نظرية الإبداع عند السادة الصوفية .. مقاربات دالة.

(الجزء الأول)

  1. تقديم

إن التصوف في مجمله هو حركة شوقية نحو المبدع/ الله عز وجل، فلم يَسْعَ الصوفي في حركته وسلوكه إلا لتحدي نفسه، وتجديدها من أجل نموذجها الأرقى. يقول أحدهم: “إن طريقنا هذا لا يصلح إلا لأقوام كنست بأرواحهم المزابل”([1]). فكنس النفس مقدمة أساسية لإبداع نموذجها الأرقى، ولذلك اتخذ الصوفية الكرام لهم شعارا علميا وعمليا كثيرا ما يتردد في المصنفات الصوفية: “من عرف نفسه، فقد عرف ربه ([2]). فجوهر الحركة الإبداعية الصوفية معرفة الله عز وجل/ المبدع. ولن تتم هذه المعرفة/ الغاية، إلا عبر معرفة النفس، وتنقيتها مما علق بها من شوائب وأدران. وكمال الإبداع الصوفي هو اضمحلال النفس وذوبانها في الحقيقة المطلقة. فالفناء والبقاء([3]) شرطان ضروريان لكل إبداع. وبهذا فقد وضع الصوفية الإبداع ضمن مفارقة: المعرفة التامة بالشيء فقدانه. فمعرفة النفس لا يعني سوى فقدانها. وبهذا خرج الصوفية عن المألوف في تفكير الناس والفرق الكلامية ليدخلوا دخولا مبدعا ومجددا دلالاته الأساسية: خروج النفس عن نفسها، والذات عن ذاتها.

قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله عندما سئل عن سر النفس: ” النفس سر ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلا فرعون، فقال: أنا ربكم الأعلى، ولها سبع حجب سماوية، وسبع حجب أرضية، فكلما يدفن العبد نفسه أرضا أرضا، سما قلبه سماء سماء، فإذا دفنت النفس تحت الثرى، وصلت بالقلب إلى العرش”([4]). هذا الدفن الأرضي الذي يتحدث عنه سهل رحمه الله في هذا النص هو عين الإبداع و سر حركته. إن قاعدة دفن النفس في أرضها مقابل ارتقائها في سماواتها شكلت محور حركة الصوفي وإبداعه، فمن أجل الإسراء صوب الحق في سماواته وعوالمه لا بد من دفن النفس والخروج منها باعتبار هذه الحركة تذليل، وشرط أساس لكل سمو روحي وسفر روحي، فالنفس ([5]) عند القوم من أكبر الحجب المانعة عن القصد، إذ نجد العارف الكبير فريد الدين العطار النيسابوري في مناجاته الدالة المعبرة يخشى مكر النفس وخداعها وهو من هو في المعرفة والقرب منه إذ يقول: “الناس يخشونك وأنا أخشى نفسي، فما عرفت منك إلا كل خير، وما عرفت من نفسي إلا كل شر.”،  فهي أخبث من سبعين شيطانا. وقد كان السري السقطي رحمه الله يسأل الله أن يقيه ذل الحجاب: “يا إلهي مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب”([6]). ذل الحجاب بعد، وإبداع الحقيقة الصوفية إنما يتم بخروجها من البعد إلى القرب، ومن القرب إلى الظفر بالله عز وجل. يقول النفري في مواقفه:

“أخرج من الحجاب تخرج من البعد.

أخرج من البعد تخرج من القرب.

أخرج من القرب ترى الله”([7])

وقلت: ينبغي أن تخرج من كل شيء لتظفر بكل شيء/ المبدع، بمعنى ألا تتعلق بشيء يكون حجاب بينك وبين المطلوب حتى ولو كان قلبا، فهو سبحانه لا يقبل الشريك، فينبغي أن تخرج من كل شيء لتظفر بالغاية والقصد.

 

  1. ملامح النظرية الإبداعية عند السادة الصوفية.

لقد جعل الصوفية طريق الإبداع طريق معاناة، وعلى قدر المعاناة تعظم قيمة الإبداع.

إن الذات المبدعة في احتراق دائم في أتون الإخلاص للحقيقة المطلقة، فلا هدوء في الإبداع، ولا وداعة، بل هو نار مادتها صدق الوفاء للحق الذي هو مصدر الإبداع الدائم. ولذلك جعل السادة الصوفية من الشروط الملازمة لأي إبداع: الكون مع الله بلا علاقة. يقول الجنيد رحمه الله: “… لهذا سارعوا إلى محو العلائق، وهجموا بالنفوس على معانقة الخذر، وتجرعوا مرارة المكابدة، وصدقوا مع الله في المعاملة، واصفوا الآداب فيما توجهوا إليه، وهانت عليهم المصاعب، وعرفوا قدر ما يطلبون، وسجفوا هممهم عن التلق إلى مذكور سوى وليهم فحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل ولا يزول” ([8]).

إن الإبداع الحق عند القوم رضي الله عنهم هو استقامة دائمة للروح في قهرها للظنون والأوهام، وتصفيتها للنفس من خلطات الطبيعة، وتزكيتها من كل ما يعيقها عن الوصول إلى محتدها، فالإبداع الصوفي تمتزج فيه الأفعال بالأقوال امتزاجا عجيبا، فهو ما يفيضه الله سبحانه وتعالى في الأفعال، والأعمال، والأقوال من أسرار وأنوار بعد نفي العلائق، والتعلق برب الخلائق، يقول ابن الأعرابي: “ليس من تلقته القلوب بمشاهدتها كمن توهمته بظنونها، ولا ما كان متروكا مهملا كمن كان محفوظا، ولا ما استجلب عن كون كمن فاض من معدنه، ولا ما نتج عن الفكر كمن رشح عن الذكر”([9]). الإبداع الحق في نص ابن الأعرابي يفيض من الوجدان عن طريق نور الكشف والمشاهدات لا الأوهام والظنون، إبداع ينبع من الذات وذلك بتزكيتها عبر المعاناة والمجاهدات، ولا يمكن أن يستجلب من الخارج. إبداع يَرْشَحٌ عن الذكر([10])، العقل فيه خادم للقلب وتطلعاته، لا ما ينسقه من أخبار ومعلومات، فالمتميز بالفكر ليس كالمستهتر بالذكر([11])، فالعقل المجرد المعاشي لا قيمة له في نظر الصوفي، ولا ينتج إبداعا حقا وإنما ينتج هلوسة وجنونا، لأنه لم يتجرد للحق. فقيمة إبداع العقل عند الصوفية هو اضمحلاله في شهود الحقيقة، ومعاناته طلب وجدانها، فلا قيمة للعقل إن لم يدخل غمار المعاناة في طلب المطلق، وليس المطلق غير الله عز وجل.

لقد ظل تاريخ التجربة الصوفية الإبداعية بحثا عن المعنى، بحيث خرج الصوفية من كلام المتكلمين إلى كلام الله الحق، ومن التجربة العقلية إلى الوحدة الصوفية، لم يجلس الصوفي في محراب غير محراب التلقي المباشر عن الحق، ولم يتلق علمه عن الأموات، بل عن الحي الذي لا يموت([12])، لذا تفرد في إبداعه جاعلا من بذل الروح شعاره: “إذا استطعت بذل الروح فتعال وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية”([13]). الإبداع الصوفي بذل من أجل استقامة السر، وقد أغنت النظرية الإبداعية الصوفية ميدان الأدب المكتظ بكثير من الكلام، واللغط الفلسفي، الفقير من المعنى، ووعي الذات، وحدادة النفس. ولنستمع إلى أبي يزيد البسطامي يتحدث عن تجربته الشخصية في هذا النص المفتاح لوعي التجربة الإبداعية الصوفية. يقول: “كنت اثنتي عشرة سنة حداد نفسي، وخمس سنين مرآة نفسي، وسنة أنظر فيما بينها، فإذا في وسطي زنار ظاهر، فعملت في قطعه اثني عشرة سنة ثم نظرت فإذا في بطني زنار فعملت في قطعه خمس سنين أنظر كيف أقطعه، فَكُشف لي ذلك، ونظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى، فكبرت عليهم أربع تكبيرات… فلما صرت إلى وحدانيته أقبلت أسير بالفهم عشر سنوات حتى كَلَّ فهمي، فصرت طيرا جسمه في الأحدية، وجناحه في الديمومة، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين طيران ما بين العرش إلى الثرى ثمانمائة ألف مرة، فلم أزل حتى جاوزت الديمومة، ثم أشرفت على التوحيد في غيبوبة الخلق عن العارف، وغيبوبة العارف عن الخلق”([14]). نعثر في هذه الصيغة من القول البديع لأبي يزيد البسطامي رحمه الله مظاهر من التجربة الشخصية أو الفردية باعتبارها من مقدمات الإبداع، إذ يستعرض فيها الرجل استبطاناته الذاتية المعروضة على تجارب الزمن/ الأحوال، والمنتجة لهذه المقامات الغريبة التي تقلب فيها البسطامي قبل أن يظفر بهذه الغيبوبة عن الخلق، والبقاء بالخالق، فالتجربة الفردية مرقاة إبداعية تعطي للتحرك الصوفي فرادته، وللإبداع الصوفي استقلاله الخاص في الثقافة الإسلامية، وتكشف على أن قول الصوفي وفعله تعبيران عن تاريخ روحه المبدع وتجربته الشخصية المسطرة عبر المعاناة والذوق والشوق. يقول أبو يزيد: “منذ ثلاثين سنة، كُلَّمَا أردت أن أذكر الله عز وجل تمضمضت وأغسل لساني إجلالا لله عز وجل”([15]). لا إبداع حقيقي في عرف الصوفي خارج خوض غمار التجربة الشخصية/الفردية. فتذوق الحقيقة يلزمه ذوبان في فعل الحق، وانسلاخ كلي يفضي لتلاشي الأنا في طلب الله عز وجل، ” قيل لأبي يزيد بما نلت؟ قال: انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها”([16]). هذا الانسلاخ الذاتي حرر الصوفي مما سوى الله عز وجل، ولذلك عد الصوفي نفسه جوهر الكون ومعناه، فالإنسان المبدع معنى الكون وحقيقته. يقول الدقي: “تهت سبعة عشر يوما لم آكل ولم أشرب، فرأيت من بعيد خيالا فطمعت نفسي، فلما دنوت فإذا أنا بعسكر مع أمير لهم مارين إلى فلزم. فلما رأيت أنهم من الجند أيست نفسي منهم، فعرضوا على الطعام والماء فلم آكل ولم أشرب. فقال لي أميرهم: أنت في حال يحل لك الميتة فلم تمتنع عن طعامنا؟ فقال: نحن إذا كنا بين الناس بشرط العلم لا نرضى لأنفسنا أن ننبسط إليكم، فكيف ننبسط عليكم في مثل هذا الوقت؟ والوقت كله حقيقة”([17]). ما بين التيه والحقيقة ينسج الصوفي تجربته الإبداعية الخاصة بحثا عن الله عز وجل، فما أشقها وأدقها من طريق.

التصوف في إبداعه هو الحركة المتسامية للوجدان، بذل للروح في سعي لكمالها.

الإبداع الصوفي وُجد وفقد، يقول الحسين النوري([18]): “منذ عشرين سنة وأنا بين الوجد والفقد”([19]). فقد الشيء مقدمة لطلبه، ومن لم يفقد لم يجد. وهذا الفقد لن يتم إلا بالمرور من معاناة التجربة الشخصية. والوجد يٌشْعِر بسابقة الفقد كما يقول الصوفية الكرام رضي الله عنهم. الوجد مزاحمة الصفات الذميمة لتمحيص الإنسان، وبلوغه حريته الخالصة في الإخلاص للحق عز وجل. يقول أحدهم:

“كنت عند ذي النون فجاءه رجل فقال له: رأيت أبا يزيد، فقلت له: أنت أبا يزيد؟ فقال: ومن أبو يزيد؟ يا ليتني رأيت أبا يزيد! فبكى ذو النون وقال: إن أخي أبا يزيد فقد نفسه في حب الله فصار يطلبها مع الطالبين”([20]).

أي إبداع هذا أن تفارق المألوف، وأن تصير تبحث عن نفسك، فشرط المبدع ترك النفس والاقبال عليه.

إن المفارقة الأساسية في التجربة الصوفية الإبداعية قائمة على قاعدة أساسية ومهمة جدا: “المعرفة التامة بالشيء فقدانه”، ولمعرفة النفس لابد من فقدها. لكن الفقد لا يعني في عرف الصوفي سوى تسليم النفس لله عز وجل في مقدمة لإنتاج نموذجها الأرقى. ولذلك فقد أبو يزيد نفسه ثم راح يطلبها مع الطالبين. طلب النفس بعد فقدانها هو اللغز الذي حير الصوفية رضي الله عنهم. فاكتشاف النفس يساوي إبداع حقيقتها. هذا الإبداع تجرع من أجله الصوفية مرارة المكابدة، لذلك كان بإمكان أبا يزيد أن يخاطب الحرفيين وأصحاب العقل المعاشي أنهم أخذوا علمهم عن الأموات، وأنه هو وأصحابه أخذوا علمهم عن الحي الذي لا يموت. فالإبداع الصوفي كَسَرَ طوق التقليد، وأقام حقائقه لا على القيل والقال، وإنما ورث الحكمة النظرية المعرفية المتراكمة كابرا عن كابر. فلا غرو أن يخاطب الإمام الأكبر الجنيد في المسارح البرزخية قائلا: ” نعم السلف كنتم، ونعم الخلف كنا”([21])، الإبداع الصوفي اقتباس قلب من قلب، تشرب حقيقة عبر معاناة التجربة الفردية، والانتماء المخلص للطريق الصوفي، إذ لا طريق للحق إلا بالحق، وهي حقيقة إبداعية دقيقة، وبها قال أبو يزيد: “عرفت الله بالله، وعرفت ما دون الله بنور الله”([22]). فمصدر إبداع الصوفي المتجدد فَقْدٌ/ تجرد أخذ المعرفة منه، ومعرفة الخلق بما يفيضه الله عز وجل عليه من أنوار يميز بها بين الحق والباطل.

 

  1. كالخاتمة

نخلص إلى أن الإبداع في التجربة الصوفية يمتزج امتزاجا لا تكاد تفصله عن التجربة العملية الفردية: أي ما يسمى التجربة الشخصية، وليست التجربة الشخصية في نظر الصوفي إلا خلاصة معاناته ولذته في طلب الحق عز وجل، ويسجل لنا التاريخ الصوفي نماذج رائعة من إبداعات الصوفية الأدبية والشعرية، وقد دونت كخلاصات لمسار مليء بالمشاهدات والمواجيد التي تبدو غريبة عند البعض، وما هي إلا تجسيد متنوع لنماذج مثلى في تاريخ الإبداع الصوفي الذي امتزج فيه اللغز بالمعنى، الحيرة والاندهاش، أمام الحق عز وجل. وبذلك يمكن أن نعتبر أن الإبداع الصوفي عصارة تاريخ تجارب الفناء في الحق والبقاء في الحقيقة.

لقد كتب الإمام الغزالي بعد لقائه بالصوفية خلاصة إبداعية مهمة تعبر عن هذا اللقاء التاريخي الذي يجسد خروج الأنا من حدودها الضيقة، والانفتاح على الحق من أجل إبداع الذات والوصول بها إلى حقيقتها المطلقة. لقد عبر الإمام الغزالي رحمه الله أصدق تعبير من خلال كتابه المنقذ من الضلال، عن جوهر طلبه للحق والحقيقة من بين اضطراب الفرق متفرسا في ذاته، كاسرا طوق التقليد مصمما على أخذ المعرفة من منابعها الأصلية الأصيلة. يقول رحمه الله: “أردنا العلم للدنيا فأبى إلا أن يكون لله!” ([23]). إن اللوحة الإبداعية التي قدمها الغزالي من خلال كتابه المنقذ من الضلال، تلخص مجرى انتقاله من مبدأ الشك والارتياب، إلى مبدإ الحقيقة والعيان، إذ ينبني السلوك الصوفي على تبني قاعدة البحث عن حقيقة الذات انطلاقا من الذات نفسها عبر تغيير ما بها.

إن لسان الحقيقة المقيد بالشريعة التي عبر عنه الصوفية في إبداعهم للطريقة التي هي خلاصة التجربة الفردية والشخصية التي خاضوا غمارها، ما هي إلا استظهار لحقائق المطلق بدوام النظر إليه، لقد عبر الغزالي عن خلاصة تجربته الشخصية. بقوله: “لقد وجدت الحق مع الصوفية”([24]). وليس الحق في تعبير الغزالي غير ظفره بمعرفة الله التي هي المفتاح في معرفته لحقائق الأشياء.

إن البحث عن الحق جوهر الحركة الصوفية الإبداعية، وعندما تعددت على الغزالي طلبات العودة للتدريس في نظامية بغداد رد عليهم قائلا: “إن هذا الوقت هو وقت فِراق الدنيا لا السفر إلى العراق”([25]). إن قيمة الإبداع الحق تكمن في مفارقة وفراق الأشكال والظفر بالجوهر، مفارقة -يسميها الصوفي خلوة في جلوة([26])– يجد بعدها الصوفي في وجدانه لذة الحق واليقين، مفارقة يخرج بها من المهاترات إلى الحقائق، من العيش بلا معنى إلى الظفر بمنبع المعاني والتجليات، فليس من شاهد كمن يتوهم، ومن زار أرض الحقيقة([27]) واستمد منها كمن لا خبر له عنها. والذوق والمشاهدة عند الصوفية من فيوضات الإبداع ومقدماته الأساسية.

لقد أبدع الغزالي رحمه الله تآلفه الفكري الصوفي الفلسفي من خلال عبوره مسار التجربة الشخصية، من خلال انتمائه الكامل للحق، وتمكنه من اتصاله بالكل عبر سقوطه عن كليته والظفر بمقام اللاشيئية، فمن أمارة المتمكن أن يبطل بالكل عن كليته.

إن لكل مفكر تاريخه الخاص أو مساره الإبداعي، وهو ما يمكن أن يكون تمثلا لمساعيه الحثيثة في بحثه عن الحق. ولقد أبدع الفكر الصوفي السابق لابن عربي المواد الأولية الضرورية إلى أنها كانت بحاجة لصانع ماهر الحذاقة لبناء صرحها الأساس، وإخضاع التجربة الصوفية لتقييم خاص نجده واضحا غاية الوضوح فيما كتبه وأثله الشيخ الأكبر قدس الله سره. لقد أراد الشيخ من خلال تآلفه الإبداعي أن يقول بأن الحقيقة واحدة، وهو الذي ضحى بكل شيء من أجلها، فقد أدخل في آرائه الإبداعية كل الطيف الإسلامي وغير الإسلامي من فلاسفة، وصوفية، ومتكلمين، وفقهاء، وشعراء، ومؤرخين، دون أن يذكر أسماءهم لسعيه نحو إرساء نظريته الإبداعية الجمعية التي يعتبر الظفر بكنز المعرفة الذي لا يقبل التعدد محركها الأساس.

بقي أن نشير قبل أن نختم هذه المقاربة في النظرية الإبداعية عند السادة الصوفية رضي الله عنهم إلى نقطة مهمة في نظرية الإبداع عند محيي الدين بن عربي –التي ستكون موضوع أبحاثنا المستقبلية بحول الله عز وجل-إلى أن السادة الصوفية رضي الله عنهم يعتبروا أنفسهم أطفال الحضرة الإلهية. عن أبي يزيد انه قال: “الصوفية أطفال في حجر الحق”([28]). فعندما يرتمي الصوفي في حجر الحق يجعل لإبداعه طفولة تستمد رجولتها من انتمائها للحقائق الإلهية. والطفولة في الحضرة الإلهية براءة من الحول والقوة/عجز، والعجز كنز كما يقول بديع الزمان النورسي: “أنا عجزي كنزي”.

عندما يختار الصوفي هذه الطفولة في حجر الحق يغيب عن شهود نفسه إلى شهود الحق، وكل هذا يجعله يظفر بهذا الاحتضان الحاني، والإشراف المباشر، والصناعة على عين الحق، وما ذاك إلا لوفائه وإخلاصه وعمله، فالإبداع الصوفي عمل وعظمته على قدر ما فيه من علم وإخلاص للحقيقة، وهو ما جعل التستري([29]) يستنتج من خلال تجربته في الإخلاص ما يلي: “خرج العلماء والعباد والزهاد من الدنيا وقلوبهم مقفلة، ولم تفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء”([30]). هذا الانفتاح اللامتناهي وريث الصدق، وهو سر باطني جعل من الصوفي أسير الحقيقة، بحيث تسقط النفس عن القلب، ويبقى القلب في إخلاصه.

نستطيع أن نقول إن السادة الصوفية أرسوا دعائم نظرية إبداعية فريدة مبنية على أسس معرفية مستغرقة في جلال الله، همها الوحيد أن تنكشف لها جلية الحق، فلا ترى إلا بالله ولا شغل لها سواه، هذا الاستغراق في الذات الإلهية سعيا نحو كسب المعرفة والظفر به سبحانه هو ما يحرك الصوفي ويقض مضجعه ويجعل علمه خرقا للعادة لا في لغته ولا في الممارسة العملية التي يقعد لها، فهو إبداع لا على منوال سابق.

المصادر والمراجع:

  • الرسالة القشيرية، عبد الكريم القشيري، تحقيق وإعداد معروف زريق علي عبد الحميد لمطنجي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية.
  • اللمع، أبي نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي، ضبطه وصححه كامل مصطفى الهنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2001.
  • المنقذ من الضلال، لحجة الإسلام الغزالي، دار الجيل بيروت، الطبعة الأولى، 2003.
  • الفتوحات المكية، محيي الدين ابن عربي، تحقيق وتقديم د. عثمان يحيى، تصدير ومراجعة د. إبراهيم مدكور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977.
  • النور من كلمات أبي طيفور، ضمن شطحات الصوفية لعبد الرحمن بدوي، الناشر وكالة المطبوعات بيروت، الطبعة الثالثة، 1978.
  • كتاب التجليات، تقديم وتحقيق أيمن جمدي، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أحمد بن عبد الله الأصفهاني أبو نعيم، مكتبة الخانجي ودار الفكر، 1997.

المواقف والمخاطبات، لمحمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، عناية وتصحيح واهتمام آرثر يوحنا أربري، مكتبة المتنبي القاهرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])  الرسالة القشيرية، عبد الكريم القشيري، ص283.

([2])  حديث نبوي

([3])  أشار قوم بالفناء إلى سقوط الأوصاف الذميمة، وأشاروا بالبقاء إلى بروز الأوصاف المحمودة”، الرسالة القشيرية، ص67.

([4])  اللمع، الطوسي، ص208.

([5])  عندما يطلق الصوفية لفظ النفس فإنهم يقصدون به: “ما كان معلولا من أوصاف العبد” أنظر الفتوحات، س13/212.

([6])  اللمع، الطوسي، ص232.

([7])  المواقف، النفري، ص120

([8])  حلية الأولياء، 10/262،263.

([9])  اللمع، الطوسي، ص270.

([10])   سئل محمد الواسطي عن الذكر فقال: “الخروج من ميدان الغفلة إلى قضاء المشاهدة على غلبة الخوف وشدة الحب” أنظر الرسالة القشيرية، ص222.

([11])   الرسالة القشيرية، ص223

([12])  سمعت استنبه يقول: حضرت مجلس أبي يزيد والناس يقولون: فلان لقي فلان، قال أبو يزيد: مساكين! أخذوا ميتا عن ميت، وأخذت علمنا عن الحي الذي لا يموت.” النور من كلمات أبي طيفور، ص100.

([13])  الرسالة القشيرية، عبد الكريم القشيري، ص 390.

([14])  النور من كلمات أبي طيفور، ضمن شطحات الصوفية لعبد الرحمن بدوي، ص97/149/150.

([15])  نفسه، ص105.

([16])   النور من كلمات أبي طيفور، ضمن كتاب شطحات الصوفية لعبد الرحمن بدوي، ص151.

([17])  اللمع، الطوسي، ص161.

([18])  وهو: أبو الحسين أحمد بن محمد النوري توفي 295هـ/908م، ولد ونشأ في بغداد، بغوي الأصل، صحب السري السقطي وابن أبي الحواري، وكان من أقران الجنيد رحمه الله، وكان كبير الشأن حسن المعاملة واللسان، الرسالة القشيرية، ص438/439.

([19])   الرسالة القشرية، ص62.

([20])  النور من كلمات أبي طيفور، ضمن شطحات الصوفية لعبد الرحمن بدوي، ص151.

([21])  كتاب التجليات، تقديم وتحقيق أيمن جمدي، ص73.

([22])  النور من كلمات أبي طيفور، ضمن شطحات الصوفية لعبد الرحمن بدوي، ص170.

([23])  المنقذ من الضلال، ص 18

([24])   المنقذ من الضلال، ص152

([25])  نفسه، ص 86

([26])  فإن قلت: وما الخلوة والجلوة؟ قلنا: الجلوة هي: خروج العبد من الخلوة بنعوت الحق، فيحرق ما أدركه بصره، والخلوة هي: محادثة السر مع الحق، حيث لا ملك ولا أحد.”، الفتوحات، س13/185/186.

([27])   يجعل الإمام الأكبر للحقيقة أرضا، وقد زارها واستمد منها وقد سجل كل ذلك في فتوحاته، أنظر الفتوحات المكية،1/126.

([28])  النور من كلمات أبي طيفور، ضمن شطحات الصوفية لعبد الرحمن بدوي، ص167.

([29])  وهو: أبو محمد سهل بن عبد الله التستري [200/383هـ/815/896 ] أحد أئمة القوم، لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع، وكان صاحب كرامات، ولقي ذا النون بمكة سنة خروجه إلى الحج.”، الرسالة القشيرية، ص400.

([30])  الرسالة القشيرية.

اظهر المزيد

المصطفى مسالي

أستاذ باحث في العلوم الإسلامية، عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، رئيس مركز يوسف بن تاشفين للدراسات والأبحاث من أجل اللغة العربية، عضو الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية. المغرب الأقصى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: