من نوازل عشر ذي الحجة هل يأخذُ المُضَحِّي من شعره وأظفاره؟

مقدمة:

لقد من الله تعالى على عباده المؤمنين بمواسم للخير متعددة؛ يتعرضون لها ويغنمون فضلها وبركتها، فعدد المولى سبحانه أبواب الخير ومواسمه، ونوع ذلك ترغيبا لعباده حتى يسارعوا في الخيرات. قال سبحانه: “وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين”[1]. وحتى يحصل المطلوبُ ينقل الله تعالى العباد من عبادة إلى عبادة؛ ومن طاعة إلى طاعة؛ حتى لا تمل النفوس ولا تكل، فتقبل على بارئها وتؤوب. وعن محمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن لربكم في أيام دهركم لنفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا”[2].

ومن مواسم الخير الجليلة؛ الأيام العشر من ذي الحجة الحرام؛ فقد ورد في فضلها نصوص عدة من القرآن والسنة، من ذلك:

– قال الله تعالى: “والفجر وليال عشر”[3]، قال ابن كثير: “المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغيرهم”.

– عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما العمل في أيام أفضل في هذه العشرة” قالوا: ولا الجهاد؟ قال: “ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء”[4]

– قال الله تعالى: “ويذكروا اسم الله في أيام معلومات”[5]،  قال ابن عباس:  أيام العشر.

– عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد”[6].

وكان سعيد ابن جبير رحمه الله “إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يُقدَر عليه”[7].

قال ابن حجر في الفتح: “والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يأتي ذلك في غيره”.

لهذه النصوص والآثار وغيرها؛ يستجيبُ المؤمنون والمؤمنات لداعي الخير فيهبون سراعا لاغتنام الفضل، ويقرأ المؤمنون أو يسمعون من الخطيب والواعظ قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” (إِذَا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلا يمس من شعره وبشره شيئا)[8] فيتساءلون: هل يحرم على المضحي أن يأخذ شيئا من شعره وأظافره؟ خاصة وأنهم يستقبلون بطائق عبر الوسائط الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي تذكر بالحديث المذكور أعلاه والذي يفيد المنع والتحريم.

فهل الحكمُ الشرعي هو تحريمُ الأخذ من الشعر والأظافر لمن يريد أن يضحي أضحية العيد؟ أم أن هناك رأيا فقهيا آخر يقضي بالجواز؟

لذلك يأتي هذا المقالُ مُذكِّراً وناقلاً لبعض الأقوال الفقهية في النازلة، حتى لا يفهم الناس أن هناك رأيا فقهيا واحدا يجب أن يُحملوا عليه. لأن المسألة خلافية تعددت فيها آراء الفقهاء بين مانعين للأخذ من الشعر والأظافر وبين مجيزين؛ وقائلين بالكراهة التنزيهية.

1- أدلة المانعين :

يستند القائلون بالمنع إلى حديث أم سلمة رضي الله عنها الذكور آنفا؛ روى مسلم قال:

 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا»، قِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرْفَعُهُ، قَالَ: «لَكِنِّي أَرْفَعُهُ»[9]. وساقَ الإمامُ مسلم ستَّة طرق أخرى للحديث في هذا الباب.

وقد أثبت الإمام النووي الخلافَ في المسألة حين شرْحِه للحديث فقال:

“قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحى فلا يمس من شعره وبشره شيئا) وفى رواية فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظُفُرًا، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ[10] وَبَعْضُ أصحاب الشافعي: أنه يحرم عليه أخذ شيء مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ فِي وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ”[11].

2- أدلة المجيزين:

احتج المجيزون أخذَ الشعرِ وتقليم الأظافر؛ بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: “لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس”[12].

ومن الذين أباحوا أخذ الشعر وتقليم الأظفار لمن يريد أن يضحي: الإمام أبو حنيفة ومالك في أحد الروايتين عنه، وكره في الرواية الأخرى. ومن الذين كرهوا ذلك ولم يحرموه الشافعي والشافعية. قال النووي: ” وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تنزيه وليس بحرام”[13].

فالذين اعتمدوا حديثَ عائشة حملوه على الإباحة وقدموه على حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها.

قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “ففي ذلك دليل على إباحة ما قد حظره الحديث الأول – يعني حديث أم سلمة – ومجيء حديث عائشة رضي الله عنها أحسن من مجيء حديث أم سلمة رضي الله عنها؛ لأنه جاء مجيئا متواترا. وحديث أمسلمة فلم يجئ كذلك، بل قد طعن في إسناد حديث مالك، فقيل إنه موقوف على أم سلمة”.

ثم ذكر الطحاوي حديث أم سلمة برواية مالك وفيه: “عن أم سلمة رضي الله عنها ولم ترفعه قالت: من رأى هلال ذي الحجة…”.

وذكر رواية أخرى وفيها: “عن أم سلمة مثله ولم ترفعه…”

ثم قال – الطحاوي- : ” وأما النظر في ذلك فقد رأينا الإحرام ينحظر به أشياء مما قد كانت كلها قبله حلالا، منها الجماع والقبلة وقص الأظفار وحلق الشعر وقتل الصيد؛ فكل هذه الأشياء تحرم بالإحرام وأحكام ذلك مختلفة.

فأما الجماع فمن أصابه في إحرامه فسد حجه، وما سوى ذلك لا يفسد إصابته الإحرام، فكان الجماع أغلظ الأشياء التي يحرمها الإحرام.

ثم رأينا من دخلت عليه أيام العشر وهو يريد أن يضحي أن ذلك لا يمنعه من الجماع، وهو أغلظ ما يحرم بالإحرام، كان أحرى أن لا يمنع ما دون ذلك”[14].

وقال ابن عبد البر(ت463هـ): “قد صح أن النبي عليه السلام إذ بعث بهديه لم يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم، وصح أنه كان يضحي صلى الله عليه وسلم ويحض على الضحية، ولم يصح عندنا أنه صلى الله عليه وسلم في العام الذي بعث فيه بهديه لينحر عنه بمكة إلا سنة تسع مع أبي بكر ولا يوجد أنه لم يضح في ذلك العام والله أعلم.

والقياس على ما أجمعوا عليه من جواز الإجماع أن يجوز ما دونه من حلاق الشعر وقطع الظفر وبالله عز وجل التوفيق”[15].وقال أبو عبد الله الأبي المالكي: “مذهبنا أنه لا يلزم العمل بهذه الأحاديث – روايات حديث أم سلمة – لحديث عائشة… وبعث الهدي آكد من إرادة الأضحية”[16].

3- خلاصة وترجيح:

نخلص إلى أن المنع ذهب إليه الإمام أحمد ودود وابن حزم من الظاهرية؛ مستندين إلى حديث أم سلمة رضي الله عنها؛

البعض قال بكراهة التنزيه[17]، قال النووي: ” وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تنزيه”[18].

حديث أم سلة وقع بشأنه اختلاف في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث وقفه بعض الرواة على أمنا سلمة رضي الله عنها. ثم إن الاختلاف وقع في تضعيفه رغم كونه حديثا في صحيح مسلم، فقد مال إلى تضعيفه أحد كبار نقاد الحديث ألا وهو الحافظ الدارقطني. إلا أن الأرجح هو رفع الحديث وتصحيحه وهو ما عليه أكثر النقاد؛ إذ لا يتسع المقال لبسط ذلك. وقد مر معنا تنبيه الإمام الطحاوي على الفرق الكبير بين الحديثين المتعارضين، وناهيك بقول الطحاوي.

هناك من جمع بين الحديثين المتعارضين كالإمام أحمد؛ إلا أنه جمع لم يصمد أمام بعض الردود القوية كرد الإمام الحافظ ابن عبد البر القرطبي المالكي.

حكم أضحية العيد نفسها عند جمهور العلماء وعامة أهل العلم أنها سنة على الراجح؛ وقد دل استقراء أحكام الشريعة واطراد أصولها: أنه لا يمكن أن تستحب الشريعة شيئا؛ ثم هي مع استحبابها له توجب له أمرا ليس من شروط هذا المستحب ولا جزءا من أجزائه الواجبة، حيث إن هذا لو وقع لكان تناقضا لا يقبله ترتيب الأحكام الشرعية بعضها على بعض، إذ كيف يكون الأصل مستحبا وفرعه الذي ليس من شروطه ولا من واجباته واجبا؟

 بناء على ما سبق من عرض للأقوال؛ ونظر في الأدلة: الحديثين وما يحتف بهما من نقد الجهابذة؛ ونظر الأئمة، فإن الرأي الراجح الذي تطمئن إليه النفس بعد النظر في مآخذ الحكم أن: الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد الأضحية هو عدم التحريم كما قول جمهور الأئمة.

وأن الرأي القائل بالتحريم رأي من الآراء كما تم تبيينه؛ وإن روج إليه المروجون مستغلين الوسائط التواصلية الحديثة؛ بغية حمل الناس عليه في زمن قلت البضاعة من العلوم الشرعية ومال الناس إلى الأخذ من الوسائط التكنولوجية الحديثة.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. والحمد لله رب العالمين.

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.

– الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار.  لابن عبد البر النمري القرطبي (ت463هـ). تحقيق: د.عبد المعطي أمين قلعجي. دار الةعي حلب-القاهرة. الطبعة الأولى 1414هـ/1993م.

– شرح معاني الآثار ، لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي أبو جعفر. تحقيق: النجار وجاد الحق والمرعشلي.\عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1414هـ/1994.

– شرح الأبي على صحيح مسلم،

– المنهاج في شرح مسلم ابن الحجاج، للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي(ت676هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت الطبعة الثانية 1392هـ.

– صحيح مسلم(الجامع الصحيح). المكتبة العصرية- بيروت، 1414هـ/2003م. بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.

-صحيح البخاري.

– تفسير ابن كثير.

– المعجم الكبير للطبراني.

[1] – سورة آل عمران، الآية: 133.

[2] – رواه الطبراني في الكبير، والحديث حكم عليه السيوطي بالضعف، وكذلك الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته برقم: 1917. وكذلك في الضعيفة برقم 3189. والجمهور على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. وقد تضافرت نصوص القرآن والسنة على الترغيب في المسارعة إلى الخيرات واغتنام الأوقات ومواسم الخير.

[3] – سورة الفجر، الآيتان: 1-2

[4] – رواه البخاري.

[5] – سورة الحج، الآية: 28.

[6] – رواه الطبراني في المعجم الكبير.

[7] – الدارمي.

[8] – صحيح مسلم، حديث رقم: 1977.

[9] – صحيح مسلم(الجامع الصحيح) كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئا. حديث رقم 1977. المكتبة العصرية- بيروت، 1414هـ/2003م. بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. ص: 763.

[10] – داود الظاهري إمام الظاهرية

[11] – المنهاج في شرح مسلم ابن الحجاج، للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي(ت676هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت الطبعة الثانية 1392هـ. 13/130.

[12] – رواه البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه. حديث رقم: 5566. ومسلم.

[13] – المنهاج شرح مسلم بن الحجاج، 13/130.

[14] – شرح معاني الآثار ، للطحاوي.  4/182.

[15] – الاستذكار: 4/85.

[16] – شرح الأبي على صحيح مسلم، 5/307.

[17] – المكروه تنزيها هو ما نهى الشرع عنه نهيا خفيفا، ليس على وجه الإلزام بتركه. وحكمه أنه يثاب من تركه طاعة لله ورسوله، ولا يعاقب من فعله.

[18] – المنهاج شرح مسلم بن الحجاج: 13/138.

اظهر المزيد

خالد البورقادي

ذ. خالد البورقادي- خبير تربوي ـ باحث في علوم التربية والديداكتيك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: