مناهج فهم النصوص وحدود تأويلها (2): الجهاز التأويلي لدى بول ريكور

     يعتبر مشروع بول ريكور الفكري والأدبي مدخلا مهما، وفريداً من نوعه لمعظم المدارس والنظريات التي عرفها القرن العشرون، وعنصر التفرد لديه يكمن في قدرته على دمج العديد من النظريات المتباينة في فسيفساء متناغمة بل متلاقحة، وهو المعروف بقدرته على تجربة ملكاته النقدية والفكرية كافة، وانتقاله من منهج إلى آخر عبر مسيرته الفكرية الممتدة على فترة سحابة نصف قرن من الزمان. هذه المسيرة التي بدأها مع الوجوديين المؤمنين، ثم استفاد من عقلانية ديكارت ليتجاوزها موظفا فينومينولوجيا هوسرل، وأنطولوجية هايدجر…

دفع اهتمام ريكور بتأويل العلامات والرموز إلى إنجاز نظرية تأويلية (هرمنطيقية) بالغة التعقيد، تستشير الأسطورة التي بذل معاصره ستروس جهداً كبيراً لمقاربتها من منظور بنيوي. ولم يكتف باستشارة الأسطورة مع ستروس فقط، بل وجد تشابهاً بين الأسطورة، والحلم، فالتجأ أولا إلى الفرويدية لتنمية تأويل علمي منهجي لدلالة الأحلام، والموقع الذي تشغله من مسألة الإرادة، إلا أن فرويدية ريكور منهجية وليست مذهبية، كما أنها مطعَّمة بمسحة سيميولوجية علاماتية فيها من نظرية دي سوسير اللغوية بعض الملامح، إذ صب اهتمامه على المنظور الفعال لعلم اللغة، وذلك ليكشف عن الثنائيات المتعددة، مثل العلاقة البنيوية بين العلاقة الحسية والدلالة التي تحملها، أو الثنائية القصدية بين العلاقة والموضوع الذي تشير إليه.          وبموازاة الاستعارة والحلم وقف ريكور في دراسات متعمقة أمام ملكة أخرى هي الخيال الشعري على اعتبار أنه أصعب الثلاثة فهما.. بقدرته على تشكيل الصور، ولأن الخيال الشعري لا يمكن أن ينحصر في القدرة على تشكيل الصور الذهنية لما ليس واقعاً بل إن التصوير الحسي يؤدي دوراً، بوصفه إطاراً ومادة للنشاط اللغوي الذي يواجهنا بعده الحقيقي في الحلم والأسطورة.

وإني ذاكر فيما يلي أبرز معالم نظريته التأويلية في شكل مرتكزات وقواعد:

1- فسر أكثر تفهم أحسن[1]: احتدم النقاش في القرنيين الأخيرين حول جدلية الفهم والتفسير، فمن جهة نجد معسكر الوضعيين من أمثال كونت ودوركايم وفتغنشتاين ينقلون المنهج التجريبي إلى العلوم الإنسانية باعتباره آلية أكثر صرامة علمية ودقة منهجية فتبعهم في ذلك اللسانيون أصحاب المنهج البنيوي مثل دي سوسير وفوكو يغلبون التفسير في التعامل مع النصوص الأدبية حتى لا تبقى في نظرهم مستباحة لكل طامع للتسلط عليها وتوظيفها لصالحه، ونجد المعسكر المقابل يضم التاريخيين مثل ديلتاي وبعض السوسيولوجيين مثل ماكس فيبر الذين يرفضون تشيئ الإنسان كما يفعل مع مفردات الطبيعة باعتباره ذاتا فاعلة لها خصوصيتها وهويتها المتحركة في التاريخ والمتأثرة طردا وعكسا مع غيرها من الذوات ومع العالم، وبعبارة أقل إذا كان التفسير ذا طابع علمي، فإن الفهم ذو طابع تاريخي وإنساني. بيد أن عنصر التجديد مع ريكور يظهر في إيجاد صيغة توفيقية بين الفريقين وفق سنّ القاعدة التالية: “نفهم لكي نفسر ونفسر لكي نفهم”.

يرى ريكور العلاقة بين التفسير والفهم في المعنى الوجودي(الأنطولوجي) كمجاوزة لا مناص منها إفلاتا من نسق العلامات المغلق(البنيوية) أو المتعاليات الحدسية والمجردة (الفينومينولوجيا)، ليس التفسير سوى وسيط يربط فهم العلامات بفهم الذات لكنه وسيط له أهميته إلى درجة اختزال الفهم إلى مجرد تفسير صحيح ومعالجة دقيقة للنصوص أو الرموز أو العلامات بمعنى الفهم بوصفه مسألة سطحية يعكس ريكور المعادلة ويقول :” الفهم هو جعل العملية الخطابية حاملة للإبداع الدلالي (السيمونطيقي) ليس التفسير هو السابق ولكنه ثانوي بالمقارنة مع الفهم بوصفه تنظيما أو تنسيقا بين العلامات، يغدو التفسير مجرد سيميوطيقا تتأسس على قاعدة الفهم من الدرجة الأولى التي تخص الخطاب كفعل غير قابل للانقسام وحري بالإبداع.”[2] “وهكذا يميل الفهم، الذي هو أكثر اتجاهًا نحو الوحدة القصدية للخطاب، والتفسير الذي هو أكثر اتجاهًا نحو البنية التحليلية للنص، إلى أن يصيرا قطبين متميزين في ثنائية متطورة.”[3]

2- النص والعالم رسائل رمزية(symbolique) ومتعددة المعاني ومفتوحة: يعتبر النص المكتوب والواقع المشهود موضوعين للتأويل بمعناه الواسع باعتبارهما رموزا وعلامات سيميائية، وجعل فعل القراءة فعلا شاملا لا يقصر مفهوم النص على النص اللغوي بل يمتد به ليشمل الوجود، “أنا أفهم إذن أنا موجود”، وكل تأويل يقتضي تأويلات، وكما تتعدد القراءة تتعدد التأويلات، وهذا الفهم قائم على العمليات العقلية والوجدانية والنفسية، وجوهر عملية التأويل هو السماح لنص معين بأن يدل قدر المستطاع على اعتبار أن هذا النص، عبارة عن رموز، والرمز كما يحدده ريكور، يحمل معنىً أوليا وآخرَ ثانويا. ومن خلال الأول يمكننا الكشف عن الثاني بإعمال الحدس كما سطرته الفينومينولوجيا، ومن ثم بلوغ فائض المعنى فالدلالة الرمزية إذا مشكلة بحيث لا نرى منها إلا الدلالة الثانوية عن طريق الدلالة الأولية، حيث تكون هذه الدلالة الثانوية الوسيلة الوحيدة للدنو من فائض المعنى، والدلالة الأولية هي التي تعطي الدلالة الثانوية بصفتها معنى المعنى.”[4]

وهكذا تقوم “الرمزية -عندما تؤخذ على مستوى تجليها في النصوص- بتفجير اللغة وعوض عن انكفائها على ذاتها، وهذا ما يطلق عليه الانفتاح.”[5]

3- التأويل متحرك بين حدّي العدمية (Nihilisme) والفوضوية (Anarchisme): يقول ريكور مستدركا على العنصر السابق: “إذا صحّ القول دائمًا بوجود أكثر من طريقة لتفسير النص، فلا يصحّ القول أنّ التأويلات متساوية، فالنصّ يقدّم ميدانًا محدودًا من الأبنية الممكنة، ويتيح لنا منطق التصديق أن نتحرّك بين حدّي الدوغمائية والشكّية، بل يمكن دائمًا الوقوف مع أو ضد تأويل معين، والمواجهة بين التأويلات، والفصل بينهما، والبحث عن اتفاق، حتى لو كان هذا الاتفاق بعيدًا عن متناول أيدينا”[6].

4-الاهتمام بالخطاب في كليته العضوية (الانسجام): ويعني هذا أن التأويلية تهتم بالنص باعتباره خطابا كليا وعضويا. بمعنى أنها لا تتعامل مع المقاطع أو المتواليات الصغرى كما تفعل البنيوية السردية أو السيميوطيقا الكريماصية، بل تعتبر النص عملا كليا، أو تتعامل مع العمل ككلية رمزية دالة. وبذلك، تختلف عن اللسانيات التي تنطلق من الجمل واللكسيمات، مادامت هذه الهرمينوطيقا تنطلق من النصوص الكلية أو الخطاب المتسق والمنسجم. ومن ثم، ينبغي تفسير الخطاب وفهمه في ضوء خاصية الانسجام والاتساق.

5- الجدل بين القارئ والنص: التأويل تعبير يدل على اللغة الحوارية بين القارئ وبين النصوص التي يؤولها، واللغة تصيِّر النص كائناً وجودياً حياً له أفقه الخاص، فهذه النصوص ليست كيانا جامدا، إنما هي طاقة وجودية، فنحن ندخل معها في حوار ينتهي إلى ذوبان الذات في النصوص، فهذه النصوص تتحدث إلينا، فنجد أنفسنا نتعلق بتلك النصوص ونتفاعل معها، من هنا تشكل هذه النصوص قوى وجودية تؤثر في العقول والقلوب وتكون خطيرة على الأنفس وعلى الفكر أيضا.

بمعنى أن النصوص ليست مغلقة، بل هي عوالم ممكنة ومنفتحة، تحبل بدلالات موحية ورمزية متنوعة، تتطلب قارئا متعدد القراءات والتخصصات، وبالتالي يتم استدعاء ما يسميه إيكو بالموسوعة ( Encyclopédie ) التي يستحضرها القارئ لفهم وتأويل النص، وهي الرصيد اللغوي و الثقافي الضارب في السياق الاجتماعي وهي ما يصطلح عليه إيزر بالذخيرة أو السجل ( Le répertoire ) الذي يفترضه النص ويستحضره القارئ كي يستطيع المواجهة بين التمظهر الخطي لذلك النص وبين بنياته اللسانية، وبدون كفاءة موسوعية لا يمكن التعاون مع النص، ولا يمكن للقارئ أن يكون ذلك المشارك الفعال Coopérant الذي يملأ الفراغات، و البياضات، و إنطاق المسكوت عنه، فالنص يحتاج إلى مساعدة القارئ وتدخله النشيط عبر مجموعة من الفرضيات التي يكونها القارئ عن المعنى، ومن ثم، تصبح النصوص والخطابات والألفاظ والإشارات والاستعارات والعوالم التخييلية والأساطير وسائط لنقل الواقع، والإحالة عليه.

يبدأ القارئ اتصاله بالعمل في مرحلة ما قبل الفهم précompréhension، عن طريق إدراك النص في كليته المنظمة، على اعتبار أن النص مجموعة من الخصائص اللسانية والأسلوبية والموضوعاتية …ويبدأ القارئ في اللحظة الأولى بحدس الدلالة الكلية للنص عن طريق إدراك أولي لموضوعة “تيمة” ما، أو مظهر أسلوبي ما في شكل فرضيات وإشكاليات، وبعد ذلك، تأتي مرحلة التفسيرexplication  لاستخلاص البنيات الجذرية والثوابت البنيوية والسيميائية بطريقة علمية داخلية محايثة. ويقوم بتثبيت ما هو مقرر في مرحلة ما قبل الفهم. ويعني هذا لابد من تطوير الدلالة وتعميقها بعد استخلاص الدلالة الحدسية والافتراضية. وبعد ذلك، تأتي مرحلة الفهم comréhension للتركيز على الذات والمرجع والغير. وتشكل هذه المراحل الثلاث ما يسمى بالدائرة التأويلية (Cercle herméneutique).

6- التأويل سيرورة processus: اختلفت دلالات التأويل عند ريكور وتطورت باختلاف مظانها الفكرية.
فنجده في مرحلة اهتمامه(بالرمزية) يعرف التأويل بقوله: “علم قواعد فك الشفرات الخاصة بلغة الرموز الدينية”. وقد حدد ثلاث مراحل متكاملة للتعبير عن مضمون التفكير من خلال الرمز:
– المرحلة الأولى: تتمثل في فهم الرمز انطلاقا من الرمز ذاته، شريطة أن يكون هذا الفهم نتيجة لمسيرة فينومينولوجية.

– المرحلة الثانية: هدفها فك رموز الرسالة التي يحملها الرمز.

– المرحلة الثالثة: وهي فلسفة خالصة تقوم على التفكير انطلاقا من الرمز.

هذه المراحل تضع ـ على حد قوله ـ :معالم حركة الفهم التي تنبثق من الحياة داخل الرموز نحو تفكير منطلق من الرموز.”[7] حيث إن “الرمز يدعو للفكر”، توجز جيدا فلسفتي عن الإرادة.”[8]

ونلقاه في مرحلة اهتمامه (بالبنيوية) و (الفرويدية) يركز على العلاقات الجدلية بين مختلف التأويلات، فيقول: “سنحافظ دائما على العلاقة مع المذاهب التي تهتم بممارسة التأويل بطريقة منهجية”.[9]
أما في المرحلة الأخيرة من اهتمامه بتأويل النصوص، وجدناه يؤكد على أن التأويل هو معرفة المعنى الموضوعي للنص الذي يريده المؤلف، و ما على القارئ إلا أن يلتقط شفرات النص ويُطع ما يطبعه فيه النص و ما يوحي به إليه. و بالتالي ترتبط ذاتية المؤلف بذاتية القارئ، أو بالأحرى علاقة جدلية تربط بين خطاب النص(المؤلف) بخطاب التأويل(القارئ) فيحيل كل منهما إلى الأخر، و يصير النص يحقق اكتماله داخل الذات المؤولة.”[10]

ومن هنا يتبين أن ريكور لم يهتم بتنظيم التأويل في خطوات واضحة وآليات محددة كما فعل شلايرماخر وديلثاي وغادامر وإنما تعامل معه بطريقة علمية موضوعية متحركة ومتفاعلة مع أهم تيارات الفلسفة المعاصرة.

7-الشعور بالتاريخ والوجود والهوية: إذا كانت البنيوية أو السيميائيات تعنى بالبنى الصورية والمنطقية المتعالية، فإن الهيرمونيطيقا أو السيميوطيقا التأويلية تهتم بالذات والهوية والوجود والتاريخ. ويعني هذا أن تأويل النصوص يساعد المؤول على فهم النفس والذات والغير والعالم. كما أن التفسير بعد التفسير يجدد هوية القارئ، ويغير دائما ثقافته العامة، ويساعده على استيعاب ثقافته الوطنية والقومية. فيحدد الهوية على أنها عودة الذات إلى ذاتها بعد اغترابها، ونجاحها في إعادة التوافق بعد حالة من الانقسام. “فالتماهي بين الذات وذاتها مستحيل، وفهم الذات يتوسطه تفكيك عالم الرموز والفضاء الثقافي، فتلتمس ذاتها أو تعي عالمها بهذا الاندفاع نحو عالم الأشياء والعلامات والرموز”[11]، يقول ريكور: “الاستمرار غير المنقطع في تطور كائن ما من أول مرحلة إلى آخر مرحلة في نموه. هكذا يمكن القول عن شجرة بلوط أنها الشيء نفسه منذ أن كانت بذرة حتى صارت شجرة في ريعان نضرتها.”[12]

8- جدل الذاتية والموضوعية: ترى الفينومنولوجيا أن الأعمال الأدبية يتقرب إليها بالحوار لا التشريح، لأنها أصوات إنسانية تتكلم. وهذا يعني أن الموضوعية غير المتحيزة لا تلائم فهم العمل الأدبي. ويجب أن يغامر القارئ بجوانب من عالمه الشخصي، إذا أراد الدخول في حياة عالم نسميه قصيدة غنائية أو رواية أو مسرحية. إننا لا نحتاج إلى منهج علمي يتخفى، ولا نحتاج إلى تشريح النقد، ولكننا نحتاج إلى تفهم إنساني لما يعنيه تفسير العمل، نحتاج إلى “الذات باعتبارها الأنا المنعكسة والمتأملة.”[13]

فإذا كانت البنيوية اللسانية قد أقصت المؤلف باسم النص والبنية والشفرة، فإن السيميوطيقا التأويلية لريكور قد أعادت الاعتبار للمؤلف والذات المبدعة، بعد أن سيطرت فكرة التناص كثيرا على النقد اللساني. وبذلك، تم تهميش فردية المبدع حضورا ووجودا وكينونة. ومن هنا، فالتأويلية في خدمة الإنسان لا في خدمة التحليل الموضوعي العلمي. وقد تأثر ريكور بلسانيات إميل بنيفنست، فتبنى نظريته في التلفظ، باعتبار أن اللغة بالذات تتحدد بالقرائن التلفظية كالضمائر، وأسماء الإشارة، وظروف الزمان والمكان، بمعنى أن سياق التلفظ أو التكلم دليل على وجود الذات المتكلمة، وحضورها كينونة وفلسفة وهوية.

“أراد ريكور في مدخله الخاص إلى الهرمينوطيقا أن يتجنب كلا من القصور المنهجي عند جادامر(وما يصاحبه من نقص الموضوعية)، والقصور النقدي عند هابرماس(الذي تسرع بالخلط بين المعنى والنص نفسه) لذا فقد حاول ريكور جهده أن يؤسس منهجا يتسنى للمرء بواسطته أن يكشف الغطاء عن البنى الأنطولوجية للمعنى وربما ينجح أيضا في تقديم تأويلٍ ما لذلك الوجود في العالم الذي يتفتح أمام النص.”[14]

9- فلسفة الارتياب أو هرمينوطيقا الشك herméneutique de soupçon: يقسم ريكور الهرمنيوطيقا إلى هرمنيوطيقا للمعنى وأخرى للشك، فقد ذهب ريكور إلى أن ديكارت شك في الأشياء لكنه لم يشك في الوعي، فالوعي كان هو النقطة التي انطلق منها لإرساء كل اليقينيات. أما ماركس ونيتشه وفرويد فقد شكوا في الوعي هو الآخر. وفى حين أن ديكارت انتصر على الشك فى الأشياء بيقين الوعي، فقد انتصر هؤلاء على الشك في الوعي بتفسير للمعنى.” فابتداء منهم أصبح الفهم هرمنيوطيقا، وبالتالي فالسعي نحو المعنى لم يعد الإعلان عن التمسك بوعي هذا المعنى، بل الكشف عن تعبيراته …”[15]

10– تأويل النص لا استعماله: سعى ريكور إلى تأسيس نظرية للتأويل تدعو إلى استدرار كنوز النص واستكناهٍ للمعنى المتعدد فيه وليس التسلط عليه بخلفيات إيديولوجية تقويلا، وليس هدفها أيضا “أن نجعل نصاً ما يدل على شيء آخر فحسب، ولا يدل على كل ما يستطيعه، بل أن يبرز ما أُسميه اليوم علم النص.”[16]

11- من النص إلى الفعل: وهنا تبرز فلسفة الأخلاق لدى ريكور فقد سئل: ” فيم تفيد القراءة فأجاب؟ تفيد في الفعل.”[17] وقال في موضع آخر: “وبدا لي أن الأسئلة المضاعفة التي شغلتني في الماضي، يمكن جمعها في سؤال مركزي يبرز في خطابنا من خلال الاستعمالات التي نقوم بها للفعل الصيغي “أستطيع”: فأنا أستطيع أن أتكلم، وأستطيع أن أتصرف، وأستطيع أن أروي، وأستطيع أن أعد نفسي مسؤولا عن أفعالي وأن أتركها تنسب إلي كما تنسب إلى مؤلفها الحقيقي.”[18]

خاتمة (معالم الوصل والفصل):

بعد استعراضنا لأهم معالم الجهازين الـتأويليين عند كل من الشاطبي وبول ريكور نبسط بإيجاز بعض ملامح المشاكلة والمشاكسة بينهما:

يبدو أن التأويل عند الرجلين يجتذبه أكثر من معنى، وهذا بدهي بالنظر إلى موضوع اشتغال كل منهما فالشاطبي قصر عمله على النص الشرعي بما له من خصائص، إذ إن شريعة الإسلام ربانية المصدر وهذا وحده كاف لبيان قداستها فهي من عند الله العليم الحكيم الذي يعلم طبائع النفوس وميولها وهذا يجعلها في غاية الكمال والإتقان والإحكام، والإيمان بمصدرية النص ومقاصد قائل النص كما يجنح إليه الشاطبي يعتبر نقطة مفصلية بين التفسير الإسلامي للنصوص الدينية وبين النظرية التأويلية الحديثة، كما أن المساواة بين النص القرآني وغيره من النصوص يحمل مغالطات كبيرة، فالنص القرآن لم يتأثر بأدنى مؤثرات خارجية على خلاف ما تدعيه النظريات النقدية الغربية كنظرية التناص أو النظرية المادية، وهذه المساواة المدعاة تحمل نفس الدعوى التي أنكرها القرآن في مقولة المشركين حين قال ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى على بكرة وأصيلا﴾ [الفرقان: 5].ومن هنا يتضح الفرق بين أحكام البشر ومقاصدهم وأحكام الشريعة ومقاصدها إذ لا تخلو مقاصد البشر من النقص لما يصاحب الإنسان من المؤثرات زماناً ومكاناً وفقراً وغنىً وثقافةً ومكانةً في حين تبقى الشريعة عامة وثابتة ومعصومة من الاختلاف والتحيز والهوى.

رغم أن ريكور طبق تأويليته باعتباره بروتستانتيا على النص الديني إلا أنه وسع مجالها إلى غيره من نصوص الأدب والتاريخ والفلسفة. وعليه يمكن توزيع مفهوم التأويل بين الرجلين على المعاني التالية:

1- التفسير: أي باعتباره التفتيش عن مراد صاحب النص من كلامه.

2- الكشف عن باطن النص ومستوره أي ما يسميه ريكور أوهوسرل فائض المعنى أو الفراغات البيضاء حسب إيكو، وهذا أيضا محل بحث عند الشاطبي بما ذكرناه من شروطه آنفا.

3- باعتباره آلية: فإذا كان المنطق آلة الرياضيات والنحو آلة اللسان فالقراءة التأويلية آلة النص، وبها يكون التأويل قاصدا أي بين طرفي نقيض: متعدد دون قيد دائم التفلت لا ينضبط يوظفه السفسطائيون والعدميون القاصدون التحلل من حكومة النص وبين محتكر للفهم من رجال الدين الكهنوت والباطنيون يصيرونه وفق قالَب لا يخرج من ثنائية الصدق والكذب.

4- باعتباره منهجَ حياة وبحثا متواصلا عن المعنى وعن الذات وعلاقتها بالعالم وبالذوات الأخرى.

    من نقاط الاشتراك بين الشاطبي وبول ريكور نجد:

1- إحالتهما على مقصد صاحب النص، رغم أن ريكور كان ينفيه أولا تأثرا بالبنيوية ومذهب بارث القائل بموت المؤلف لكنه رجع عن ذلك إلى اعتباره تأثرا بالتحليل النفسي والنظرية الاجتماعية.

2- الاهتمام بالخطاب في كليته ورفض تعضيته. (الانسجام والاتساق).

3- تأكيدهما معا على تأويل النص لا استعماله والتسلط عليه بالتقويل تبعا للهوى والإيديولوجيا.

4-  التأويل عندهما وسط بين حدّي العدمية والفوضوية، بين الظاهرية والباطنية.

5- كلاهما يؤمن بأن كل علم لا يعقبه عمل فهو عارية وهواء في هواء.

   ومن نقط التباين بينهما:

1- إيمان ريكور بأن مراد الكاتب لا يدرك بالمطابقة التامة نافيا التماهي التام عن كل قراءة وترجمة في حين نجد الشاطبي يشترط في الاجتهاد والفتيا الاتصاف بمعرفة مراد الشارع. (قلت: ودون ذلك خرط القتاد اللهم المحاولة.)

2- إذا كان التأويل عند الشاطبي معمارا تام البنيان فهو عند ريكور سيرورة لا تنتهي إلا بموت صاحبها بحثا عن الحقيقة والمنهج والذات.

3- إذا كان النص الشرعي لا يحمل إلا معنى واحدا يكون محل نظر المجتهد قصد الإيمان بمفاده وتطبيق مقتضاه فإن النص الأدبي بما هو أدبي كما يراه ريكور ويتبعه سعيد بنكراد قائلا: “إنّ التعدد الدلالي الذي يحكم تعيين العالم هو القاعدة، أمّا وحدانية المعنى فاستثناء عرضي، أو إحالة على أكثر المناطق ضحالة في الذات الإنسانية، أو على وجود موحش يشكو من خصاص في الدفء الإنساني.”[19]

لعل ما توصلنا إليه من نتائج يتسم بالموضوعية والبداهة بالنظر إلى اختلاف مجال النظر والاشتغال، وما كان بينهما من تقاسم فمرده إلى صدوره من العقل البشري الواحد إذ هو أعدل قسمة بين الناس كما يعبر ديكارت.

————————

[1] – بول ريكور، صراع التأويلات، ترجمة منذر عياشي، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، سنة 2005 ص 15. “Expliquer bien pour comprendre mieux”

[2] ـ ريكور، من النص إلى الفعل، منشورات لوسوي، باريس، 1998م، ص26.

[3] – ريكور، نظرية التأويل – الخطاب وفائض المعنى، ترجمة: سعيد الغانمي، الناشر المركز الثقافي العربي، ط2، 2006 ص 120.

[4] – ريكور: نظرية التأويل، ص97.

[5] – ريكور: إشكالية ثنائية المعنى، ص141.

[6] – ريكور، نظرية التأويل – الخطاب وفائض المعنى، ص128.

[7] – Paul Ricœur; La symbolique du mal; Aubier, 1960 p 235

[8] – ريكور، صراع التأويلات، ص15.

[9] – نفسه، ص42.

[10] – محمد هاشم عبد الله، ظاهريات التأويل، قراءة في دلالات المعنى عند بول ريكور، مجلة التسامح، سلطنة عمان، السنة الثالثة، شتاء 2005، ص118.

[11] – محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكات، طبعة منشورات ضفاف الأولى، لبنان، 2015م، ص69.

[12] – ريكور: الوجود والزمان والسرد، ترجمة وتقديم سعيد الغانمى، المركز الثقافى العربى، الدار البيضاء 1999، ص 253.

[13] – Ricoeur: Freud and Philosophy An Essay on Interpretation. Translated by Derise Savage (New Harm: Yale University Press, 1970) p122

[14] – عادل مصطفى، فهم الفهم، مدخل إلى الهيرمينوطيقا، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، سنة 2007م، ص473.

[15] – ريكور: من النص إلى الفعل. أبحاث التأويل. ترجمة محمد برادة وحسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية 2001، ص 33.

[16] – ريكور، البلاغة والشعرية والهرمينوطيقا، ترجمة مصطفى النحال، فكر ونقد، عدد16، السنة 2، 1999، ص112.

[17] – Entretien avec François Ewald, «Paul Ricœur: un parcours philosophique» , dans le n° 390 du Magazine littéraire, sept. 2000.

[18] – ريكور، صراع التأويلات، ص18.

[19] – سعيد بنكراد، مقال محكم بعنوان: السميائيات وتأويل النص الديني، موقع مؤمنون بلا حدود، بتاريخ 16 مارس 2016.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. لا قياس مع الفارق فالشاطبي مقاصده مختلفة عن مقاصد التأويلية والبنيوية والتفكيكية لأن المنطلقات تختلف خصوصا في تأويل النص الديني ودليل عن ذلك طعن بعض المتخصصين من الغربيين في هذه النظريات

    1. مشكور على تفاعلك صديقي خالد، إنما تحدثت في المقال بين الرجلين من حيث المنهج لا من حيث الخلفيات الإيديولوجية والعقدية، فالرجلان يشتغلان بالنص بما خطاب يحتاج لآلية منهجية صارمة لفهم وتفسير وتأويل هذا النص مهما كان أدبيا أو فلسفيا أو دينيا. وأنا أشاطرك الرأي في كون الشاطبي يقدس النص الشرعي لكن طريقة الفهم والاستنباط تحتاج لميكانيزم وأدوات وقد أبدع الشاطبي فيها، وهذا لا يمنع غير المسلمين أن يكون لهم آلية هيرمينوطيقية للفهم والتحليل والقراءة والتلقي. مودتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: