من أخلاق الأنبياء(1) التأدب مع الله

من سمو أخلاق الأنبياء، أنهم ينسبون الفعل الجميل والحسن إلى الله تعالى، وينسبون الفعل غير الحسن إلى أنفسهم.
نتأمل قول سيدنا إبراهيم عليه السلام: “والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ”. 
يطعمني الله
يسقيني الله
يشفيني الله
وكان مناسبا أن يقول: وإذا أمرضني فهو يشفين. مناسبا من الناحية البلاغية البيانية مراعاة للإيقاع الصوتي، ومناسبا للواقع، لأن الذي أمرضه هو الله تعالى، لكن التأدب مع الله تعالى حال دون استعمال “أمرضني” ونسب المرض إلى نفسه “مرضتُ”.
ونتأمل أقوال سيدنا الخضر عليه السلام حين بيّن لموسى تصرفاته، وقال عنها : “وما فعلته عن أمري”، أي أن التصرفات الثلاث هي بأمر الله تعالى، ورغم ذلك، فإنه لم ينسبها كلها إلى الله عز وجل.
*قال: “أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا “. 
خرقُ السفينة في الظاهر عمل سلبي، وفعل “أعاب” وما تصرف منه لا يليق أن يُنسب إلى الله الحكيم العلي، لذا نسب الفعل إلى نفسه تأدبا “أعيبَها”.
*قال: ” وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا” هنا لم يقل “خشيت” أو “خشي”، بل نسب الفعل إليه وإلى الله تعالى “خشينا”، لأنه يجمع بين أمرين، أحدهما القتل، وهو ظاهريا عمل قبيح، فنسبه إلى نفسه، والحيلولة  دون إرهاق الوالدين الصالحين طغيانا وكفرا، وهو عمل حسن، نسبه إلى الله تعالى، ولما كان الاشتراك بين الحسن وغيره، قال “خشينا”.
*قال: “فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا” بالنسبة لإقامة الجدار، هو عمل حسن، لذا نسبه إلى الله تعالى: “فأراد ربك” ولم يقل “أردتُ” كما قال في السابق “فأردت أن أعيبها”
وفي قصة سيدنا يوسف نظير لهذا الخلق النبوي الرائع. قال يوسف عليه السلام بعد خروجه من السجن: “وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ”.
“أخرجني من السجن”، ولم ينسب الإخراج إلى الملك الذي أمر بذلك، ولم ينسب الإخراج إلى قدراته العلمية التي مكّنته من تأويل رؤيا الملك.
“جاء بكم من البدو” أي أن الله تعالى هو الذي أكرمكم بذلك، وليس أنا، رغم أنه هو الذي أمر إخوته بأن يُحضروا أهليهم “وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ”.
ولما قال للسجينين مُظهرا لهما قدراته التأويلية “لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما”، قرن ذلك للتو بقوله “ذلكما مما علمني ربي”، تبريا من أي حول منه أو قوة، ناسبا كل ذلك إلى الله تعالى.
وفي المقابل، نجد الأخلاق القارونية التي تنسب للذات كل شيء حسن، ولا تنسبه إلى الله تعالى.
قال الله تعالى: ” وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ “. 
في الآية : “آتيناه”، أي أن الله هو الذي آتاه ورزقه، لكنه أنكر كل ذلك ونسبه إلى نفسه، فقال: “إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي”. أي أنه تملّك الكنوز بسبب علمه وقدراته هو، ولو كان يوسف عليه السلام مثله لقال بأن خروجه من السجن ناتج عن قدراته العلمية التي مكنته من تأويل رؤيا الملك. فتأمل الفرق بين المقامين!!!!
والسؤال هو : ما موقعنا الأخلاقي؟ هل نتخلق بالأخلاق النبوية؟ أم بالأخلاق القارونية؟
أو بعبارة أخرى
ما هو حظ النبوة فينا؟
وما هو حظ القارونية فينا؟
اللهم حسّن أخلاقنا، واجعلنا على أثر الأنبياء عليهم السلام.

Haut du formulaire

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: