من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم

لما نظرت إلى المجتمع الذي أعيش فيه، والمدينة التي نشأت فيها، والتي لحقها من الفساد مثلما لحق سائر المدن العربية، وجدت أن هناك الكثير من الشرائح الاجتماعية يعتبرون بالمقياس الصحيح ضحايا لهذا المجتمع المفتون، ومن بين هذه الشرائح أولئك المشردون من الشباب والشواب المدمنين، الذين يتعاطون لأنواع من المحرمات التي تذهب العقل وتدمر الجسم.

ومن هنا نجد ظاهرة أخرى من مظاهر الفساد التي لا يمكن أن يسكت عنها سوى فاقدي الضمير وفاقدي الحس الإنساني. إنها ظاهرة “شباب الشوارع“.

هذه الظاهرة التي كانت في الماضي خاصة ببعض المدمنين للكحول والحشيش، والذين فقدوا جادة الصواب أو أصيبوا بمرض عقلي ولم يجدوا لهم أهلا يعتنون بهم.

لكن اليوم أصبحت هذه الظاهرة الخطيرة تمس شريحة الأطفال – أطفال وفتيات في عمر الزهور- أطفال غير مرغوب فيهم؛ ولا تجد من جمعيات المجتمع المدني إلا النزر القليل الذي يهتم ويكترث لهاته الشريحة من أطفال اليوم، أحلام بسيطة لدى الأغلبية المطلقة منهم، لكن المرء لا يدرك كل ما تشتهيه النفس، لا يدركون الأشياء التي تدور وتحدث في مدننا وبالأحرى في دولنا من مشاكل، لكنهم يعرفون أشياء كثيرةً: البؤس والاكتئاب والفقر والقهر والتنكيل الاغتصاب والاعتداء الجسدي….

تبدأ القصة دائما من الأسرة، وتنتهي بآليات المجتمع المدني النائم في سبات عميق، إن لم نقل الموت الكلينيكي. من المشاكل الأسروية التي تنتهي بالطلاق أو زواج المهمشين وساكني الأحياء المهمشة التي تفتقر لأبسط ضروريات الحياة تكون البداية – الكريانات- وأسماؤها تغني الإنسان عن التعريف بها – كريان لاحونة- و- دوار الكرتون-….. مصطلحات تطلق على تلك الأحياء الهامشية التي لا تنجب في أغلب الأحيان غير المهمشين والمقصيين إلا من رحم ربك. كثيراً ما نقرأ في بعض جرائدنا التي لم يصبها مرض التعتيم، ونسمع في بعض الأحيان من جهازنا البالي عن تلك الشريحة في سكيتشات أو مسرحية هزلية يتخذون فيها هذه الشريحة من المجتمع كمادة للسخرية ولإضحاك الجمهور في أغلب الأحيان.

نتوقف عند المشردين البالغين والمنزوين في بعض الأحياء الهامشية أو القريبة من بعض المزابل… وسندرك أي حياة يعيشون، من وجوههم يمكن أن ندرك مدى معاناتهم، وهنالك من رسمت في وجهه خريطة بالسكاكين كأنه من مخلفات حرب التتار… [1] نشاهد يوميا هؤلاء الأطفال بأغلبية الشوارع الرئيسية بالمدن وعددهم في تزايد مهُول يوما بعد يوم… نتابع حكايات اغتصابهم التي تحكى من قبل بعض الحراس الليليين الذين يحاولون إنقاذهم في بعض الأحيان…

عيونهم تحكي لنا أحلامهم البسيطة، أملهم أن يستيقظوا يوما ويجدوا من يهتم بهم ويحتضنهم ويعوضهم الحنان الذي فقدوه وحرموا منه بلا ذنب ارتكبوه، ومن مجتمع أصبحت فيه الرحمة عملة ناذرة.

كلنا اليوم مسئولون: حركات إسلامية، ومجالس علمية، وأحزاب سياسية، وفعاليات مدنية، وعلماء، وأئمة المساجد، ومثقفون وأدباء، وصحفيون، وسياسيون، وبرلمانيون، و …….

لاحظت أن جل أفراد المجتمع ينظرون إلى المدمنين بازدراء واحتقار وإهانة، دون أن يفكروا في الاستماع إليهم، ومعرفة الأسباب الرئيسية التي زجت بهم في هذا الحمأ المسنون حتى أصبحوا مدمنين على هذه المحرمات السامة والقاتلة، ودون أن يبحثوا لهم عن الحلول الناجعة لإنقاذهم.
إضافة إلى أنني علمت أن المؤمن الحق هو الذي يعيش هموم الناس، ويحمل قسطا وافرا من هذه الهموم. ويتفقد المجتمع الذي يعيش فيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ للهِ عِباداً خَلَقَهم لِحَوَائِجِ النَّاسِ، يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيهِم ،أُولئِك الآمِنونَ يومَ القِيامة).[2].

والرسل عليهم السلام – وهم قدوتنا – لم يكونوا متقوقعين في حصونهم يحرسهم أتباعهم أو ينظرون من وراء جدر، بل كانوا يخرجون إلى الناس، ويعيشون بينهم، ويأكلون مثل طعامهم، ويمشون في أسواقهم، ويتعرفون على أحوالهم، ويحبون الخير لشعوبهم، قال تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسوَاقِ)[3].
كما علمت أن المؤمن الحق لا يتهرب من مشاكل قومه ولا يتوارى عند تلاطم همومهم، وإنما يقدّم نفسه وعقله ومتاعه ويتبنى همومهم، فيذلل ويدفع ويزيل، وكذلك كانوا- صلوات الله وسلامه عليهم-.
إن أصحاب النجدة والمروءة لا تسمح لهم نفوسهم بالتأخر أو التردد عند رؤية ذوي الحاجات، فيتطوعون بإنجاز وقضاء حوائجهم طلبًا للآخرة والثواب من الله تعالى، إنها فطرة في الأنبياء عليهم السلام، والصالحين، والإيجابيين، ومن سار على دربهم.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان أول المسلمين قيامًا على أمر الناس ومشاركًا لهم في همومهم، يخفف عنهم وطأة الاستضعاف والاضطهاد الاجتماعي، حتى قبل بعثته إذ كان ضمن شمائله الكريمة قضاء حوائج الناس، كما أثنت عليه زوجه الوفية السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها؛ حيث قالت له يوم أن جاء فزعًا من غار حراء في بداية الوحي: “كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق…” [4]. ثم كان بعد الرسالة سعيه في ذلك أشد صلى الله عليه وسلم.
كل هذا دفعني لأفكر – بكل جدية – في هذه الشريحة الضحية والضائعة، وأبحث عن الحلول الناجعة لإنقاذهم من براثين الانحلال والرذيلة.لأكون إن شاء الله من الدعاة الفعلة. (قلب مع الله، ولسان لاهج بذكره والثناء عليه والدعاء إليه، ويد تصنع في الطين، في البيئة الملوثة تصلحها، في مخلفات الفساد تميط أذاها، في المهمات الشاقة الدائبة اليومية جهاد…

دعاة فعلة متواضعون، على مستوى المهمات اليومية، بالصبر الدؤوب. وعلى مستوى المهمات المصيرية، بنفس الهمة، والفعل الخبير، والدقة والتواضع. دولتكم يا جند الله لن تكون أعظم من استعدادكم للبذل، كما أن الزحف لبنائها لن يكون إلا سرابا إن لم يدفعكم لساحة الشهادة في سبيل الله حبكم لله تبذلون فيه مهجكم، طاعة له وتطوعا. قال الله عز وجل : « فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ »[5] خير له في الآخرة وخير للأمة منذ الدنيا.). [6]

هذا هو التصور المنهاجي الواجب سلوكه تربية وتنظيما وزحفا، تربية للنفس وإصلاحا للبيئة، وتهمما للناس، ولا يغني هذا عن الآخر، ويكفي الذي يحمل همّ الناس ويبحث لهم عن الحلول؛ ويسعى لإصلاح الفاسد، أن الله عز وجل يصطفيه من عباده، روى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله عبادًا اختصَّهم بالنعم لمنافع العباد، يُقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منَعوها نزعها منهم، فحوَّلها إلى غيرهم)؛[7] فلله عبادا اصطفاهم سبحانه وتعالى ومنحهم نعما لأجل منافع الناس. ويقرهم في تلك النعم مدة دوام إعطائهم منها للمستحق، وينزَعها الله منهم لمنعهم الإعطاء للمستحِق. ويحولها إلى غيرهم ليقوموا بها كما يجب؛ [8].

وحمل الهم لحال الأمة والسعي الحثيث لإنقاذ أفرادها عمل يستحق صاحبه الفوز بوسام محبة الله له، روى ابن أبي الدنيا والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)؛ [9] والناس صنفان لا ثالث لهما، إما أن يكون مفتاح خير أو مفتاح شر، وليس للمحايد مكان، روى ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطُوبَى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه)؛ [10].

فالله عز وجل أجرى على أيديهم فتح أبواب الخير؛ كالعلم والصلاح على الناس، حتى كأنه ملَّكهم مفاتيح الخير ووضعها في أيديهم[11].

ولا يكفي التغلغل في الناس، دون فائدة إيجابية على أفراد المجتمع، بل لابد من نفعهم، بالإصلاح والتوجيه وقضاء الحوائج، روى الطبراني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يَألف ويُؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخيرُ الناس أنفعهم للناس)[12].

فالتآلف سبب الاعتصام بالله وبحبله، وبالتآلف يحصل الاجتماع بين المسلمين، وبضده يحصل التفرقة بهم؛[13]

وخير الناس أكثرهم نفعا للناس بالإحسان إليهم بماله وجاهه وعلمه؛ لأن الخلق كلهم عيالُ الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله[14].

الهوامش

[1][ وهى عبارة عن حروب في العالم القديم بين خمسة قبائل هي العمالقة والعرب والرومان والجرمان والإغريق.] [2] [ مسند الشهاب، (1007) و (1008). وهذا إسناد ضعيف جداً لضعف عبد الله بن إبراهيم، قال عنه ابن حجر في التقريب (3199): (متروك، ونسبه ابن حبان إلى الوضع). وللحديث شاهد من حديث أنس بن مالك ذكره ابن حجر في لسان الميزان، 7/558 (ح7517) في ترجمة محمد بن هارون بن شعيب.].

[3] [سورة الفرقان، الآية 7.].

[4] [صحيح البخاري، – التعبير (ح6581)، وصحيح مسلم، – الإيمان (ح160).].

[5] [سورة البقرة، من الآية 184]. 

[6] [المنهاج النبوي تربية و تنظيما وزحفا (ص: 203 – 204.)].

[8] [فيض القدير؛ لعبد الرؤوف المناوي، ج2، ص 478 بتصرف].

[9] [حديث حسن؛ صحيح الجامع للألباني، حديث رقم 176].

[10] [حديث حسن؛ (صحيح ابن ماجه للألباني، حديث رقم 194)].

[11] [حاشية السندي على سنن ابن ماجه، ص 104].

[12] [حديث حسن؛ صحيح الجامع للألباني، حديث رقم 6662].

[13] [مرقاة المفاتيح؛ لعلي الهروي، ج 8، ص 3129].

[14] [التيسير بشرح الجامع الصغير؛ لعبد الرؤوف المناوي، ج1، ص 528 بتصرف].

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: