا نصر قول فلان بعينه”[34].

لقد رفع السادة الصوفية مصدر معرفتهم إلى مصاف “الحي الذي لا يموت”؛ والحقيقة من وجهة نظرهم حية لا تموت، وأنزلوا نظريتهم الإبداعية إلى الأعماق، وبذلك يكونوا قد أرسوا أسس نظرية إبداعية فريدة.

فلم يسع الصوفية في إبداعهم إلا للخروج بالمعرفة من طوق التقليد ومضغ الكلام وترداد كلام القوالين والأكل من نخالة طعام المتكلمين البائت، ولا التردد على موائدهم الفاقدة للاتجاه والمعنى، وبذلك فقد جعلوا من محاربة التقليد الفكري صلب توجههم المعرفي السلوكي؛ فالمعرفة لا تعني بالنسبة لهم سوى تذليل جهل الأنا بحقائق نفسها.

لقد اشترط السادة الصوفية لإبداعهم مهمة المعرفة الدائمة المتصلة التي لا يشوبها تردد أوشك انطلاقا من أن الحقيقة واحدة، والحقيقة هي المطلق، ولم يجر كسر طوق التقليد عندهم ضمن تقاليد التعرية والتشنيع والانتقاص من الآخر بل من خلال صهره في بوتقة الأنا العارفة.

لقد أبدع السادة الصوفية أسلوبهم الخاص في محاربة التقليد من خلال سلوك الطريق، ولم يضعوا أمام السالك مهمة أخرى غير معرفة الحقيقة والوصول إليها، والحقيقة حسب الجنيد(ت298ه)[35] زعيم الطائفة درجة لا تنتهي فهي كالجمال والخير مقيدة في العبارة مطلقة في المعنى دائمة في الإثارة، وبهذا فقد جعلوا من محاربة التقليد مقدمة أساسية لكل معرفة حقيقية، وتبع ابن عربي خطا الجنيد بقوله، كل علم لا يحصل عن طريق العمل والتقوى والسلوك فلا يعد معرفة[36]، بمعنى لا بد لكل إبداعي حقيقي ان يمر عبر التجربة الشخصية، ومعاناة الذات في اتون البحث عن الحق والحقيقة.

لكن إبداعهم لا يخلوا من إثارة ومن تذكير بالأصل نكرانا للذات، وتقديما لبطاقة الإفلاس والعجز بين يديه سبحانه، ونفيا أن ينسبوا لأنفسهم معرفة أو ادعاء؛ وهذا جوهر نظريتهم الإبداعية الملهمة والفريدة فها هو ذا أبو يزيد البسطامي(ت261ه) يصف حال العارف بين الجهل والحقيقة بقوله: ” لا يزال العبد عارفا ما دام جاهلا. فإذا زال عن جهله زالت معرفته”[37]، إنه الإبداع الذي يقتضي تجرد الذات من ذاتيتها وذوبانها الكامل في الحق، فناء وبقاء[38]، إذ لا وجود إلا بالموجد، لأنهم يحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل ولا يزال، ويورد الحارث المحاسبي[39] فكرة شبيهة بهذه عندما يقول:

مضت علي ثلاثون سنة لم أسمع فيها شيئا إلا من رأسي، ثم دارت علي ثلاثون أخرى لم أسمع فيها شيئا إلا من الله”[40]، بينما أجاب الجنيد عن سؤال وجه إليه:

“بما نلت ما نلت؟

قال: من جلوسي بين يدي الله ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة !! وأمأ إلى درجة في داره.”[41]

إنه العكوف الدائم على باب الحضرة الإلهية؛ إنه باب الإبداع ومنطلقه الذي يخلص شِرْك نفسه وشركها، من عدوه الداخلي الذي يهدد ذاته بالأفول، ومتى صارت الذات عدوة لذاتها فذاك علامة أفولها!

كالخاتمة

إن فهم حركة الكون والحياة خارج فلك شمس الحقيقة شرود وانتكاس، فمن يفكر وهو بعيد عن جوهر الحقيقة الإلهية وشمس المعرفة المحمدية لن ينتج إلا هوسا، ولن يفكر إلا تفكير أزمة؛ وهذا جوهر ما وُفقت ووقفت عنده نظرية الإبداع عند السادة الصوفية؛ فهم قد وضعوا إدراك الذات لذاتها المنطلق وهادي السبيل، والمضي في تحليل الكون والإنسان والنظر إليه من هذه المعالي المشرقة مقترحين نظريتهم الإبداعية التجديدية التغييرية وفق هذه المعاني السامية؛ وإن كانت لا تخلو من رمز واستغلاق نتيجة طبيعة المرحلة أو منطق العصر ولغته، أو تضييق أصحاب الوقت كما يحب أن يصفهم بذلك الإمام الأكبر؛ وهذه النظرية ظلت راسخة القدم في المنابع متصلة بها.

يعيد السادة الصوفية ترتيب حركة الفكر واتجاهه، بل يضفوا مضامين جديدة على مفاهيم وتفسيرات ظلت سائدة ردحا من الزمن في البيانات العربية الثقافية المتعاقبة ملتمسين العذر للجميع لا متطاولين مشنعين، بل كاشفين عن دلالات إبداعية أكثر عمقا، لها امتداد سلوكي وأصول معرفية دقيقة وجليلة.

إن القراءة الإبداعية الصابرة المتأنية التي ينطلق منها السادة الصوفية جعلت أفقهم الاستيعابي يمتد ليستوعب حركة الإنسان في عالم مضطرب موار، معيدا ترتيبها وفق أولويات، ومطالب، واستشرافات مستقبلية.

وهي نظرية إبداعية مستوعبة متكاملة.

بلغة تصل الكتابة بالغيب يكتب السادة الصوفية رضي الله عنهم، يكتبون بقلم متصل لا منقطع يشرب من المنابع ويستقي من النبع، وإنما ظلت علة الأقلام انقطاعها عن المدد الإلهي، ومغارف القلوب التي صقلتها المحبة والذكر والقرب، وإنما الألسنة مغارف القلوب، لا تتغذى هذه الكتابة النيرة المبدعة المزهرة المتصلة من حثالة الطعام الفكري الثقافي الفلسفي البائت، ولا من ترداد القوالين الغافلين بل تنهل من المعين الثر الأنور الأزهر.

إن السادة الصوفية رضي الله عنهم في نظريتهم الإبداعية المجددة يعيدون تصحيح ما رسمته القراءات المنحبسة الضيقة، عبر قراءة رفيقة رحيمة، لا يغلب عليها طابع الأحكام والتقريرات، بل تستمد من أسلوب الانطلاقة الواعية من المشترك إلى إعادة قراءة وترتيب المختلف قراءة تستمد أصولها من المنابع الصيلة للتلقي.

يعيد السادة الصوفية الكتابة إلى أصولها الأولى، إلى المنابع الأصلية والأصيلة للتلقي، يكتبون وقدمهم راسخة في زمن الغيب، الزمن الأصلي الذي انسحبت عليه غفلة الإنسان وغوايته، وخلوده إلى الأرض. لا تظفر في مكتوباتهم بغير المطلوب، ومن اعتقد أن المطلوب غير الله عز وجل فما شم رائحة ما أزعج السادة وحرك وجدانهم، فهم أصحاب رؤية محورها الإنسان، وهذا جوهر رؤيتهم الإبداعية.

إن مكتوباتهم الإبداعية منقطعة عن العلائق متعلقة بالحقائق، فهي يقظة دائمة لا تغفل عن الحق، فهي تجتذب أرواح المعاني قصد الاستدلال بالأقوال والأعمال والأحوال على الحق عز وجل، فهو لسان حال النظرية الإبداعية الصوفية الملهمة في تحسسها وتذوقها وطلبها للحق وإخلاص الوجهة والقصد له سبحانه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  هو أبو محمد الفهري مولاهم عبد الله بن وهب بن مسلم الفقيه المالكي المصري المولود في الفسطاط سنة 125هـ، لزم الإمام

مالك أكثر من عشرين سنة، وقضى حياته في طلب العلم. تراجم الأعلام اعتمدت فيها على: (الرسالة القشيرية، سير أعلام النبلاء، طبقات الصوفية).

[2]  سمنون بن حمزة، وكنيته: أبو الحسن، ويقال أبو القاسم؛ وكان كبير الشأن، مات قبل الجنيد كما قيل.

[3]  الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 9/236.

[4]  هو الحسن بن علي بن محمد النيسابوري الأصل، الزاهد العارف، شيخ الصوفية، شيخ أبي القاسم القشيري، تزوج بابنته فاطمة، وتوفي في ذي الحجة، سنة، 405هـ.

[5]  عبد الكريم القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف، ص، 479.

[6]  محمد بن محمود بن علي الداموني البكري، النفحات القدسية في شرح معاني الدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية للشيح الأكبر محيي الدين بن عربي، تحقيق وتخريج أحمد فريد المزيدي، ص 122.

[7]  أبو بكر دلف بن جَحْدر الشبلي، بغدادي المولد، صحب الجنيد ومن في عصره، وكان شيخ وقته، حالا، وظرفا، وعلما، مالكي المذهب، عاش سبعا وثمانين سنة، ومات سنة: أربع وثلاثين وثلاثمائة، وقبره في بغداد.

[8]  أبو نصر السراج الطوسي، اللمع، حققه وقدم له وخرج أحاديثه، د/ عبد الحليم محمود، ود/ طه عبد الباقي سرور، ص، 57.

[9]  نفسه، ص،57.

[10]  ابن عربي، الفتوحات المكية، المجلد الثاني، طبعة دار الفكر، ص، 294.

[11]  ابن عربي، الفتوحات المكية، المجلد الثاني، ص، 294.

[12]  أبو نصر السراج الطوسي، اللمع، ص، 57.

[13]  القشيري، الرسالة القشيرية، ص، 510.

[14]  نفسه، ص، 510.

[15]  عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة أبو القاسم القشيري إمام الصوفية، وصاحب الرسالة القشيرية في علم التصوف، ومن كبار العلماء في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب و الشعر، (376 هـ 465 هـ)، الملقب بـ “زين الإسلام“.

[16]  القشيري، الرسالة القشيرية، ص، 511.

[17]  نفسه، ص، 511.

[18]  أبو الفيض ذو النون المصري، واسمه: ثوبان بن إبراهيم، وقيل الفيض بن إبراهيم، وأبوه كان نوبيا، فائق في هذا الشأن وأوحد وقته علما، وورعا، وحالا، وأدبا، توفي سنة خمس وأربعين ومائتين، (245هـ).

[19]  القشيري، الرسالة القشيرية، ص، 514.

[20]  أبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامي، وكان جده مجوسيا أسلم. وكان له أخان، وأبو يزيد أجلهم حالا، قيل مات سنة إحدى وستين ومائتين (261هـ)، وقيل أربع وثلاثين ومائتين (234هـ).

[21]  القشيري، الرسالة القشيرية، ص، 513.

[22]  من أهل بغداد، صحب ذا النون المصري، والسري؛ وبِشْرا، وغيرهم، مات سنة: سبع وتسعين ومائتين(297هـ).

[23]  القشيري، الرسالة، ص515، الطوسي، اللمع، ص، 56.

[24]  القشيري، الرسالة القشيرية، ص، 515.

[25]  من قرية يقال لها: كورداباذ على باب مدينة نيسابور، على طريق بخارى، كان أحد الأئمة والسادة، هو أول من أظهر طريقة التصوف في نيسابور، مات سنة نيف وستين ومائتين.

[26]  نفسه، ص، 511.

[27]  أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري والمعروف باسم سيدي بومدين أو أبو مدين التلمساني ويلقب بشيخ الشيوخ ولقبه ابن عربي بمعلم المعلمين ولد سنة: 509 هـ، 1126م في قطنيانة، ومات سنة:594 هـ،1198 م في تلمسان ) فقيه و متصوف وشاعر أندلسي، يعد مؤسس أحد أهم مدارس التصوف في بلاد المغرب العربي والأندلس ، تعلم في إشبيلية و فاس وقضى أغلب حياته في بجاية وكثر أتباعه هناك واشتهر أمره.

[28]  ابن عربي، الفتوحات المكية، طبعة دار الفكر، ج3/136.

[29]  أبو نصر السراج الطوسي، اللمع، ص، 61.

[30]  أبو عبد الله محمد بن الفضل بن عباس بن حفص البلخي، أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام التصوف السني في القرن الرابع الهجري أصله من بلخ وسكن سمرقند وبها توفي سنة 319 هـ، وصفه أبو عبد الرحمن السلميبأنه: من أجلّة مشايخ خراسان.

[31]  أبو نصر السراج الطوسي، اللمع، ص، 58.

[32]  أبو زكريا يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي الواعظ، من أعلام التصوف السني في القرن الثالث الهجري، وصفه الذهبي بأنه “من كبار المشايخ له كلام جيد ومواعظ مشهورة”. كانوا ثلاثة أخوة: يحيى، وإسماعيل، وإبراهيم، وكلهم زهاد. خرج إلى بلخ وأقام فيها، ثم رجع إلى نيسابور ومات فيها يوم 16 جمادى الأولى سنة258 هـ.

[33]  أبو نصر السراج الطوسي، اللمع، ص، 61.

[34]  ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، المجلد الأول، الجزء الرابع، ص، 417.

 

[35]  هو سيد أهل الطائفة، وكان من الفقهاء المتعبدين على مذهب الشافعية، وتفقه على أبي ثور، وتوفي ببغداد سنة، 298هـ، وكان الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه، والفقهاء لتقريره، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه.

[36]  ابن عربي، الفتوحات، المجلد الثاني، ص، 294.

[37]  البهاء العاملي، الكشكول، منشورات مؤسسة الأعلمي، 1/115.

[38]  أشار القوم بالفناء: إلى سقوط الأوصاف المذمومة، وأشاروا بالفناء إلى قيام الأوصاف المحمودة به.

[39]  الحارث بن أسد بن عبد الله المحاسبي البصري كنيته أبو عبد الله، سمي المحاسبي لأنه كان يحاسب نفسه. أحد أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري بصرى ُّالأصل، مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين يقول عنه أبو عبد الرحمن السلمي: أنه أستاُذ أكثرِ البغداديين؛ وهو من أَهل البصرة ولد سنة 170 هـ.

[40]  القشيري، الرسالة القشيرية، ص، 79.

[41]  نفسه، ص، 80.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.