منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الرد على نفي الجابري للنسخ في القرآن الكريم

اشترك في النشرة البريدية

لقد اعتنى علماؤنا الأجلاء – رحمهم الله تعالى – بعلوم القرآن عموما اعتناء بالغا، وألفوا في ذلك كتبا جمة، ومصنفات عدة، وتقربوا إلى الله تعالى بتحصيلها وتبليغها، و قد اكتسبت أهميتها وجلالتها من أهمية و جلالة ما تعلقت به ألا و هو القرآن الكريم، فكل علم يساعد على فهم كتاب الله تعالى، على الوجه المراد له جل وعلا، فهو مما يتقرب بتعلمه والعمل به وتعليمه إلى الله تعالى .

ومن العلوم التي تساعد على فهم كتاب الله تعالى العلم  بأسباب النزول، ولذلك ذكرها العلماء في كتب علوم القرآن الكريم، ومنهم من خصها بالتأليف، كعلي بن المديني، والواحدي، والسيوطي .

وقد ذهب بعض العلماء قديما إلى أنه لا طائل من وراء هذا العلم لجريانه مجرى التاريخ، ويكاد هذا القول يكون له حظ من الصواب خصوصا ونحن نرى دعاة العلمانية والتغريب في عالمنا المعاصر يحتجون بما أثله علماء الإسلام في هذا الفن على تاريخية القرآن .

إلا أن عددا من العلماء رفضوا هذا المذهب قولا وفعلا، فأما رفضهم له بالفعل فيتجلى في التأليف في هذا الفن، وأما رفضهم له قولا فتجلى فيما ذكروه من فوائد لهذا العلم، منها :

– أن الآية من كتاب الله تعالى قد تتعلق بحكم، إلا أن معرفة الحكمة من هذا الحكم قد تتوقف على المعرفة بأسباب النزول.

المزيد من المشاركات
1 من 20

– أن العلماء اختلفوا هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب ؟ فمن قال بالثاني احتاج إلى المعرفة بأسباب النزول لتخصيص الحكم.

– أن اللفظ القرآني قد يكون عاما، ويخصصه دليل آخر، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته.

– أن بعض الآيات قد يكون في فهم معناها إشكال لا يزول إلا بمعرفة سبب النزول، ولذلك قال ابن دقيق العيد : » بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معني القرآن« [1] .

من خلال ما تقدم يتبين لنا أن أسباب النزول لها أهمية كبيرة، إذ تساعد على الفهم الصحيح لكتاب الله تعالى، وعلى استنباط الأحكام الشرعية  بعد معرفة الحكمة من الحكم الوارد في الآية، فإذا كان للمعرفة بأسباب النزول كل هذه الأهمية  فما هو السبيل لمعرفتها ؟.

لقد حدد العلماء – رحمهم الله تعالى سبيلا واحدا لمعرفة أسباب النزول، وشددوا في ذلك تشديدا كبيرا، نجده في قول الواحدي رحمه الله تعالى :  » لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها« [2]  . وكانوا يتحرجون من القول في هذا الفن بغير علم، ويعتبرونه مجانبا للسداد، فعن محمد بن سيرين رحمه الله قال : » سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال : اتق الله وقل سدادا ذهب الذين يعلمون فيما أنزل الله القرآن « .[3] والذين يعلمون فيما أنزل الله القرآن هم الصحابة الذين شهدوا الوحي، وعاينوا التنزيل، ولذلك » إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فإنه حديث مسند « .[4]

لقد تجاهل الجابري كل هذه المعطيات، وراح يخبط في الموضوع خبط عشواء، يقول كلاما هنا وينقضه هناك، فبنا مشروعه على فهم القرآن بإعادة ترتيب سوره حسب أسباب النزول، بعد أن زعم أنه لا يجافي الصواب إذا قال : » مع بعض القدماء : إنه ما من آية في القرآن إلا ومن ورائها سبب لنزولها . ومن هنا قال كثير منهم إن القرآن إنما نزل مفرقا منجما على مدى يزيد على عشرين سنة لأنه كان ينزل على مقتضى الأحوال « [5] وهذا كلام يكذبه الواقع، وتنقضه مصادر هذا العلم، – ولعل الجابري لذلك لم يوثقه من أين أخذه؟ ولم يذكر لنا ولو واحدا من هؤلاء القدماء الذين قالوا به، – لأن عدد الآيات التي ورد لها سبب نزول عند الواحدي لم تتجاوز 472 آية بنسبة  7.5 في المئة [6]  وعند السيوطي لم تتجاوز 888 من أصل 6236 آية في كتاب الله تعالى  بنسبة 14 في المئة [7] .

بل إن الجابري نفسه راح ينقض هذ الكلام الذي ” نقله ” من مصدر مجهول،  ويفند هذا الادعاء الذي ادعاه  بعد حين، عندما قرر أنه كان من القرآن » ما أنزل ابتداء كخطاب يشرح العقيدة، أو كقصص أو كنصوص تشريعية، أو أخلاقية…الخ. وهذا الصنف لا يتعلق في الغالب بأسباب أو مناسبات خاصة.. «[8] .. ثم عاد إلى القدماء الذين زعم أنه لا يجافي الصواب إذا قال بقولهم ليتهمهم بالمبالغة، و ليعترف بالحقيقة التي سبق له أن تجاهلها في غمرة النشوة بتشييد مشروع لم يسبق إليه، وهكذا أصبح »  قول بعضهم ” أنه ما من آية في القرآن إلا و لها سبب في نزولها “. إن عنصر المبالغة في هذه العبارة واضح ! ذلك لأن ما هو متداول من ” أسباب النزول ” قليل جدا بالنسبة إلى آي الذكر الحكيم.« [9].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

وبعد أن دخل الجابري في هذا المشروع بشكل أظهر فيه من التناقضات ينسي بعضها بعضا أراد أن يغطي على فشل  مشروعه هذا باتهام رواة أسباب النزول بالوضع، بقوله :  » إن كثيرا من الروايات التي تتحدث عن أسباب النزول تشي هي نفسها بما يطعن في صدقها، و أنها إنما حيكت من أجل ” تفسير ” لفظ أو عبارة[10]..و إن ما يروى كأسباب نزول هو في الغالب، اجتهادات، الهدف من روايتها ربط آية أو آيات بحوادث سبقت أو تأخرت عن نزول الآية[11]..و لقد أكدنا مرارا أن روايات أسباب النزول هي في الغالب نتيجة لبحث الرواة عن سبب مناسب للآية[12]..و لذلك ، كان من الواجب التعامل بحذر مع ” أسباب النزول”’[13]..«.

ولعل سبب هذه الخلاصات التي توصل إليها الجابري هو عدم قدرته على التعامل مع الموضوع بشكل علمي بحت لكونه بعيدا كل البعد عن مجالات اشتغاله، ولو رجع إلى كتاب السيوطي أو إلى غيره من كتب العلماء المعتبرة  لحل كثيرا من الإشكالات التي عرضت له، وجعلته حائرا مترددا متناقضا، لأن العلماء يفرقون – في قول أحدهم نزلت هذه السورة في كذا – بين من نقل أسباب النزول التي هي نقل محض، وبين استنباط الأحكام الذي هو اجتهاد،  فليس كل من قال نزلت هذه الآية في كذا يقصد أسباب النزول، بل قد يقول أحدهم نزلت هذه الآية في كذا، ويقول الآخر نزلت في كذا ويذكر أمرا آخر، ويكون المراد بذلك التفسير» فلا منافاة بين قولهما إذا كان اللفظ يتناولهما..و إن عبر واحد بقوله نزلت في كذا، وصرح الآخر بذكر سبب خلافه فهو المعتمد، و ذلك استنباط « [14]  .

أما هذا الحذر الذي دعا إليه الجابري في التعامل مع أسباب النزول، فإنه يزول باعتماد المنهج العلمي الذي حدده العلماء فيما يعرف بالتعارض والترجيح، كترجيح رواية الراوي الذي حضر القصة على رواية غيره، أو أن تكون الآية قد نزلت عقب الأسباب المتعددة المذكورة..الخ.

إن الجابري الذي بنا مشروعه على فهم القرآن حسب ترتيب النزول، كثيرا ما يرد أسباب النزول المنقولة بقوله : » وهذا لا يستقيم ، لا باعتبار رتبة هذه السورة في لوائح ترتيب النزول ، و لا باعتبار مضمونها « [15] . وهكذا أصبحت لوائح ترتيب النزول معيارا لا يخطئ، وكذلك مضمون السورة، وكونها مكية، ترد بذلك كل الروايات التي تتحدث عن سبب النزول، مهما كان مصدرها وموثوقيتها، وتصبح في نظر الجابري» مجرد تخمينات ، لأنها لا تجد ما يشرحها أو يسندها من القرآن[16] «  .

ولأن الروايات المنقولة مجرد تخمينات قال بها علماء كبار، فلا بأس – عند الجابري – بردها بتخمينات أخرى، والتخمين أيضا عند عدم وجود روايات منقولة، وهكذا يبيح الجابري لنفسه ما ينتقده على غيره، ويبدأ بالتخمين والافتراض بشكل عبثي، ففي محاولة الجابري إيجاد سبب ما لنزول سور الحواميم يفترض الجابري أنه »  لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم ، في هذه المرحلة محاصرا في شعب أبي أطالب ، فلنا أن نفترض أن تكرار سور ) الحواميم ( للرد على اعتراضات قريش هو من أجل تسليته و تثبيت فؤاده . وهذا واضح من تكرار دعوته إلى الصبر وعدم اليأس وانتظار الفرج[17] «  . وهل القرآن كله إلا دعوة للصبر وعدم اليأس و انتظار الفرج، بالسعي المحمود والعمل الصالح، ولكن هل يسوغ هذا القول بأن القرآن نزل كله في فترة الحصار.

نفس منهج الجابري الذي يتجلى في التخمين والافتراض، يقول الجابري في سبب نزول  سورة الشعراء : » يمكن القول إن النبي كان حين نزول السورة في حالة نفسية قلقة بسبب إعراض قريش عن الاستجابة و إصرار خصوم الدعوة الكبار ، على محاربتها بكل الوسائل«[18]  .

منهج التخمين والافتراض هذا الذي اعتمده الجابري سوف يؤدي به إلى تناقضات لا تليق به– باعتباره مفكرا كبيرا – والغريب أنه يقع في تناقضات كبيرة وهو يزعم أنه يحاول حل الإشكالات التي وقع فيها المفسرون القدماء، ففي بحثه لحل الإشكالات التي وقع فيها المفسرون في سورة التين، يرى الجابري » أن هذه الإشكالات لا تطرح إلا إذا فهم لفظ  “الإنسان ” في السورة على أنه نوع الإنسان. أما إذا خصصناه بشخص بعينه كما هو الحال في سورة الشمس و سورة عبس ، فإن اللبس يزول…  « [19] . هكذا يخصص الجابري دون مخصص، فقط لأن الظروف التي نزلت فيها هذه السور ظروف واحدة، والمخاطب فيها واحد » والغالب ما يقع التلميح في كل سورة إلى شخص معين من هؤلاء..دون ذكر اسمه« [20]. وبالتالي فلم يبق للجابري إلا أن يوجه تفكيره لأحد رجالات قريش، ممن يمكن أن ينطبق عليهم مضمون هذه  السورة » وفي هذا الإطار يخطر بالبال الوليد بن المغيرة أحد كبار زعماء قريش الذي نزلت فيه آيات عديدة “من دون ذكر اسمه”  و الذي ورد اسمه في قائمة من سجد بعد قراءة الرسول لسورة النجم، و قد قيل عنه إنه لم يستطع السجود لأنه كان شيخا كبيرا ” فرفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه ” فهذا الرجل تنطبق عليه الآيات التي نحن بصددها : ” لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ”[21] بمعنى أرذل العمر  « [22].

ثم ذهب الجابري يحل مشكلة الاستثناء الوارد في السورة بقوله : » ولكي لا يلتبس الأمر على الناس فيحملون لفظ ” الإنسان ” على النوع الإنساني ، مؤمنين وكافرين و لفظ “رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِين “ على جهنم ، جاء الاستثناء ليبين أن ” الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ “[23] قبل شيخوختهم و أثناءها ” فَلَهُمُ أَجْرٌ” وهذا الأجر ” غَيْرُ مَمْنُونٍ ” أي غير مقطوع بسبب الدخول في حالة ” أرذل العمر”  التي يفقد الإنسان فيها تماسكه العقلي ويصبح غير مكلف، لأن تمام الصحة العقلية شرط في التكليف. وبما أن الوليد بن المغيرة أو من هو في مثل حاله ، لا يدخل في ” الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ “ فهو لا يدخل في الاستثناء ، وبالتالي لا إشكال في صرف معنى ” أَسْفَلَ سَافِلِين “ إلى جهنم[24] «  .

وهكذا  يزعم الجابري أنه حل الإشكال بصرف الآية من الحديث عن النوع الإنساني العام، وتخصيصها بشخص معين، فوقع في أسوأ مما فر منه، ولأن العودة إلى أرذل العمر ليس خاصا بالوليد بن المغيرة أو بالكفار عموما راح يحمل الاستثناء على إسقاط التكليف عن المؤمن الذي بلغ أرذل العمر، وبعد أن قال بأن لفظ ” أَسْفَلَ سَافِلِين “ لا ينبغي أن يحمل على جهنم عاد وقال  بأنه لا إشكال في صرف معنى ” أَسْفَلَ سَافِلِين “ إلى جهنم.

وكل هذه التخبطات والتناقضات الواردة في هذا النص تهون، إذا علمنا أن الجابري سبق له أن أنكر مسألة سجود قريش مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في سورة النجم، وذهب إلى » أن قضية سجود قريش فيها نظر ! ذلك أن موضع السجدة يقع في خاتمة السورة ، أي بعد أن تعرضت إلى آلهتهم بالطعن والهجوم وبعد أن أنكرت شفاعتها وبعد أن أسهبت في النقد والتقريع لبعض رجال قريش ، و كل ذلك لا يتفق مع القول إن  قريشا سجدة مع النبي صلى الله عليه وسلم « [25]  .

لقد سبق أن  رأينا قول الواحدي، إنه لا يحل لأحد القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها، وهذا قول واحد عند العلماء، وإذا قال أحدهم نزلت في كذا دون نقل فهو استنباط، إلا أن الجابري وربما لعدم علمه بما قرره العلماء في الموضوع طفق يتهم العلماء رحمهم الله  بالتخمين في أسباب النزول، وياليته وقف عند حد الاتهام، بل تعداه إلى ممارسة نوع من التخمين والافتراض لم يسبق له، بالقول في كتاب الله بغير علم، والسير في فهم القرآن على غير هدى، فراح يخبط خبط عشواء، ويناقض نفسه بنفسه، فما قاله هنا ينقضه هناك، فهل فعل الجابري كل هذا لأنه كان يرى أن القرآن مثل أي  كتاب ثقافي أو فلسفي يحق لكل من هب ودب أن يقول فيه برأيه، دون الرجوع لأهل الاختصاص، لأن» الحق أن ما يميز الإسلام ، رسولا و كتابا، من غيره من الديانات هو خلوه من ثقل ” الإسرار ” ..التي تجعل المعرفة ب”الدين” تقع خارج تناول العقل. إن المعرفة الدينية في هذه الحالة من اختصاص فئة قليلة من الناس ، هم وحدهم ” العارفون ” المتصلون بالحقيقة الدينية ، وهم وحدهم رؤساء الدين ومرجعياته ورعاته ، والبقية رعية ومقلدون « [26] . وهكذا حول الجابري ميزة الإسلام بعدم وجود رجال كهنوت فيه إلى فوضى عارمة، متجاهلا كون العقلانية التي يدعيها تفرض على العاقل أن يتكلم في حدود علمه، وأن يتصرف ضمن اختصاصاته، لأن أفعال العقلاء تصان عن العبث عموما، فكيف بالعبث في موضوعات علمية دقيقة متصلة بكتاب رب العالمين !!! .

المبحث الأول: حقيقة النسخ

اهتم العلماء – رحمهم الله تعالى – عموما، والذين ألفوا في علوم القرآن بشكل خاص بعلم النسخ، لأن العلم به عظيم الشأن، يعصم صاحبه من الزلل والتخبط في فهم كتاب الله تعالى، والقول على الله بغير علم، ولذلك  قال الأئمة : إنه لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله تعالى إلا بعد أن يعرف الناسخ  منه والمنسوخ، وقد جاء في الأثر أن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال لقاص: » أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: الله أعلم قال: هلكت وأهلكت« [1].

وقد عرف العلماء النسخ، وحصروا معانيه في أربعة معان[2]، فهو يأتي بمعنى الإزالة والإبطال، ومنه قوله تعالى : » فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[3]«: أي أن الله – جل وعلا – يبطل ويزيل ما يلقي الشيطان، ومنه قولهم نسخت الشمس الظل : أي أزالته. ويأتي بمعنى التبديل، كقوله تعالى : »  وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ[4]«. ويأتي بمعنى التحويل، كتناسخ المواريث، بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد. ويأتي بمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه: ” نسخت الكتاب ” إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه، وهذا المعنى الأخير منهم من أنكر تعلقه بالقرآن، ومنهم من قال به محتجا بأن الله نسخ القرآن من اللوح المحفوظ.

والنسخ مما خص الله به هذه الأمة تيسيرا عليها، وإكراما لها، لأنها خاتمة الأمم، وقد أجمع[5]المسلمون على جوازه عقلا، خلافا لليهود الذين أنكروه ظنا منهم أنه بداء، كالذي يرى الرأي ثم يتغير علمه، فيبدو له غيره أولى فيرجع عنه، وهذا باطل في حق الله تعالى، ومخالف لحقيقة النسخ .

ثم إن العلماء اختلفوا في وقوعه سمعا، فذهب جمهور العلماء إلى وقوعه، واستدلوا بآيات من كتاب الله جل وعلا، كقوله تعالى  : »  مَا نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِير [6] «. وشذ في ذلك جماعة من المعتزلة، فأنكروا وجود النسخ في القرآن الكريم، وذهبوا إلى أن الآيات التي تتحدث عن النسخ في القرآن الكريم، إنما يقصد بها نسخ الشريعة المحمدية لما سبقها من الشرائع.

و إلى هذا المذهب المنكر لوجود النسخ في القرآن الكريم ذهب الجابري، عندما زعم أنه »ليس في القرآن ناسخ و لا منسوخ . كل ما هنالك هو وجود أنواع من التدرج في الأحكام : من العام إلى الخاص…هذا فضلا عن ملائمة الأحكام مع مقتضيات الأحوال ، كأن يأتي حكم يراعي حالة المسلمين من الضعف أو غيره ، ثم عندما تتحسن أحوالهم يأتي تعديل في الحكم نفسه ليتلاءم مع المستجدات . و هذا لايعني إزالة الحكم الأول ولا إبطاله بالمرة ، و إنما يعني إعماله بصورة معدلة   « [7] . و نحن نسأل، عندما تجمع الأمة على عدم جواز العمل بنص قرآني، كالآية التي فيها قوله تعالى : » وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىا يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ فَئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا« [8] ماذا يسمى هذا ؟ إذا لم يسم إزالة وإبطالا، أما القول بأنه إعمال للنص  بصورة معدلة، فهذا باطل، لأن بين أيدينا نصين يستحيل إعمالهما معا، بل لا بد من إعمال أحدهما واعتباره ناسخا للنص المتقدم، مما ينتج عنه إهماله، وقد رأينا سابقا كيف أن الجابري ذهب إلى  أن القرآن الكريم نفسه ينص على إمكانية تعرضه  للنسيان، والتبديل، والحذف، والنسخ، واحتج لذلك بمجموعة من الآيات هي قوله تعالى:»سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ  [9]« . وقوله تعالى : » وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرِم بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ «[10]. وقوله تعالى:» وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّىآ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[11]« . وقوله تعالى : »  مَا نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِير [12] «. وقوله تعالى : » وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ اَنْ يَّاتِيَ بِئَايَةٍ اِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ(38) يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُـثَـبِّتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ «[13].

وقد أعلن الجابري منذ احتجاجه بهذه الآيات أن له»رأيا خاصا في معنى ” الآية ” في بعض هذه الآيات [14]«  . وهذا الرأي يتعلق تحديدا برفض القول بالنسخ، الذي قال به هناك، في تناقض غريب عجيب !!!.

لقد قال الجابري بالنسخ عندما كان يهدف إلى تقرير عدم سلامة القرآن من التحريف، ثم بدأ ينقض قوله رويدا رويدا، كلما مر بآية قال بعض العلماء بأنها منسوخة دفع أقوال العلماء دفعا، ثم توج ذلك بأن عقد للموضوع استطرادا خاصا، عنونه بمسألة النسخ في القرآن، ذكر فيه أن موضوع النسخ حظي » باهتمام زائد لدى المؤلفين في علوم الفقه والأصول ، وفي ” علوم القرآن ” وتفسيره[15] « . وهذا الاهتمام الزائد – كما يقول الجابري – ليس لكون المعرفة بموضوع النسخ ضرورية لكل باحث أو متكلم في العلوم الدينية فقط، بل لأنه » يشكل مجالا خصبا لتنوع الآراء والاجتهادات ، فهو فضاء للاختلاف والخلاف بامتياز! .« [16]

وبعد تعريف الجابري  للنسخ، ذكر إنكار اليهود للنسخ، لأن الشريعة عندهم واحدة ابتدأت بموسى عليه السلام وانتهت به[17]، ثم ذهب إلى أن هناك ما يبرر الطعن في كثير مما كتب وقيل في موضوع النسخ، و » يأتي على رأس ذلك المبالغة في استعمال هذه المقولة إلى حد التكلف  « [18] .  ولو اكتفى الجابري بالطعن كما قال  في كثير مما كتب وقيل  في موضوع النسخ، لربما كان لكلامه حظ من النظر، ولكنه  انتهى إلى عدم  وجود ناسخ أو منسوخ في القرآن أصلا، لأنه لا يوجد في القرآن دليل على وجود النسخ فيه ! ولأن » هناك خلط بين مقولة النسخ هذه و بين مقولات أخرى مثل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمبهم  المعين . «[19]

وهنا نرى أن الجابري أصبح أصوليا محنكا، يتهم العلماء بالجهل بأصول الفقه، ومن ثم صاروا يخلطون بين مقولة النسخ، وبين مقولات أخرى مثل العام والخاص، والمطلق والمقيد، و المجمل و المبين ، و المبهم و المعين.

ورغم المبالغة في توظيف القول بالنسخ إلا أن الإشكال – عند الجابري – ليس محصورا فيها » بل إنه إشكال يطال جواز أو عدم جواز القول به « [20] . و قد عرض الجابري هنا للقائلين بالنسخ وأدلتهم، والمنكرين له وأدلتهم .

وتحت عنوان فرعي أطلق عليه الجابري ” تصنيفات وتفريعات…هي تخريفات ” تهكم الجابري بشكل مستفز على تقسيمات العلماء القائلين بوجود النسخ في القرآن الكريم، متهما إياهم بالذهاب » مذهبا قصيا في العمل به ، فوضعوا تصنيفات هي عبارة عن قوالب منطقية فارغة ، ثم راحوا يبحثون لها عما يملؤها ، الشيء الذي جعلهم يمعنون في التجزيء، و ينزلقون مع افتراضات لا فائدة من ورائها غير اصطناع أوضاع ونوازل أثقلت وتثقل كاهل الفقه الإسلامي .« [21] وهذا كلام مجانب للصواب مليء بالتجاوز على قامات علمية كبيرة جدا، من شخص يتكلم في أمر لا معرفة له به، متناقضا عندما راح ينتقد إثقال كاهل الفقه الإسلامي باصطناع أوضاع ونوازل لا فائدة من ورائها،  وهو يعلم أنه لو أطيع لهُدم الإسلام من الأساس، ولأصبح الفقه الإسلامي أثرا بعد عين، وهكذا راح يحلل ويفكك ويعلق على القوالب المنطقية الفارغة التي ابتدعها العلماء – حسب زعمه – بكلام ليس له سند من عقل، ولا شاهد من شرع .

المبحث الثاني: ضروب النسخ في القرآن الكريم 

ذهب العلماء القائلون بوجود النسخ في القرآن الكريم – رحمهم الله تعالى – إلى وجود ثلاثة أنواع من النسخ، وذكروا لكل نوع من هذه الأنواع أدلته وحججه، مما يعني أنه واقع محقق مشاهد، وليس قوالب منطقية فارغة، – كما يزعم الجابري – وقد ذكر الجابري هذه التقسيمات العلمية، ثم راح يرد عليها بردود أوقعته في تناقض مبين عندما أنكر أمورا سبق له أن ادعاها عندما كان يحاول التشكيك في القرآن، والطعن في سلامته من التحريف والتبديل والتغيير.

– ففي القسم الأول يذكر العلماء ما نسخت تلاوته وحكمه معا، وهذا بالنسبة للجابري »ليس له من نتيجة إلا إثبات ” الفراغ ” في المصحف نصا و مضمونا . و عبثا حاول بعضهم تجنب هذه النتيجة ! لقد انتهوا إلى القول إن هذا القسم الذي فيه المنسوخ غير متلو و الناسخ أيضا غير متلو ليس له نظير في القرآن « [1].

و لا أدري عن أي فراغ يتحدث الجابري والله تعالى يقول : »  ما نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[2]« . ورغم أنه يتحدث هنا عن الذين قالوا بوجود النسخ في القرآن الكريم إلا أنه خرج بنتائج متناقضة، إذ كيف لعالم أن يقول بالنسخ وبعدمه في آن واحد، ثم إن العلماء يستدلون على هذا النوع من النسخ بما ورد في الآثار، إذ لا يعقل أن يتضمن القرآن شيئا نسخ حكمه وتلاوته، فهذا مستحيل، لا يقول به عاقل، ولكن الجابري لا يقبل بغيره – أقصد وجود شيء في القرآن  نسخ حكمه وتلاوته- لأنه يرفض الاحتجاج بالسنة، بزعم أنه يغلب عليها الوضع، ولذلك فهو لا يؤمن إلا بما ورد في القرآن، ولأن القرآن لم يرد فيه شيء نسخ  حكمه و تلاوته فالنتيجة أن هذا القول هو مجرد اصطناع أوضاع ونوازل أثقلت وتثقل كاهل الفقه الإسلامي .

لقد أجمع [3]القائلون بالنسخ – وهم جمهور الأمة –[4]على وجود هذا النوع من النسخ في القرآن الكريم، واستدلوا على ذلك بما روته عائشة – رضي الله عنها – أنه » كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن « [5]. ورغم أن قول عائشة رضي الله عنها يحسم مسألة وجود ما نسخ حكمه وتلاوته من القرآن، إلا أنه  طرح إشكالا آخر، تجلى في قولها  فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم و هن مما يقرأ من القرآن، وقد أجاب العلماء على ذلك بأجوبة منها : أن » المراد قارب الوفاة، أو أن التلاوة نسخت أيضا و لم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فتوفي و بعض الناس يقرؤها  « [6].

والغريب العجيب !!! هنا، أن الجابري – نفسه – قد سبق له القول بهذا النوع من النسخ، وأورد مجموعة من الأخبار الكاذبة و الروايات الواهية على سقوط آيات، بل سور من القرآن الكريم، وقد علق الجابري على الرواية التي تقول بسقوط جزء من سورة التوبة، بقوله: » و كل ما يمكن قوله – على سبيل التخمين لا غير – هو أن يكون الجزء الساقط من سورة براءة هو القسم الأول منها ، و ربما كان يتعلق بذكر المعاهدات التي كانت قد أبرمت مع المشركين . ذلك أن سور القرآن ، و بخاصة الطوال منها ، تحتوي عادة على مقدمات تختلف طولا و قصرا ، مع استطرادات قبل الانتقال إلى الموضوع أو الموضوعات التي تشكل قوام السورة  « [7] .

وهكذا حكم الجابري بسقوط آيات من كتاب الله تعالى، ثم راح كعادته يخمن في هذا القدر الساقط، وبالموضوعات التي تطرق إليها، ويستدل على ذلك بأن سور القرآن ، و بخاصة الطوال منها ، تحتوي عادة على مقدمات تختلف طولا و قصرا ، مع استطرادات قبل الانتقال إلى الموضوع، أو الموضوعات التي تشكل قوام السورة، وهذا ما لم يرد في سورة التوبة، لأن السورة دخلت في الموضوع مباشرة، فكان ذلك – بالنسبة للجابري – دليلا على سقوط جزء منها .

لقد قال الجابري هذا الكلام عندما كان يروم التشكيك في سلامة القرآن من التحريف، ثم عاد لينكره عندما رام معارضة جمهور علماء الأمة القائلين بوجود النسخ في القرآن، وهذا تناقض لم يعد غريبا على من اطلع على تراث الجابري.

– أما القسم الثاني من النسخ الذي يذكره العلماء فهو ما نسخ حكمه دون تلاوته، وفيه كتب مؤلفة » وهو على الحقيقة قليل جدا و إن أكثر الناس من تعديد الآيات فيه « [8] . بينما ذهب الزرقاني إلى وجوده في ثلاث وستين[9] سورة من القرآن الكريم، واحتج العلماء على وجود هذا النوع من النسخ بآيات من كتاب الله تعالى منها :

قوله تعالى :  » وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا اِلىَ الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” «[10] فقد كانت المرأة إذا مات زوجها لزمت التربص حولا كاملا بعد انقضاء العدة، ونفقتها في مال الزوج، ولا ميراث لها، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله :  » وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ[11]. « قال القاضي أبو المعالي : »وليس في القرآن ناسخ تقدم على منسوخ إلا في موضعين هذا أحدهما « [12]. والثاني ما ورد في سورة الأحزاب في قوله تعالى :  » يَآ أَيـُّهَا النَّبِيءُ اِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ  [13] « فإنها ناسخة لقوله تعالى :  » لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنم بَعْدُ وَلآَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنَ اَزْوَاجٍ وَلَوَ اَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا «[14] .

ورغم كل هذه الأدلة والشواهد من كتاب الله تعالى فقد ذهب الجابري إلى أن القول بهذا النوع من النسخ يحمل تناقضا لا حل له »إذ كيف يمكن أن يكون هناك قرآن للتلاوة فقط ، و هو يحمل معنى مفهوما واضحا ؟ « [15] . ثم يبين الجابري ما يمكن أن يكون للتلاوة فقط في القرآن، وهو ما لا يمكن فهم معناه، والموجود حصرا في  »الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور مثل “ن” ،” ق “،” ص” ، “يس” ، “طه” ،” طس” ،” طسم “،” كهيعص” ،” الم” ، “المص” ،” الر” ، “المر” .[16] «  أما ما سوى ذلك فلا يقال فيه منسوخ الحكم دون التلاوة بل » هو محكم لأنه يحمل معنى ، سواء على مستوى الحقيقة أو على مستوى المجاز « .[17]

وهنا يقع الجابري في الخلط الذي اتهم به غيره حيث يخلط بين المنسوخ والمحكم، كما أنه ليس كل ما يحمل معنى – من القرآن – محكم، ثم إن المحكم و المتشابه يكون على مستوى العقيدة، والناسخ والمنسوخ  يكون على مستوى الشريعة.

ويحتج الجابري على عدم وجود هذا النوع من النسخ في القرآن الكريم بحجتين اثنتين، فهو يرى » أنه لو كان الأمر كذلك لحذف الرسول حين مراجعته للقرآن جميع الآيات التي يعتبرونها منسوخة . نعم يقولون النسخ هنا للحكم و ليس للتلاوة ، و إذن فنحن نقرأ قرآنا فيه آيات كثيرة منسوخة ، من أحكامه ، فما الفرق بينه و بين التوراة التي نسخ الله كثيرا من أحكامها ؟ «[18]. و هنا مجموعة من المغالطات ينبغي التنبيه عليها منها :

أ – أن التوراة منسوخة كلها، وليس كثيرا من أحكامها كما يزعم الجابري، أما عندما يتحدث العلماء في الأصول عن شرع من قبلنا على أنه أصل من الأصول المعتمدة في التشريع الإسلامي فالمقصود به ما ورد منه في القرآن الكريم أو السنة النبوية، أما أن يحتج مسلم بما ورد في التوراة على أنه حكم شرعي فهذا باطل، لما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما » أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة وقال أفي شك أنت يا ابن الخطاب ألم آت بها بيضاء نقية، لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي[19]  «.

ب – أن  رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتصرف في القرآن بزيادة أو نقصان من تلقاء نفسه، لأن مهمته تنحصر في تبليغ ما أوحي إليه، والذي أوحي إليه و أمر بتبليغه وإثباته في المصحف الشريف منه الناسخ، ومنه المنسوخ، وفي ذلك من الحكم ما فيه، أقلها أنه يعطي دلالة واضحة على الحفظ الإلهي للقرآن الكريم، وعلى الدقة التامة  التي بلغ بها الرسول – صلى الله عليه وسلم – والصحابة من بعده القرآن الكريم، دون تدخل من أحد بزيادة أو نقصان، وهذا ما أكده عمر – رضي الله عنه – عندما ذكر الناس في خطبته بآية الرجم وحذرهم من نسيان حكمها، وبين لهم السبب الذي يمنعه من إدراجها في كتاب الله بقوله : » وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لَكَتَبْتُهَا [20] «.

وعن ابن الزبير – رضي الله عنهما – قَالَ : » قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا إِلَى قَوْلِهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ [21] «. وهذا النص دليل على أن النسخ كان معروفا ومقبولا عند الصحابة الذين قاموا بجمع القرآن، فلم يعد لمن بعدهم حجة في إنكاره.

ج – أن القرآن الكريم يختلف عن التوراة بأنه متعبد بتلاوته، مأجور عليها، والعمل بالحكم الوارد في النص عبادة من بين عبادات متعددة، وبالتالي فنسخ حكم النص لا يعني نسخ كل الفوائد التي يمكن استنباطها من النص، كمعرفة رحمة الله في التيسير على عباده، والتدرج بخلقه من مقام إلى مقام…

وبعد كل هذا الجهد المضني في إنكار هذا النوع من النسخ يخلص الجابري إلى نتيجة عجيبة إذا لم تكن قولا بالنسخ فلا أدري ماذا تكون حيث يتابع كلامه السابق قائلا :  » أما مسألة هل يعمل به مطلقا أم أن العمل به قد قيده القرآن في وقت لا حق أو أجله أو أوقفه لاعتبار من الاعتبارات فهذا شيء آخر. و هو محل اجتهاد . « [22] فإذا كان  وقف العمل  بنص قرآني، وبشكل نهائي، كالآية المتعلقة بتربص المرأة المتوفى عنها زوجها حولا كاملا ليس نسخا، فماذا عساه يكون ؟ كأن الجابري بهذا الكلام يقول للناس أطلقوا على هذا النوع من الأسماء ما شئتم، إلا اسم النسخ، وهو هنا أشبه بأولئك الذين قبلوا بإعطاء الجزية شريطة تسميتها باسم آخر، فالعقدة في الاسم وليس في المسمى، فالجابري يقول بعبارة صريحة  »نحن لا ننكر وجود آيات تنطق بأحكام عممتها آيات نزلت بعدها ، أو خصصتها، أو قيدتها ، أو فصلتها ، أو عدلتها ، أو أجلتها ، أو رفعت عنها التأجيل ، الخ ! نحن لا ننكر هذا ! و هل يصح ذلك و القرآن نزل منجما وفق مقتضى الأحوال ، أي حسب تغير الظروف و المصالح وشؤون الحياة العامة ؟ و إذن فما ندعو إليه هو فقط الاستغناء عن مقولة “الناسخ و المنسوخ ” ، التي تجعل الناسخ يحل محل المنسوخ ويبطل حكمه ، و كأن المنسوخ كان خطأ أو أن إرادة الله قد  تغيرت ![23] « . وهنا يظهر جليا تأثر الجابري بالفلسفة اليهودية التي ترفض القول بالنسخ اعتقادا منهم أنه نوع من البداء الذي ينبغي أن ينزه الله عنه، ومع ذلك فكلام الجابري صريح في اعترافه بوجود النسخ في القرآن الكريم، و صريح في أن عقدته مع المصطلح، أي في الشكل، وليس في المضمون، فكيف جاز للجابري بعد كل هذا  أن يصف تقسيمات العلماء بأنها مجرد تخريفات ؟ فمن المخرف؟ الذي يتكلم بعلم يقوم على الدليل والحجة والبرهان من كتاب الله تعالى ؟ أم من يقول كلاما متناقضا، ويقبل أو يرد المسائل العلمية بميزان الهوى.

– أما القسم الثالث من أقسام النسخ فهو ما نسخت تلاوته دون حكمه، فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول،[24] ويستدلون على هذا النوع من النسخ بأدلة كثيرة منها :

ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما » أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فخطب الجمعة ، وكان مما قال رضي الله عنه فقال : (إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَرَأْنَاهَا ، وَعَقَلْنَاهَا ، وَوَعَيْنَاهَا ، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ، أَوْ الِاعْتِرَافُ) . زاد أبو داود  : (وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لَكَتَبْتُهَا [25] «.

و لرفع التلاوة دون الحكم حكم كثيرة، منها الابتلاء الذي يميز الله به الخبيث من الطيب، و »ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طرق الوحي«[26]   . و هذا المعنى يتأكد في هذا الزمن الذي ظهر فيه من يرفض القرآن بقلبه ويخاف من التصريح بذلك فيدعي التمسك بما ورد في القرآن وحده، مع فهم منحرف، ويرفض ما عدا ذلك من سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وهذا هو الذي حذر منه عمر – رضي الله عنه – في خطبته .

و الجابري يؤكد بكلامه أنه من هؤلاء الذين حذر منهم عمر – رضي الله عنه – فقد ذهب إلى أن »الذين قالوا بالرجم من الفقهاء بناء على هذه الحادثة )يقصد حادثة رجم النبي لليهودي واليهودية( مع عدم وجود نص من القرآن بنوا ذلك على أن السنة نسخت ما في سورة النور…و هذا على رأي من يقول إن السنة تنسخ القرآن و هذا غير مسلم  « [27] و الجابري يورد هنا مجموعة من المغالطات تحتاج إلى ردود، منها :

أ – قول الجابري أن الذين قالوا بالرجم من الفقهاء يعني بمفهوم المخالفة أن هناك من لم يقل بالرجم، وهذا – إن صح – فهو مجانب للصواب بعيد كل البعد عن الحقيقة، لأن مسألة رجم الزاني المحصن محل إجماع بين المسلمين، فقد » خطب عمر بذلك على رؤوس المنابر ، و عمل به الخلفاء الراشدون و لم ينكره أحد فكان إجماعا « [28]  .

ب – أما زعمه بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد حكم على اليهوديين بالرجم دون وجود نص من القرآن فكلام لا يستقيم، وادعاء مجانب للصواب، لأن النص على ذلك –  أقصد رجم المحصن –  جاء في كتاب الله تعالى، حتى إذا اشتهر الحكم بين الناس نسخت التلاوة وبقي الحكم.

وهل يستطيع أحد أن يثبت أن هذا النسخ وقع قبل هذه الحادثة ؟ أو بعدها ؟ .

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطرح على اليهود ما في القرآن الكريم لأنهم لا يؤمنون به، ولكن دعاهم إلى إقامة التوراة – وقد ورد فيها حكم الرجم للزاني المحصن – التي يزعمون الإيمان بها، فعن البراء بن عازب – رضي الله عنه – قال :  » مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم ، فقال : ” أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ” ، قالوا : نعم ، فدعا رجلا من علمائهم ، فقال : ” نشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ ” ، قال : لا ولولا أنك نشدتني لم أخبرك ، حد الزاني في كتابنا الرجم ، وإنما كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا حتى نجتمع على شيء نجعله على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ” ، فأمر به فرجم فأنزل الله : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله : إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإلى قوله : فأولئك هم الكافرون ، قال : نزلت في اليهود ، وإلى قوله : فأولئك هم الظالمون في اليهود ، وإلى قوله : فأولئك هم الفاسقون هي في الكفار « [29] .

كما أن الرجم لم يكن خاصا بهذه الحادثة بل ورد في السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طبق حد الرجم على الغامدية وماعز عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، قال : جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، طهرني ، فقال : ” ويحك ، ارجع فاستغفر الله وتب إليه ” ، قال : فرجع غير بعيد ، ثم جاء ، فقال : يا رسول الله ، طهرني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ويحك ، ارجع فاستغفر الله وتب إليه ” ، قال : فرجع غير بعيد ، ثم جاء ، فقال : يا رسول الله ، طهرني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة ، قال له رسول الله : ” فيم أطهرك ؟ ” فقال : من الزنى ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أبه جنون ؟ ” فأخبر أنه ليس بمجنون ، فقال : ” أشرب خمرا ؟ ” فقام رجل فاستنكهه ، فلم يجد منه ريح خمر ، قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أزنيت ؟ ” فقال : نعم ، فأمر به فرجم ، فكان الناس فيه فرقتين ، قائل يقول : لقد هلك ، لقد أحاطت به خطيئته ، وقائل يقول : ما توبة أفضل من توبة ماعز ، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ، ثم قال : اقتلني بالحجارة ، قال : فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس ، فسلم ثم جلس ، فقال : ” استغفروا لماعز بن مالك ” ، قال : فقالوا : غفر الله لماعز بن مالك ، قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم ” ، قال : ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد ، فقالت : يا رسول الله ، طهرني ، فقال : ” ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه ” فقالت : أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك ، قال : ” وما ذاك ؟ ” قالت : إنها حبلى من الزنى ، فقال : ” آنت ؟ ” قالت : نعم ، فقال لها : ” حتى تضعي ما في بطنك “، قال : فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت ، قال : فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” قد وضعت الغامدية ” ، فقال : ” إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه ” ، فقام رجل من الأنصار ، فقال : إلي رضاعه يا نبي الله ، قال : فرجمها[30]

ج – أما زعم الجابري أن الفقهاء بنوا القول برجم الزاني المحصن على أن السنة نسخت ما في سورة النور، فكلام ماف للحقيقة، لا حظ لصاحبه من علم الشريعة، لأن ما ورد في سورة النور لم يقل أحد بأنه منسوخ، لا بسنة ولا بقرآن آخر، لأن بينهما فرق، وهذا الفرق يتجلى في أن ما ورد في سورة النور يتعلق بالزاني غير المحصن، والحديث النبوي هنا يتعلق بالزاني المحصن، والخلط بين الموضوعين لا يفعله إلا من ادارك في علم الشريعة اطلاعه.

أما العلماء فإنهم يقولون بالرجم للزاني المحصن بناء على نصوص عديدة وردت في السنة الشريفة، كأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – برجم ماعز، ورجمه – عليه السلام- للمرأة الغامدية، وغيرهما، أما قصة اليهوديين فقد عقد لها الشوكاني رحمه الله تعالى بابا مستقلا تحت عنوان باب رجم المحصن من أهل الكتاب .

والذي حمل الجابري على هذا هو رفضه لهذا النوع من النسخ – أقصد نسخ التلاوة مع بقاء الحكم – لأن الاستشهاد » بأقوال بعض الصحابة التي تشير إلى خلو المصحف من آيات قالوا إنها كانت من القرآن…لا يجوز اعتباره من القرآن . ذلك لأننا عندما نتحدث عن “القرآن” ، فنحن نتحدث عن القرآن كما هو في المصحف منذ أن جمع زمن عثمان. أما غير ذاك مما يتصل بمناسبات نزوله و مراحل جمعه ، فهي أمور تنتمي إلى التاريخ، إلى مجال التعريف بالقرآن ، و ليس إلى فهم نص القرآن[31]

وهل رأى الجابري أن الناس يتحدثون هنا عن ” الجغرافية !!!”، نعم الحديث هنا عن التاريخ، ولكن ليس أي تاريخ، كلا، إنه تاريخ القرآن الصالح لكل زمان ومكان لهدي العباد و إقامة مصالحهم في العاجل و الآجل.

وفي كلام الجابري هنا إشارة يجمل بنا الوقوف عندها، وهي تفريقه بين أمور تنتمي إلى التاريخ ، إلى مجال التعريف بالقرآن ، و بين أمور أخرى تنتمي إلى فهم نص القرآن، ولعله لذلك يقول أمورا هناك وينقضها هنا، لأنه حسب زعمه يتناول الحديث في مجالين معرفيين مختلفين، ولذلك فما يبدو لنا كلاما متناقضا هو بالنسبة له كلام منسجم ولكن في مجاله الخاص به، فما يرد في التعريف بالقرآن لا علاقة له بما يرد في فهم نص القرآن، فالقول بالنسخ هناك جائز، والقول به هنا ” تخريف “، ولعل هذا اصطلاح خاص به لا علاقة له بما أثله أهل هذا العلم سابقا !!!.

المبحث الثالث: دعوى الجابري بأنه لا دليل في القرآن على وقوع النسخ فيه

لقد ” أجاد ” الجابري و” أفاد “، وأتى بما لم يأت به من قبله من العباد، وأراد أن يحسم الخلاف – حول وقوع النسخ في القرآن الكريم – من الأساس، فزعم » أن حل مشكلة “النسخ” لا يكون ما لم ينطلق من القرآن نفسه . فإذا نحن استطعنا إثبات أن لا دليل في القرآن على وقوع النسخ في نصوصه ، صار بإمكاننا حل المشكل من أساسه « [1] . كيف؟

وهل قال القائلون بالنسخ ما قالوا إلا من خلال ما ورد في كتاب الله تعالى ؟ وهل من السهل إبطال كل تلك الحجج والشواهد الواردة في كتاب الله تعالى ؟.

نعم!  رغم أن الجابري يدرك  » أن هذا لن يكون سهلا على الذين لا زاد لهم إلا الأفكار المتلقاة ، و مع ذلك ، فأملنا ألا يسارعوا إلى ارتكاب الأخطاء .[2]«

وهل الدين إلا تلق وإتباع ؟  نعم هكذا الأمر عند غير الجابري، أما الجابري ومن هو على شاكلته فلا مجال للتلقي، بل لا بد من إعمال ” العقل “، بل و “العقل ” وحده، وحينها سيصبح كل شيء سهلا ميسورا، شريطة ألا يسارع أصحاب الأفكار ” المتلقاة ” إلى ارتكاب الأخطاء، وأكبر خطأ  يمكن أن يرتكبه أصحاب الأفكار المتلقاة  هو الرد على عقلانية الجابري المزعومة بأدلة شرعية مسنونة، وهذا ما سنفعله – بإذن الله تعالى – بعد أن نقوم ببسط وجهة نظر الجابري بشكل مفصل .

ذهب الجابري إلى أن » نقطة البداية في إثبات وجود أو عدم وجود النسخ في القرآن هي تحديد معنى “الآية” ، ذلك أن القائلين بالنسخ ، كالمنكرين له ، يصفون بعض الآيات بأنها ناسخة أو منسوخة ، أو ينزعون عنها هذه الصفة . فلنتعرف أو لا على معنى الآية؟« [3].

وهكذا راح الجابري يعرض بعض تعريفات العلماء لمعنى الآية لغة واصطلاحا، ليخلص إلى نتيجة غريبة عجيبة مفادها أنه  » من شبه المستحيل تعريف “الآية من القرآن” ، ذلك لأن هناك آيات تتألف من كلمة واحدة ، و أخرى من بضع كلمات و لكن دون أن ترقى إلى الجملة المفيدة باصطلاح النحويين ، و في المقابل هناك آيات تتألف من عدة جمل نحوية و تستغرق نصف صفحة أو أكثر « [4] .

والنتيجة الطبيعية لهذا الكلام هو رفض – الجابري – لكل التعاريف الاصطلاحية للآية في القرآن الكريم مع الاحتفاظ بالمعنى اللغوي للآية، وبالتالي »إذا نحن رجعنا إلى القرآن الكريم، فإننا سنجد أن ” لفظ آية” ، في جميع الصيغ التي ورد فيها ) آية ، آيات ، آياتي، آياتنا ( ينصرف معناه إلى العلامة ) أو المعجزة التي تثبت وجود الله وقدرته ، الخ(…وتتكرر عبارة “تلك آيات الكتاب” و ما في معناها ، للإشارة إلى ” ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة و البعث و غيرها “…و هذا المعنى هو المقصود ب”الآية” في جميع السياقات في القرآن ، بما في ذلك تلك التي ورد فيها لفظ آية مقرونا بألفاظ تفيد التلاوة ” نتلو ، تتلو”…فالمقصود بالتلاوة هنا ليس النطق بألفاظ القرآن بل الإخبار بصنع الله ومقدوراته…الخ ، كما هو واضح ، جلي من سياق تلك الآيات « [5]. وعلى هذا الفهم المتعسف والمبني على أساس الهوى وانعدام الرؤية في التعامل مع كتاب الله تعالى راح الجابري يحمل لفظ  كل آية وردت في كتاب الله تعالى مهما كان هذا الفهم بعيدا وفي بعض الأحيان متناقضا.

وهنا أريد أن أقف وقفة موجزة مع تأويلات الجابري لبعض الآيات لتوافق مراده، أولها أنه عمد إلى أبرز وأوضح آية في موضوع النسخ وهي قوله تعالى :  » مَا نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «[6]   ليربطها بما قبلها وما بعدها فتتحول بقدرة قادر من آية تتحدث عن التشريع و النسخ الذي قد يقع فيه، إلى آية لا علاقة لها بالتشريع، بل موضوعها عقائدي، ويصبح الحديث هنا هو نسخ معجزة لنبي سابق بمعجزة لنبي لاحق، وهكذا يزعم الجابري  » أن المقصود بالآية هنا ، ليس الوحدة الخطابية من القرآن المسماة بهذا الاسم ، بل المقصود : العلامات و الحجج الدالة على وحدانية الله و الكتب المنزلة على رسله المثبتة لذلك ، بما فيها معجزات الأنبياء ، و هكذا فبعد إخباره تعلى المسلمين بأن اليهود يحسدونهم ، و يستعملون في الوقت نفسه كلمات لشتم الرسول ، والمسلمون في غفلة عن معانيها…يؤكد : ما من علامات ومعجزات ودلائل نبوة يمحوها ويمسحها أو يجعل الناس ينسونها ، إلا ويأتي بمثلها أو أحسن منها« [7]. و يضرب الجابري لهذا الكلام مثالا توضيحيا بقوله :  » و هكذا خص الله موسى عليه السلام ، مثلا، بالعصا ، الخ ، و لكنه تركها و خص عيسى عليه السلام بأحسن منها مثل إحياء الموتى ، ثم خص محمدا صلى الله عليه و سلم بالقرآن الذي فيه خبر كل ذلك و أكثر « [8] .

وهنا نسجل على الجابري أنه يعتبر القرآن آية بمعناها اللغوي : أي علامة و معجزة ودليل نبوة، كعصى موسى وإحياء عيسى للموتى مما يطرح سؤالا لم يجب عليه الجابري وهو كالتالي :

ما هو القدر المعجز من القرآن ؟ وهل يعتبر القرآن وحدة كلية لا يقع الإعجاز إلا بها أم أن كل جزئية ترد في القرآن فهي آية بمعناها اللغوي ؟.

سنجيب على هذه الأسئلة بعد، – إن شاء الله تعالى – وسنرى أن الجابري وقع بكلامه هذا في الذي فر منه. أما الآن فلنتابع مع الجابري حديثه المستميت في دفع معنى الآية اللغوي حتى لا ينطبق على معناها الاصطلاحي. سلاحان اثنان يستخدمهما الجابري هنا لبلوغ مراده هذا، هما السياق و وحدة الخطاب، » وهكذا يتضح من خلال اعتبار السياق ووحدة الخطاب أن تلك الآية التي يسميها المفسرون و الفقهاء ” آية النسخ ” و يتعاملون معها مقطوعة عما قبلها و ما بعدها ، هي في الحقيقة تقع في مركز السياق الخاص سياق الجدل مع اليهود…كما في مركز السياق العام ، الإيمان بقدرة الله و ما يظهره من علامات ومعجزات هي آيات أي دلائل[9] «  .

وهكذا يسعى الجابري دون كلل أو ملل إلى إعطاء فهوم و ليس فهما واحدا لمعنى الآية في القرآن الكريم، ففي سورة الحجر عند قوله تعالى :  » الر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ« [10]  تعني آيات الكتاب هنا – حسب زعم الجابري –  » ما ذكرته التوراة و هذا قرآن مبين« [11] . و في سورة لقمان يتغير المعنى دون دليل أو حجة ف  » تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ « [12] هنا تصبح تلك آيات الكتاب أي » ما سيأتي ذكره [13]« .

ورغم أن العلماء – رحمهم الله تعالى – قد اختلفوا في هذا، فقال الحسن : تلك آيات الكتاب الحكيم تعني التوراة والزبور، وقال قتادة : تعني الكتب التي كانت قبل القرآن، وقد علق ابن كثير – رحمه الله – على هذين الرأيين بقوله :  » و هذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه[14]«   .

ولكن الفرق بين تأويل العلماء – ومزاعم الجابري – هو أن كل واحد منهم قال قولا واحدا في جميع هذه الآيات، ولذلك يبينون معناها في بداية سورة يونس ثم لا يتعرضون لها بعد ذلك،[15] بينما الجابري فعل عكس ذلك، حيث أخذ قولين مختلفين فقال بالأول في سورة الحجر وبالثاني في سورة لقمان دون دليل، وقد رأينا إنكار ابن كثير رحمه الله صرف اسم الإشارة للكتب السابقة دون مسوغ لأن »اسم الإشارة يجوز أن يكون مراداً به جميع آي القرآن التي نزلت قبل هذه السورة باعتبار حضور تلك الآيات في أذهان الناس من المؤمنين وغيرهم ، فكأنها منظورة مشاهدة ، فصحت الإشارة إليها إذ هي متلوة محفوظة فمن شاء أن يسمعها ويتدبرها أمكنه ذلك ولأن الخوض في شأنها هو حديث الناس في نواديهم وأسمارهم وشغلهم وجدالهم ، فكانت بحيث تتبادر إلى الأذهان عند ورود الإشارة إليها « [16] .

وقد فعل الجابري كل ذلك للفرار من القول بأن القطعة من القرآن تعتبر آية بالمعنى الاصطلاحي، وعندما تكون الآية واضحة في أن المقصود منها غير الذي ذهب إليه الجابري كما في قوله تعالى : » بَلْ هُوَ ءَايَاتُم بَـيِّـنَاتٌ فِي صُدُورِ الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَآ إِلاَّ الظَّالِمُونَ [17]«  – لأن العلامة و المعجزة  كالعصى لموسى و إحياء الموتى لعيسى لا ينطبق عليها هذا المعنى – في هذه الحالة يذهب الجابري بعيدا ويصبح المقصود الذين أوتوا العلم » من اليهود والنصارى[18] «  .

وبعد أن أجهد الجابري نفسه في إثبات أن القرآن لا يسمي أي لفظ ولا أية مجموعة ألفاظ من ألفاظه ، باسم آية، طرح سؤالا محيرا هو :  » من أين جاءت هذه التسمية؟« [19] . وبعد بحث مضني يجيب الجابري على سؤاله بلا جواب، مع سرد مجموعة من المغالطات تبدأ بقوله : » لم نعثر في مصادرنا على جواب قطعي عن هذا السؤال . و كل ما تفيده الروايات هو أن الأمر يتعلق باصطلاح و ضع للإشارة إلى “القطعة” التي كان يقف عندها الرسول عليه السلام في أثناء تلاوة القرآن . فقد ورد في الحديث عن أم سلمة ، قالت : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقرأ : الحمد لله رب العالمين ، ثم يقف ، الرحمن الرحيم ، ثم يقف…” )الترمذي. لم يرد هذا الحديث في غيره من الكتب التسعة ، و قد ذكر في مراجع أخرى هكذا، ” كان النبي  يقطع قراءته آية آية” ، وواضح أن عبارة “آية آية” إضافة من الراوي (. وكل ما يدل عليه هذا أن معنى “آية ” من القرآن هو اللفظ أو الألفاظ التي تقع بين وقفة ووقفة في تلاوة النبي عليه السلام للقرآن ، سواء كانت جملة مفيدة أو أقل من جملة أو أكثر، وبالتالي فلا معنى للقول عنها إنها ناسخة أو منسوخة « [20] .

وقبل التعليق على هذا النص نورد هنا أسئلة أخرى طرحها الجابري و زعم أنه لم يجد لها جوابا عند أصحابها، فأجاب عنها هو عن طريق الرجم بالغيب، يقول الجابري :  »أما متى اصطلح على هذا ، ) يقصد متى صارت القطعة من القرآن آية( أما متى تم ترقيم الآيات بهذا المعنى في المصحف ، فذلك ما لم نعثر فيه على خبر ! و الظاهر أن ذلك حدث بعد النبي عليه السلام . يؤيد ذلك ما ذكرته أم سلمة من حيث إنه كان – في الماضي – طريقة قراءة النبي ، أضف إلى ذلك اختلاف أهل المدينة والبصرة و الكوفة ، الخ في عدد آيات بعض السور ، كما في عدد آيات القرآن ككل[21]« .

وبعد إيراد كلام الجابري هذا رغم طوله نعود – بحول الله – للتعليق عليه، فنقول وبالله التوفيق :

أ – لقد زعم الجابري أن حديث أم سلمة – رضي الله عنها – لم يرد في كتب الحديث التسعة، سوى عند الترمذي[22] – رحمه الله تعالى – وهذا خطأ واضح، فيف ما فيه من مجانبة الصواب ومجافات للحقائق، لأن الحديث رواه أحمد – رحمه الله – في مسنده[23]، – وأبو داود – رحمه الله – في سننه[24]، وهما من الكتب التسعة، وقد ورد الحديث نفسه عند الحاكم – رحمه الله – في المستدرك[25]، وفي سنن الدارقطني[26]، والسنن الكبرى للبيهقي[27]، ومشكل الآثار للطحاوي[28]، والأوسط لابن المنذر[29]، وفضائل القرآن للقاسم بن سلام[30]، والمصاحف لابن أبي داود[31]، وقيام الليل لمحمد بن نصر المروزي[32]، والشمائل المحمدية  للترمذي[33]، وشعب الإيمان للبيهقي[34]، والإنصاف لابن عبد البر[35] هذا فيما وقفت عليه.

ب – أما لفظ آية آية الواردة في الحديث والتي زعم الجابري أنها من إضافة الراوي، بقوله : وواضح أن عبارة “آية آية” إضافة من الراوي، دون أن يبين لنا سبب هذا الوضوح ودليل هذا الزعم، سوى التخمين والرجم بالغيب، للوصول لنتائج محددة سلفا، رغم أن الرواية التي فيها لفظ آية آية رواها أحمد في مسنده، والبيهقي في السنن الكبرى، والدارقطني في سننه، وابن عبد البر في الإنصاف، وقد أورد الحاكم في المستدرك الروايتين معا، الأولى كما هي عند الترمذي، والثانية هذا نصها: »عن أم سلمة رضي الله عنها ، ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته آية آية : الحمد لله رب العالمين ثم يقف الرحمن الرحيم ثم يقف ” قال ابن أبي مليكة : ” وكانت أم سلمة تقرؤها ( ملك يوم الدين ) «   ثم قال الحاكم : » هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ” وله شاهد بإسناد صحيح على شرطهما ، عن أبي هريرة«[36] . و لعل تعليق الحاكم- رحمه الله تعالى – هذا، الوارد هنا والغائب في الرواية الأخرى يشير إلى أن طريق هذه الرواية أقوى عنده من طريق الرواية الأخرى. وهكذا راح الجابري يرد على كل الأدلة التي يمكن أن يحتج بها محتج على أن القطعة من القرآن تعتبر آية، ليسد بذلك كل المنافذ ويدحض كل الحجج التي يمكن أن يستدل بها على وجود دليل في القرآن على وقوع النسخ فيه .

ومن الأمور التي تعرض لها الجابري في هذا المقام مسألة السبع المثاني في قوله تعالى: »وَلَقَدَ ـ اتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ[37] «  . فرد على الذين قالوا بأن السبع المثاني هي الفاتحة لأنها سبع آيات، وحجة الجابري هي أنه  » ليس هناك ما يدل على أن ” المثاني ” هي ” الآيات ” ، بالتحديد…و إذا عرفنا أن علماء الإسلام قد اختلفوا حول عدد آيات الفاتحة ، هل هي سبع أم ست أم ثمان أم تسع ، صار القول بأن ” السبع المثاني ” هي الفاتحة ، لكونها ” سبع آيات ” ، قولا لا يصمد أمام الفحص النقدي . هذا فضلا عن صعوبة فهم السبب الذي من أجله تم التمييز بينها و بين ” القرآن العظيم ” في الآية السابقة ، خصوصا و الرأي السائد أن الفاتحة هي من القرآن و ليست مجرد ” دعاء ” كما قال بعضهم « [38] . و هنا يورد الجابري – كعادته – مجموعة من المغالطات نعلق عليها سريعا – بحول الله تعالى – فنقول :

أ – لقد زعم الجابري أن العلماء وصفوا أم القرآن بالسبع المثاني لمجرد أنها سبع آيات، ومن ثم رأى الجابري أن الرد عليهم يسير، إذ يكفي ذكر الخلاف الوارد بين العلماء في عدد آيات الفاتحة لإبطال هذا القول، ودفعه بقوة لا تقاوم،  وسبب هذا التبسيط عدم الاطلاع على السنة النبوية، لأن الذي أطلق على الفاتحة لفظ السبع المثاني ليس واحدا من العلماء، بل الذي فعل ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم – في حديث صحيح –  فعن أبي سعيد بن المعلى ، قال: » كنت أصلي في المسجد ، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ، فقلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي ، فقال : ” ألم يقل الله : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم . ثم قال لي : ” لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن ، قبل أن تخرج من المسجد ” . ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج ، قلت له : ” ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ” ، قال : الحمد لله رب العالمين ” ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته[39]«. و لست أدري لمَ يعرض الجابري عن السنة الصحيحة ؟ رغم أنه في أماكن أخرى يحتج بالأكاذيب الواضحة، والروايات الواهية، فهل هذا راجع إلى أن الجابري يرسم أهدافا محددة ثم يبحث لها عن أدلة وبراهين ولو خالف بذلك المنهج العلمي الذي ينبغي لصاحبه أن يضع نصب عينيه طلب الحق و البحث عن الحقيقة مهما كانت و مع من وجدت ؟ أم هو القصور والتقصير في الاطلاع والمعرفة بما يتناوله من مواضيع متعلقة بعلوم الشريعة؟.

ب – احتج الجابري على عدم صحة تسميت الفاتحة بالسبع المثاني بأن هناك  صعوبة في  فهم السبب الذي من أجله تم التمييز بينها و بين ” القرآن العظيم ” في الآية السابقة، خصوصا و الرأي السائد أن الفاتحة هي من القرآن و ليست مجرد ” دعاء ” كما قال بعضهم لأن قوله تعلى  : »  وَلَقَدَ ـ اتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ[40] «  يقتضي – حسب زعم الجابري – أن تكون السبع المثاني شيئا آخر غير القرآن، أما كل ما ورد في القرآن فهو قرآن و كفى، رغم أنه سبق للجابري أن عد سبع سور من القرآن الكريم على أنها هي السبع المثاني، بحجة أنها تتشابه في المضمون و المنهج، لأن المثاني عند الجابري تتعلق » بسبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى [41] وهذه السور تثنى بنية و مضمونا وافتتاحا [42]« هذه السور هي : الشعراء، النمل، القصص، يونس، هود، يوسف، الحجر، ولكن ألا تعتبر هذه السور أيضا من القرآن الكريم ؟. وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فما هو السبب الذي من أجله ميز الجابري  بين هذه السور و بين القرآن العظيم، مع العلم أن حجة التشابه في المنهج والمضمون غير مقنعة، لأن الله تعالى قال » اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبـَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ إِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ ذَالِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[43] « . فالقرآن كله متشابه في مضمونه ومنهجه، لسبب بسيط جدا هو أنه كلام الله.

وكأن الجابري فطن لهذا الاعتراض، فطفق يبحث عن سبب آخر، ذكره في قوله:  »لكن يبقى بيان الفرق بينها وبين القرآن العظيم و هي جزء منه ! في رأينا أن ما نزل قبل هذه السور السبع هو القرآن العظيم كما كان حجمه يوم نزلت . ثم نزلت سور أخر بعد هذه المثاني  ، و هي لا تتصف بالخصائص البنيوية لهذه السبع ، فيشملها حتما تعبير ” القرآن العظيم ” … أما إذا نحن أخذنا بالرأي المشهور و هو أن ” السبع المثاني ” هي الفاتحة ، فإنه لا يكفي أن يقال إنها سميت بهذا الاسم لأنها “سبع آيات تثنى في كل ركعة ” ، فهذا لا يفسر التمييز بينها و بين”  القرآن العظيم ” ، أعني عطف ”  القرآن العظيم ” عليها إلا إذا اعتبرناها – أعني الفاتحة – تقع خارج القرآن « [44] . و هكذا عبثا يحاول الجابري الخروج من تناقضاته التي يقع فيها، فهو لا يخرج من تناقض إلا ليقع في تناقض أعظم منه.

ثم ينسى الجابري أنه أكد في كتابه التعريف بالقرآن على وجود النسخ في القرآن، بل زعم هناك تعرض القرآن للتحريف والتبديل والتغيير، واستدل على ذلك بمجموعة من الآيات، نسي كل ذلك وعاد في كتابه فهم القرآن ليكتب عنوانا عريضا ينكر فيه كل ذلك، قائلا »نص القرآن ليس موضوعا لا للتبديل و لا للنسخ و لا للمحو « [45] تحت هذا العنوان تعرض الجابري لكل الآيات التي سبق له أن احتج بها على وجود النسخ في القرآن ليصرف معنى الآية عن القطعة من القرآن إلى العلامة و المعجزة، ويصبح المعنى نسخ نبوة بنبوة أخرى، ف  »المقصود ب” الآية” موضوع النسخ هنا ، هي ، حسب السياق ، النبوة في اليهود..أما قوله” أو ننسها ” فهو – في نظرنا – إشارة إلى النبوات التي ظهرت لدى” أهل القرى ” ، كعاد و ثمود ، و التي صارت منسية لطول العهد بها« [46] و يحتج الجابري لهذا الفهم بما نسبه للقرطبي – رحمه الله تعالى – من أن المعنى في قوله تعالى : » وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرِم بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ[47] «  بدلنا شريعة متقدمة بشريعة مستأنفة،[48] و إذا كان القرطبي – حسب زعم الجابري – قد صرف معنى الآية هنا إلى الشريعة » فلا شيء يمنع من صرفها إلى معنى” العلامة  ” و ” المعجزة ” ، و هو المعنى الغالب الذي وردت فيه اللفظة في القرآن « [49].

إلا أن الذي قال إن معنى التبديل في الآية السابقة هو: بدلنا شريعة متقدمة بشريعة مستأنفة، عالم جليل يعي ما يقول لأن النسخ يكون بشريعة مستأنفة لشريعة متقدمة، وقد يكون النسخ في الشريعة الواحدة بنسخ أحكام متقدمة بأحكام مستأنفة، وهذا أمر طبيعي يتلاءم مع تطور الحياة البشرية، أما الجابري الذي أراد أن يقيس على هذا الكلام دون مراعاة الفرق،- والقاعدة ألا قياس مع وجود الفارق – فقد وقع في خطيئة لا تغتفر، لأن العقائد لا تنسخ ولا تتغير ولاتتبدل، فالأنبياء جميعا جاءوا بدين واحد هو دين الإسلام،  فعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أنا أولى الناس بعيسى، الأنبياء أبناء علات ، وليس بيني وبين عيسى نبي[50]“. والمراد بأبناء علات هم الإخوة لأب، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، والمعجزات لا تنسخ أيضا فعصى موسى لم تنسخ و لم تنس، والقرآن شاهد على ذلك، لأن القول بنسخ معجزات الأنبياء السابقين يلزم منه القول بنسخ نبوتهم، بل إن الجابري صرح بذلك تصريحا واضحا، وزعم أن آية النسخ في سورة البقرة تعني نسخ النبوة في بني إسرائيل، وهذا  كلام فيه تجاوز حتى لحقيقة النسخ التي هي الإزالة والإبطال، فهل أبطلت نبوة محمد – عليه السلام- نبوة موسى أو نبوة عيسى أو نبوة أي نبي من الأنبياء السابقين، هذا ما لم يقل به أحد سوى الجابري !!!.

بل إن نبوة كل واحد منهم – عليهم جميعا أفضل الصلاة و أزكى التحية و التسليم – قائمة إلى يوم القيامة، من كفر بواحد منهم فكأنما كفر بهم جميعا، ولذلك امتدح الله نبيه محمدا – عليه السلام – والمؤمنين به، وبمن جاء من قبله من المرسلين بقوله :  » ـ اَمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبـِّهِ وَالْمُومِنُونَ كُلٌّ ـ اَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[51]   «  .  و بعد هذا الجهد الكبير، والعناء الطويل، الذي بذله الجابري فضيع به وقته وأوقات قراءه  دون أدنى إدراك لحجم الأخطاء العلمية والمنهجية التي وقع فيها يصل إلى مجموعة من الخلاصات يوردها على أنها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش، وهكذا يتضح للجابري  » من جميع ما تقدم..أن لا دليل في القرآن على وجود النسخ فيه بالمعنى الفقهي ، و أن حجج القائلين به ، المستندة إلى الآيات الخمس التي حللناها أعلاه لا تدل على ما يريدون إثباته بواسطتها إلا إذا سلخناها من سياقها و ضمناها ما نريد و هذا غير جائز…وواضح أنه يترتب على قولنا أن لا دليل في القرآن على النسخ بالمعنى الفقهي ، أن ليس في القرآن الذي في المصحف آيات – أحكام أو أخبار – منسوخة ، بمعنى ألغتها آيات أو أحكام أخرى ! كلا ، ليس في القرآن ناسخ و لا منسوخ «  . إذا الجابري يرفض النسخ بالمعنى الفقهي الذي أجمع المسلمون على جوازه عقلا، و قال جمهور العلماء بوقوعه سمعا، و يقول بالنسخ العقائدي الذي أجمع المسلمون على عدم جوازه سمعا ولا عقلا، مما يطرح مجموعة من الأسئلة المعلقة وهي :

هل كان الجابري يدرك خطورة هذا القول الذي قال به و النتيجة التي زعم أنه توصل إليها عبر البحث العلمي المضني ؟

هل كان الجابري يعي ما يقول ؟

هل كان الجابري أصلا يعرف الفروق الكبيرة  بين ما هو فقهي وما هو عقائدي ؟

هذه أسئلة لا نجد لها جوابا محددا إلا أن نقول إن الجابري دخل في مجال لا علاقة له به، حسبه هينا و هو عند الله عظيم، فارتكب بذلك  مجموعة من الأخطاء و الخطايا سُر بها عندما اعتبرها اجتهادات اجتهدها و جديدا لا يضاهى أتى به، فأساء بذلك إلى نفسه وتاريخه عندما تطاول على علم لا حظ له منه، وما كان ينبغي له.

المبحث الرابع:حقيقة آي القرآن وسوره

ذكرنا في المبحث السابق سؤالين للجابري صاغهما على الشكل التالي : ” أما متى صارت القطعة من القرآن آية ؟ أما متى تم ترقيم الآيات بهذا المعنى في المصحف ؟ ”

و قد أجاب عنهما الجابري بقوله :” فذلك ما لم نعثر فيه على خبر ” ولأن المصادر الإسلامية لم يرد فيها خبر عن هذه المسألة كما زعم الجابري فقد ذهب – كعادته – إلى التخمين والافتراض، وهكذا فالظاهر – حسب زعم الجابري – أن ذلك حدث بعد النبي عليه السلام . وقد استدل الجابري على ذلك بما ذكرته أم سلمة عن طريقة قراءة النبي عليه السلام – في الماضي –، ودليله على ما ذهب إليه هو اختلاف أهل المدينة و البصرة و الكوفة، الخ في عدد آيات بعض السور ، كما في عدد آيات القرآن ككل[1].

لقد أثبتنا في المبحث السابق  بطلان ما ذهب إليه الجابري من أن النسخ الوارد في القرآن الكريم المقصود به نسخ النبوات، والمعجزات السابقة، وزعمه بأن آيات النسخ في القرآن تتعلق بمجال العقائد، ولا علاقة لها بمجال الفقه، وحاولنا بيان خطورة هذا القول غير المسبوق، والصادر عن شخص غير مختص، أما هذا المبحث فسوف نخصصه – بحول الله تعالى – للرد على زعم الجابري أن إطلاق لفظ الآية على القطعة من القرآن حدث بعد النبي – صلى الله عليه وسلم –  ونبدأ بتعريف الآية لغة، واصطلاحا، كما ورد ذلك عند علماء الأمة .

الآية لغة : العلامة والأمارة . والعبرة، قال تعالى :  » فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَة «  .  و المعجزة ، قال تعالى » وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً «   .  والشخص. والجماعة.  ومن القرآن : جملة أو جمل [2] .

أما الآية اصطلاحا : فقد ذكروا لها تعريفات متعددة، منها : قول الجعبري » حد الآية قرآن مركب من جمل ولو تقديرا ذو مبدإ أو مقطع مندرج في سورة، وأصلها العلامة، ومنه إن آية ملكه لأنها علامة للفضل والصدق أو الجماعة لأنها جماعة كلمة « [3]. وقال غيره :  »هي الواحدة من المعدودات في السور سميت به لأنها علامة على صدق من أتى بها و على عجز المتحدى بها « [4]  . و هذا الاختلاف في تعريف الآية هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، بل يكاد يكون اختلافا لفظيا، مما يدل على يسر تعريف الآية في القرآن الكريم، لأنها كانت واضحة في أذهان الذين عرفوها، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وذلك عكس ما ذهب إليه الجابري بقوله إنه   » من شبه المستحيل تعريف “الآية من القرآن” ، ذلك لأن هناك آيات تتألف من كلمة واحدة ، و أخرى من بضع كلمات و لكن دون أن ترقى إلى الجملة المفيدة باصطلاح النحويين ، و في المقابل هناك آيات تتألف من عدة جمل نحوية و تستغرق نصف صفحة أو أكثر[5] «   . فعلا، يستحيل على الجابري تعريف الآية من القرآن وهو ينكر وجودها أصلا .

كما أن تحديد الآية في القرآن الكريم توقيفي، وليس اجتهاديا ولا قياسا، ولذلك جاء في أحد تعاريفها أن  » الآية طائفة من حروف القرآن علم بالتوقيف انقطاعها : يعني عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن وعما قبلها وما بعدها في غيرهما غير مشتمل على مثل ذلك « [6] . و بهذا قال الزمخشري – رحمه الله تعالى – وضرب على ذلك أمثلة بقوله :  » الآيات علم توقيفي لا مجال للقياس فيه ولذلك عدوا الم آية حيث وقعت والمص ولم يعدوا المر والر وعدوا حم آية في سورها و طه ويس ولم يعدوا طس « [7] .

أما عدد آيات القرآن فقد أجمعوا  كما قال الداني رحمه الله تعالى :   »على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة، وقيل وتسع عشرة، وقيل وخمس وعشرون، وقيل وست وثلاثون« [8]  .

أما سبب اختلافهم في عدد آيات القرآن الكريم رغم أنه أمر توقيفي فهو » أن النبي كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلها وصل للتمام، فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة « [9]. فالذي كان يحدد مكان ابتداء الآية و انتهاءها هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والخلاف بين العلماء  أمر طبيعي، وقد عرفت أسبابه،  وبهذا يتضح بطلان ما ذهب إليه الجابري حين شكك في زمن ترقيم الآيات بهذا المعنى في المصحف، واعتبر الاختلاف في عدد الآيات دليلا على أنه تم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد زعم الجابري أنه لم يجد في المصادر جوابا قطعيا عن سؤاله، من أين جاءت تسمية القطعة من القرآن آية ؟ وزعم أنه لم يجد في ذلك سوى رواية يتيمة عند الترمذي  – أوردها- جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع كلامه، وكأنه لم ترد في كتب السنة سواها، بل بالغ في مجانبة الصواب حين جعلها دليلا على أن لفظ آية لم يطلق على القطعة من القرآن إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم، وقد أوردنا آنفا عددا من مغالطات الجابري وأجبنا عنها بما يسره الله تعالى هناك، ثم رأيت أن أورد هنا مجموعة من الأحاديث النبوية تتبث أن إطلاق لفظ الآية على القطعة من القرآن هو فعل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وعنه – عليه السلام – أخذه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وقد كان شائعا بينهم في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم و بعد وفاته، وعنهم أخذه التابعون جيلا بعد جيل إلى أن وصل إلينا، فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح آية الكرسي بأنها آية من كتاب الله تعالى، جاء ذلك عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يا أبا المنذر ، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ ” قال: قلت : الله ورسوله أعلم . قال : ” يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ ” قال : قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . قال : فضرب في صدري ، وقال : ” والله ليهنك العلم أبا المنذر[10] ” فالصيغة التي سأل بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- واضحة في أن كتاب الله يتكون من مجموعة من الآيات، وهذا ما يدل عليه قوله عليه السلام : ” يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ ” فالقطعة من القرآن الكريم آية بالتوقيف، وهذه الآيات تتفاوت في الفضل.

و في سياق الحض على حفظ كتاب الله تعالى ترد لفظة آية عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واضحة لا لبس فيها، فعن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يا أبا ذر ، لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله ، خير لك من أن تصلي مائة ركعة ، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم ، عمل به أو لم يعمل ، خير من أن تصلي ألف ركعة “[11].

وفي حديث آخر موجه لأهل الصفة – رضي الله عنهم – الذين تفرغوا للجهاد، وكانوا من فقراء المسلمين، فدلهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن أمر هو أعظم مما بين أيدي الناس من الأموال، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة ، فقال : ” أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان ، أو إلى العقيق ، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ، ولا قطع رحم ؟ ” ، فقلنا : يا رسول الله نحب ذلك ، قال:” أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم ، أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل ، خير له من ناقتين ، وثلاث خير له من ثلاث ، وأربع خير له من أربع ، ومن أعدادهن من الإبل”[12].

وفي حيث آخر عن الأوزاعي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من علم آية من كتاب الله أو كلمة من دين الله جنى الله له من الثواب جنيا وليس شيء أفضل من شيء يليه بنفسه[13] “.

وفي حديث آخر فيه التحريض على تعليم ولو آية من كتاب الله تعالى، فعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه،  قال: قال رسول الله: “من علم آية من كتاب الله عز وجل كان له ثوابها ما تليت[14]“.

وفي حديث آخر فيه بيان فضل ومنزلة أهل القرآن يوم القيامة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” يقال – يعني لصاحب القرآن – : اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها [15]” .

وفي حديث آخر عن أبي بن كعب قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك آية، وفي القوم أبي بن كعب ، فقال : يا رسول الله ، نسيت آية كذا وكذا ، أو نسخت ؟ قال : ” نسيتها ” . هذا حديث بندار . وقال أبو موسى : عن سلمة ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه، عن أبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم نسي آية من كتاب الله وفي القوم أبي ، فقال : يا رسول الله نسيت آية كذا وكذا ؟ أو نسيتها ؟ قال : ” لا ، بل نسيتها [16]“.

أما إطلاق الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – لفظ آية على القطعة من القرآن في حياة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأكثر من تحصى، منها ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: أصابني جهد شديد ، فلقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقرأته آية من كتاب الله ، فدخل داره وفتحها علي ، قال : فمشيت غير بعيد ، فخررت لوجهي من الجهد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسي ، فقال : ” يا أبا هريرة ” ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك ، قال : فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي، فانطلق إلى رحله ، فأمر لي بعس من لبن ، فشربت ، ثم قال : ” عد يا أبا هريرة “، فعدت ، فشربت حتى استوى بطني وصار كالقدح ، قال : ورأيت عمر فذكرت الذي كان من أمري ، وقلت له : من كان أحق به منك يا عمر ؟ والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك ، قال عمر : والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم [17]« . وقد صار الأمر معروفا منتشرا لا ينكره أحد سواء في حياة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أم بعد وفاته، فعن حمران أنه قال : فلما توضأ عثمان قال : والله لأحدثنكم حديثا والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها ” قال عروة الآية : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى – إلى قوله – اللاعنون[18]« .

لقد أنكر الجابري و جود هذا القدر الكبير من النصوص – وما لم أذكره أكثر بكثير – وفيها حديث اقرأ وارتق الذي أورده الترمذي، مع أن الجابري زعم أنه لم يجد سوى تلك الرواية اليتيمة عند الترمذي، والتي زعم أنه لم يجدها عند غيره، وما ذكرناه هنا شاهد آخر من بين عدد من الشواهد التي ذكرها جورج طرابيشي في كتابه نقد نقد العقل العربي، حيث أثبت هناك أن الجابري لا يتصف بالأمانة العلمية، وأن الكذب عنده مباح للوصول إلى ما سطره من أهداف، ومن كان هذا حاله فلا يوثق بكلامه في العلوم الإنسانية، بله في العلوم الشرعية التي لا يقبل قول القائل فيها إلا بشاهدين  هما : العلم والعدل.

أما لفظ آية في القرآن الكريم فقد تكرر كثيرا، و جاء بصيغ مختلفة، وبمعان متعددة، تتحدد حسب السياق الذي ترد فيه  :

أولاً: بمعنى الحجة والدليل ، ومن ذلك قوله تعالى »:ومن آياته منامكم بالليل والنهار [19]« قال الطبري رحمه الله:  “ومن حججه عليكم تقديره الساعات والأوقات ، ومخالفته بين الليل والنهار”. و منه قوله تعالى :  » ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة «[20]  ومعنى ذلك أن من حجج الله تعالى وأدلته على عظيم قدرته ، أنك ترى الأرض لا نبات فيها ولا زرع ، ثم الله يحييها بالغيث. فلفظ الآية في هاتين الآيتين ونحوهما بمعنى الدليل والحجة. وقد وجدنا الطبري كثيراً ما يفسر لفظ الآية في القرآن بمعنى الحجة والدليل.
ثانياً: يأتي لفظ الآية بمعنى الآية من القرآن، من ذلك قوله تعالى :  »ما ننسخ من آية أو ننسها[21]« ، فالمراد هنا الآية القرآنية، وهي القطعة من القرآن . ومن هذا القبيل، قوله تعالى:  »وإذا بدلنا آية مكان آية«[22]  والمقصود هنا أيضاً الآية من القرآن.
ثالثاً: يأتي بمعنى المعجزة، من ذلك قوله تعالى : » فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات [23]«، والمعنى ما آتاه الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة، على صدقه فيما أخبر به عن الله عز وجل من توحيده، و الدعوة إلى إتباع أمره . ومثل ذلك قوله سبحانه وتعالى : » وإن يروا آية يعرضوا [24]« ، والمقصود هنا أنهم كلما رأوا آية : أي معجزة تدل على صدق رسول الله – صلى الله عليه و سلم – أعرضوا عنها، وقالوا إنما هي سحر مستمر .
رابعاً: يأتي بمعنى العبرة والعظة، من ذلك قوله تعالى:  » ولنجعله آية للناس [25]«  والمقصود نجعله عبرة للناس ودلالة على البعث بعد الموت، ومثله قوله تعالى : » وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية «[26]  والمعنى المراد هنا أن الله تعالى جعل إغراق قوم نوح ، وإهلاكهم عظة للناس وعبرة لهم ، يتعظون و يعتبرون بها.
خامساً: يأتي بمعنى الكتاب – القرآن -، من ذلك قوله تعالى:  » يسمع آيات الله تتلى عليه«[27]  والمراد أن الكافر يسمع آيات كتاب الله تقرأ عليه ثم يقيم على كفره كأنه  لم يسمعها . ونحو ذلك قوله عز وجل:  » قد كانت آياتي تتلى عليكم «[28]   والمقصود أن آيات الله كانت تقرأ على الكفار فكانوا يكذبون بها .
سادساً: يأتي بمعنى الأحكام الشرعية، من ذلك قوله تعالى » كذلك يبين الله لكم آياته«[29]   أي: أن الله يبيِّن لكم سائر الأحكام في آياته التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم . ومن هذا القبيل قوله سبحانه:  » كذلك يبين الله لكم الآيات «[30] ، أي: يعرفكم أحكامها، وحلالها، وحرامها. والآية بهذا المعنى كثيرة الورود في القرآن الكريم .
سابعاً: تأتي بمعنى العلامة والدلالة ، من ذلك قوله تعالى : » لقد كان لسبإ في مسكنهم آية«[31]  ، أي: علامة دالة على أن لهم خالقاً خلقهم. ونحو ذلك قوله سبحانه:  » قد كان لكم آية في فئتين التقتا «[32] ، يعني: علامة ودلالة على صدق وعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه بالنصر، ولخصومه بالهزيمة المنكرة و الخسران المبين .
وليس ثمة ما يمنع أن يفسر لفظ الآية في القرآن الكريم بأكثر من معنى من المعاني المتقدمة، أو بمعنى من المعاني التي ذكرنا؛ إذ أن معظم معاني لفظ الآية السالفة الذكر متداخلة ومترابطة، وهي تعود في معناها إلى أصلها اللغوي، وهو معنى العلامة ؛ وهذا من أسباب الاختلاف قي التفسير، لذا نجد بعض المفسرين يذكرون معنى من هذه المعاني للفظ الآية ، في حين نجد بعضاً آخر يفسره بمعنى ثان،  وهو اختلاف تنوع و ليس اختلاف تضاد، وبالتالي فلا حجة للجابري في حمل معنى الآية في القرآن الكريم على المعجزة ونفيه ورود الآية في القرآن بمعنى القطعة منه، فهذا ادعاء محض لا دليل عليه، بل تكذبه الشواهد التي ذكرناها آنفا .

لقد تبين مما سبق أن كل دعاوى الجابري بدأ من إنكاره وجود النسخ في القرآن و زعمه عدم وجود دليل على أن القطعة من القرآن الكريم تسمى آية ، لقد تبين بطلان كل هذه الدعاوى وخطورة هذه المزاعم التي ليس لصاحبها سند علمي أو دليل شرعي معتبر .

وإتماما للفائدة نورد هنا تعريفا موجزا للسورة في القرآن الكريم، وعددها، والحكمة منها،… الخ.

السورة لغة :  » من البناء ما طال وحسن . والسورة عرق من عروق الحائط . والسورة المنزلة من البناء . و السورة واحدة من سور القرآن . و السورة المنزلة الرفيعة. و السورة الفضل . و السورة الشرف . و السورة العلامة . ج : سور و سور.[33] «  .

وأما السورة اصطلاحا فقال الجعبري :   » حد السورة قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة وأقلها ثلاث آيات « [34] .

هذا وقد طرح الجعبري رحمه الله تعالى سؤالا يتعلق بالحكمة من تقطيع القرآن إلى سور ثم أجاب عنه جوابا نورده هنا لما فيه من الفائدة، قال – رحمه الله تعالى – :  » فإن قيل: فما الحكمة في تقطيع القرآن سورا؟ قلت: هي الحكمة في تقطيع السور آيات معدودات لكل آية حد ومطلع حتى تكون كل سورة بل كل آية فنا مستقلا وقرآنا معتبرا « [35] . وحول علاقة تسوير السورة بالإعجاز في القرآن الكريم  يقول الجعبري رحمه الله: »وفي تسوير السورة تحقيق لكون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله تعالى [36]«  .

أما لماذا تختلف أحجام سور القرآن بين كبيرة وصغيرة ومتوسطة ولمَ لم تكن في حجم واحد؟ ففي ذلك حكم شتى، منها ما يتعلق بالإعجاز، ومنها ما يتعلق بالتعليم، ومنها ما يتعلق بالتلاوة، وقد أجمل الجعبري – رحمه الله تعالى – كل هذا في كلمة جامعة مانعة هي قوله :  » وسورت السور طوالا وقصارا وأوساطا تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات وهي معجزة إعجاز سورة البقرة، ثم ظهرت لذلك حكمة في التعليم وتدريج الأطفال من السور القصار إلى ما فوقها يسيرا، تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه، فترى الطفل يفرح بإتمام السورة فرح من حصل على حد معتبر، وكذلك المطيل في التلاوة يرتاح عند ختم كل سورة ارتياح المسافر إلى قطع المراحل، المسماة مرحلة بعد مرحلة أخرى، إلى أن كل سورة نمط مستقل، فسورة يوسف تترجم عن قصته، وسورة براءة تترجم عن أحوال المنافقين وكامن أسرارهم، وغير ذلك « [37] .

وأما عدد سور القرآن العظيم فمائة وأربع عشرة سورة باتفاق أهل الحل والعقد، وبإجماع المسلمين سلفا وخلفا، و كما هي في المصحف العثماني، أولها الفاتحة وآخرها الناس .

وقال مجاهد[38] مائة وثلاث عشرة سورة وذلك على مذهب من جعل الأنفال والتوبة سورة واحدة لاشتباه الطرفين وعدم ورود البسملة بينهما، ويرده تسمية النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كلا منهما على أنها سورة مستقلة، وقيل كان في مصحف ابن مسعود مائة و اثنا عشر سورة  لم يكن فيها المعوذتان لأنه كان يشتبه في أنهما للرقية، ولكنه رجع عن ذلك رضي الله عنه، وقيل كان في مصحف أبي مائة و ستة عشرة سورة لأنه كان يكتب دعاء الاستفتاح والقنوت في آخره كالسورتين وهو دعاء كتب بعد الختمة وليس فيه دليل على أنه كان يقول بهذا العدد .

وقد أجمعت الأمة على أن ترتيب الآيات القرآنية توقيفي واختلفوا في ترتيب سوره هل هو توقيفيي أم اجتهادي، فذهب جمهور العلماء إلى الثاني، و ذهب بعضهم إلى الأول واستدلوا على ذلك بأدلة نقلية و عقلية لها وجاهتها، منها ما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن واثلة بن الأسقع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المئين ، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني ، وفضلت بالمفصل[39] ” و هذا الترتيب هو نفسه الوارد في المصحف الذي جمعه عثمان رضي الله عنه كما ذهبوا إلى أن   » لترتيب وضع السور في المصحف أسبابا تطلع على أنه توقيفي صادر عن حكيم أحدها بحسب الحروف كما في الحواميم وثانيها لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها كآخر ” الحمد” في المعنى وأول “البقرة” وثالثها للوزن في اللفظ كآخر ” تبت”  وأول ” الإخلاص ” ورابعها لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى مثل وَالضُّحَى و أَلَمْ نَشْرَحْ [40]«  .

المبحث الخامس:فهم الجابري لنماذج من الآيات المنسوخة

لقد حسم الجابري أمره بالوقوف إلى جانب جماعة شاذة من المعتزلة – عادة ما  يتبنى الجابري  مواقف المعتزلة – أنكرت وجود النسخ في القرآن الكريم، بل تعداهم بقوله قولا لم يقل به أحد من قبله، وهو أنه لا يوجد دليل في القرآن على أن القطعة  منه تسمى آية،  وبالتالي فإن كل الآيات الواردة في القرآن الكريم والمتعلقة بالنسخ لا علاقة لها بالنسخ كما هو معروف عند الفقهاء.

بعد هذا الحكم راح الجابري يفهم كل آية منسوخة فهما يخرجها من دائرة القول بأنها منسوخة، فما الذي حصل هنالك .

النموذج الأول : اختلف العلماء – رحمهم الله تعالى – قديما في قوله تعالى : » وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا اِلىَ الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «[1]  ، هل هي منسوخة أم محكمة، فذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية شرعت حكم تربص المرأة  المتوفى عنها زوجها حولاً كاملا في بيت الزوجية، وقد كان ذلك في أول الإسلام ، ثم نسخت بعد  ذلك على قول بعدة الوفاة الواردة في قوله تعالى :   » وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ «[2]  ، وقد روي هذا عن ابن عباس ، وقتادة والربيع، وجابر بن زيد . واحتج القائلون بأن هذه الآية منسوخة بما رواه ابن أبي مليكة عن ابن الزبير – رضي الله عنهما – قال :  قلت : لعثمان بن عفان والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا قال : قد نسختها الآية الأخرى ، فلم تكتبها ؟ أو تدعها ؟ قال : ” يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه [3]“. ولأن النص الوارد عن ابن الزبير لم يبين الآية الناسخة فقد اختلفوا فيها، فذهب قوم إلى أن الآية الناسخة هي آية العدة، وذهب آخرون إلى أن الآية الناسخة هي آية الميراث، لأن العرب في الجاهلية كان من عادتهم المتبعة أن المرأة إذا توفي عنها زوجها تمكث في شر بيت لها حولاً ، محدة لابسة شر ثيابها متجنبة الزينة والطيب، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك الغلو في سوء الحالة ، وشرع عدة الوفاة والإحداد حولا كاملا ، فلما ثقل ذلك على الناس، أمر الأزواج بالوصية لأزواجهم بالسكنى حولا كاملا بمنزل الزوج مع الإنفاق عليها من ماله ، فإن شاءت السكنى بمنزل الزوج سكنت ، وإن شاءت الخروج وأبت السكنى في بيت الزوجية منعت عنها النفقة ، فصار للمرأة الخيار في السكنى بمنزل الزوج أو الخروج منه إن شاءت بعد أن كانت السكنى في بيت الزوجية حقاً عليها لا تستطيع تركه، ثم نسخ الإنفاق والوصية بالميراث ، فعلى هذا القول يكون الناسخ هو آية الميراث و ليس آية العدة .

وذهب آخرون إلى أن هذه الآية غير منسوخة، وأن المرأة بعد إكمالها أيام العدة يبقى لها حق الوصية سبعة أشهر وعشرين ليلة، فعن مجاهد قال : » والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا قال : كانت هذه العدة ، تعتد عند أهل زوجها واجب ، فأنزل الله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف، قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ، إن شاءت سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت ، وهو قول الله تعالى : غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فالعدة كما هي واجب عليها « [4] . وقول مجاهد هذا فيه إشكال مع القول بأن آية الوصية منسوخة بآية الميراث، كما أنه مخالف لقول الجمهور المستند إلى قول الصحابة – رضي الله عنهم – في القول الذي جرى بين ابن الزبير وعثمان بن عفان.

ومع كل هذا ذهب الجابري إلى أن هذا الآية غير منسوخة، لأن مجالها يخص  » النفقة عليها بعد وفاة زوجها لمدة عام حتى لا تتشرد ، قبل أن تتزوج ثانية . و طرح أمر النفقة عليها شيء ضروري أمس واليوم ، فإذا تزوجت قبل العام بطل مفعول الوصية لأنها حينئذ ستكون في عهدة زوجها الجديد « [5]. حاول الجابري هنا جعل الآيتين تتحدثان عن مجالين مختلفين، فذهب إلى أن الآية الأولى  تتحدث عن العدة التي كان الغرض منها الحرص على عدم تخالط الأنساب وقد تجاوزها العصر اليوم، لأن العلم  » الحديث قادر على التعرف على حال المرأة في أية لحظة « [6]. أما الآية الثانية فمجالها حفظ المرأة من التشرد بالنفقة عليها حولا كاملا، وهذا أمر ضروري أمس و اليوم، وهو بهذا يقع في مجموعة من المحاذير التي لم يفكر في كيفية الخروج منها، إذ من يضمن أن هذه المرأة ستتزوج بعد سنة كاملة ؟ و إذا لم تتزوج فإن التشرد هو مصيرها في النهاية، وبهذا تبطل الحكمة من هذا التشريع ولو بعد حين، وكلام الله تعالى منزه عن ذلك، فتحتم المصير إلى أن هذا نوع من التدرج المشروع، والتخفيف الرباني الممنوح، حيث كانت العدة في صدر الإسلام حولا كاملا ثم صارت أربعة أشهر و عشرا .

هكذا رد الجابري على الذين قالوا بأن هذه الآية منسوخة بآية العدة، أما الذين قالوا بأنها منسوخة بآية الميراث فرد عليهم بقوله  » أما احتجاج القائلين بالنسخ بكون هذه الآية الثانية نسخت بآية الميراث في سورة النساء ، و هي قوله تعالى : ”  وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمُ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم  “[7] فاحتجاج لا يستقيم لأن الآية تقول: ” مِّنم بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ “[8] . و لا شيء  يمنع من إدخال وصية الزوج لزوجته في نطاق الوصية المذكورة ههنا . وأما الاستشهاد بحديث : ” لا وصية لوارث” و يضاف إليه : ” إلا أن يجيز الورثة ذلك ” ، فهو حديث آحاد و في رواته نقاش ، و في جميع الأحوال لا يعقل أن  يعتبر مبطلا لعدة آيات ، و في مقدمتها قوله تعالى : ” كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا اِلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنم بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى الذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [9]”  «[10] .

وهذا كلام فيه قصور مبين في فهم قواعد الدين، وأحكام الشرع، لأن للوصية أحكاما مبثوثة في أبواب الفقه منها :

أولا : أجمع العلماء على أنه لا تجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن كان له ورثة، واختلفوا في من لم يخلف وارثا، فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز له أن يوصي بأكثر من الثلث، وخالف في ذلك أبو حنيفة وأصحابه فقالوا : إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بماله كله . وحجتهم في ذلك أن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع الموصي ورثته أغنياء ، فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه – رضي الله عنه -، قال :  » كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي ، فقلت : إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : ” لا ” فقلت : بالشطر ؟ فقال : ” لا ” ثم قال : ” الثلث والثلث كبير – أو كثير – إنك أن تذر ورثتك أغنياء ، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في في امرأتك « [11]. ومن لا وارث له فليس ممن عني بالحديث، فجاز له أن يوصي بماله كله .

ثانيا : حديث لا وصية لوارث جاء من طرق متعددة ورغم أنه لا يخلو إسناد كل منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلا،  » بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر فقال : وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي صلى الله عليه و سلم قال عام الفتح : لا وصية لوارث، ويأثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم : فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد « [12] .

ثالثا : أما مسألة نسخ القرآن بالسنة والذي ذهب الجابري إلى أنه ” غير مسلم “[13] دون أن يوضح الأسباب، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة قديما، فذهب الشافعي وأبو الفرج  إلى منعه، وحجة الشافعي[14] أن السنة إنما تلغي السنة  فيرفع النبي – صلى الله عليه وسلم – سنته بسنته، ويكون عليه السلام بذلك ناسخا  لكلام نفسه، أما القرآن فلا ينسخ إلا بقرآن، لقوله تعالى :  » مَا نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « [15] ، وذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن بدليل أن الكل حكم اللّه تبارك وتعالى، ومن عنده، وإن اختلفت الأسماء فما المانع منه ؟ بل إن السمع دل عليه، والشواهد على ذلك كثيرة منها : نسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله – صلى الله عليه و سلم – ألا لا وصية لوارث، لأن آية الميراث لا تمنع الوصية للوالدين والأقربين إذ الجمع ممكن، ومع ذلك أجمع المسلمون على أنه لا تجوز وصية لوارث، وبهذا انضم إلى هذا الخبر مهما قيل فيه الإجماع الذي لم يشر إليه الجابري لا من قريب ولا من بعيد وكأنه ينكره .

النموذج الثاني : هو قوله تعالى :  » وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىا يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ فَئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا« [16] ، جزم الطاهر بن عاشور – رحمه الله تعالى – في كتابه التحرير والتنوير بأنّ أوّل سورة النساء نزل قبل أوّل سورة النور، وأنّ عقوبة الإمساك في البيوت للنساء والأذى للرجال الوارد في هذه الآية كان في بداية  شرع العقوبة على الزنا، وبالتالي فإن هذه الآية منسوخة بآية الجلد في سورة النور لا محالة ، دلّ على ذلك قوله تعالى : ” أو يجعل الله لهن سبيلاً .”

وقد جعل الله لهن سبيلا في سورة النور، فعن عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ، والرجم[17] ” و لذلك قال ابن عطية رحمه الله :  » أجمع العلماء على أنّ هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور « [18]، ولعل هذا الإجماع هو الذي دفع الجابري إلى عدم  التعليق على القول بأن هذه الآية منسوخة، واكتفاءه بإشارة جاء فيها أنه  »  يجب أن لا ننسى أن هذه الآية نزلت في بداية التشريع…ونحن نرجح أن مجرد إدانتهما مع النهي الصريح عن هذا العمل كانا كافيان في هذه المرحلة  « [19] ، وفي كلامه هذا دليل على أنه لم يجد لهذه الآية مخرجا سوى القول بأنها منسوخة، وبما أن الجابري ينكر وجود النسخ في القرآن فقد سعى إلى الخروج من هذا المأزق بقوله إن  » كل ما هنالك هو وجود أنواع من التدرج في الأحكام : من العام إلى الخاص…هذا فضلا عن ملائمة الأحكام مع مقتضيات الأحوال « [20]، ولذلك عنون الجابري هذه الآية بأنها حكم أولي، وفي الهامش أورد الحديث الذي ذكرناه آنفا، ثم علق عليه بقوله : » أما قول بعضهم إن هذا الحديث قد نسخ الآية أعلاه بناء على قولهم إن” السنة تنسخ القرآن ” فغير مسلم « [21]، لقد زعم الجابري في هذا النص بأن هناك من قال بأن هاتين الآيتين منسوختان بالحديث، وهذا الزعم يكذبه قول ابن عطية رحمه الله : » أجمع العلماء على أنّ هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور« [22]، وأما زعم الجابري بأن نسخ القرآن بالسنة غير مسلم فقد سبق رده، والرد عليه، كما أن هذا الأمر واقع في الشرع لا يستطيع أحد أن ينكره، ولذلك لم يتردد الغزالي[23] في رد مذهب إمامه الشافعي، ولو وجد لكلامه مخرجا آخر لحمله عليه .

النموذج الثالث : هو قوله تعالى :  » وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالاَقْرَبُونَ وَالذِينَ عَاقَدَتَ اَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا   [24]«، و قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى : ” وَالذِينَ عَاقَدَتَ اَيْمَانُكُمْ “، فقيل المقصود به موالي الحلف الذي كان معروفا عند العرب في الجاهلية ، حيث كان الرجل يحالف الآخر فيقول له : ” دمي دَمُك وهَدْمي هَدْمُك –  و المعنى أن إسقاط أحدهما للدم الذي يستحقّه يلزم الآخر – وثَأرِي ثَأرُكَ وحَرْبي حَرْبُك وسلْمي سلْمُك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عنّي وأعقل عنك “، وكان العرب قد جعلوا للمولى السدس في تركة الميت ، فأقرّته هذه الآية ، وقيل: نزلت هذه الآية في ميراث الإخوة الذين آخى بينهم النبي – صلى الله عليه وسلم – من المهاجرين والأنصار في أول الهجرة ، فكانوا يتوارثون بعقد الأخوة الذي عقده بينهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دون ذوي الأرحام، وقيل نزلت في التبنّي الذي كان شائعا في الجاهلية ، فكان المتبنَّي يرث المتبنِّي و كل هذه الأقوال تؤول إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: »وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «[25]. لقد أقر الجابري بأن هذه الآية قد ألغت العرف القديم الذي كان سائدا في الجاهلية، والذي كان قد أقرته الآية الثالثة و الثلاثون من سورة النساء، ثم نقض غزله – كعادته – فذهب إلى أن هذا ليس » بنسخ ، بل هو تشريع جديد حل محل العرف القديم « [26].

ولكن بقي على الجابري هنا أن يخبرنا ما هو مصير الآية التي تتحدث عن العرف القديم بعد أن حل محلها تشريع جديد !! ثم إذا كان إلغاء حكم لاحق لحكم سابق ليس نسخا فما هو النسخ ؟ إنه التخبط بلا دليل، والتخمين بلا برهان، في مجال له عند الله وعند المسلمين قدسية خاصة، ولذلك حاطه العلماء بقواعد خاصة، وسيجوه بسياج العلم وحصنوه بحصن العدالة .

[1] سورة البقرة ، الآية 234 .

[2] سورة البقرة ، الآية 240 .

[3] رواه البخاري ، كتاب تفسير القرآن سورة البقرة ، باب والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ، حديث : 4265 .

[4] رواه البخاري ، كتاب تفسير القرآن سورة البقرة ، باب والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ، حديث : 4266 .

[5] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 77 .

[6] نفس المرجع و الصفحة .

[7] سورة النساء ، الآية 12 .

[8] سورة النساء ، الآية 12 .

[9] سورة البقرة ، الآية 180 – 181 .

[10] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 78 .

[11] رواه البخاري ، كتاب الجنائز ، باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد ابن خولة ، حديث : 1247 .

[12] نيل الأوطار ، للإمام الشوكاني ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ، الطبعة الأولى ، سنة 2000 ، ج 6 ص 142  .

[13] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 16 .

[14] كلام الشافعي رد عليه الغزالي في المستصفى و هو شافعي المذهب انظر المستصفى ج 1 ص 124 – 125 .

[15] سورة البقرة ، الآية 106 .

[16] سورة النساء ، الآية 15 – 16 .

[17] رواه مسلم ، كتاب الحدود ، باب حد الزنى ، حديث : 3285 .

[18] التحرير و التنوير .

[19] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 246 – 247 .

[20] نفس المرجع ، ص 109 .

[21] نفس المرجع ، ص 216 .

[22] التحرير و التنوير .

[23] المستصفى ، ج 1 ص 124 – 125 .

[24] سورة النساء ، الآية 33 .

[25] سورة الأنفال ، الآية 75 .

[26] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 221 .

[1] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 101 .

[2] المعجم الوسيط .

[3] الإتقان ، ص 95 .

[4] نفس المرجع والصفحة .

[5] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 100 .

[6] الإتقان ، ص 95 .

[7] نفس المرجع و الصفحة .

[8] نفس المرجع و الصفحة .

[9] نفس المرجع و الصفحة .

[10] رواه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب فضل سورة الكهف ، حديث : 1384 .

[11] سنن ابن ماجه ، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه ، حديث : 217 .

[12] رواه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه ، حديث : 1377.

[13] حلية الأولياء لأبي نعيم ، محمد الحارثي ، حديث 12240 .

[14] رواه أبو سهل القطان و صححه الألباني .

[15] رواه أبو داود ، كتاب الصلاة ، باب استحباب الترتيل في القراءة ، حديث : 1265 .

[16] صحيح ابن خزيمة ، باب تلقين الإمام إذا تعايا ، حديث : 1546 .

[17] صحيح ابن حبان ، كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة ، حديث : 7258.

[18] رواه مسلم ، كتاب الطهارة ، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه ، حديث : 360 .

[19] سورة الروم ، الآية 23 .

 [20] سورة فصلت ، الآية 29 .

[21] سورة البقرة ، الآية 106 .

[22] سورة  النحل ، الآية 101 .

[23] سورة القصص ، الآية 36 .

[24] سورة القمر ، الآية 2 .

[25] سورة مريم ، الآية 21 .

[26] سورة الفرقان ، الآية 37 .

[27] سورة الجاثية ، الآية 8 .

[28] سورة المؤمنون ، الآية 66 .

[29] سورة البقرة ، الآية 242 .

[30] سورة البقرة ، الآية 266 .

[31] سورة سبأ ، الآية 15 .

[32] سورة آل عمران ، الآية 13 .

[33] المعجم الوسيط .

[34] البرهان ، ص 186 .

[35] نفس المرجع و الصفحة .

[36] نفس المرجع و الصفحة .

[37] نفس المرجع و الصفحة .

[38] البرهان ، ص 177 .

[39] رواه أحمد ، مسند الشاميين ، حديث : 16676 .

[40] البرهان ، ص 183 – 184 .

[1] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 99 .

[2] نفس المرجع و الصفحة .

[3] نفس المرجع و الصفحة .

[4] نفس المرجع ، ص 100 .

[5] نفس المرجع و الصفحة .

[6] سورة البقرة ، الآية 103 .

[7] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 52 .

[8] نفس المرجع ، ص 53 .

[9] نفس المرجع و الصفحة .

[10] سورة الحجر ، الآية 1 .

[11] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 33 .

[12] سورة لقمان ، الآية 1 .

[13] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 72 .

[14] تفسير ابن كثير في أول سورة يونس .

[15] هذه الملاحظة وقفت عليها في تفسير ابن كثير وتفسير ابن عاشور .

[16] التحرير والتنوير عند تفسيره الآية 1 من سورة يونس .

[17] سورة العنكبوت ، الآية 49 .

[18] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 363 .

[19] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 101 .

[20] نفس المرجع والصفحة .

[21] نفس المرجع والصفحة .

[22] أبواب القراءات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باب في فاتحة الكتاب ، حديث : 2928 .

[23] مسند النساء ، حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حديث : 26035 .

[24] كتاب الحروف والقراءات ، حديث : 3505 .

[25] كتاب التفسير ، حديث : 2843 .

[26] كتاب الصلاة ، باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ، حديث : 1029 .

[27] كتاب الصلاة ، جماع أبواب الصلاة ، باب الدليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية تامة ، حديث : 2212 .

[28] باب بيان مشكل ما روته عائشة ، حديث : 4713 .

[29] كتاب صفة الصلاة ، حديث : 1297 .

[30] باب ما يستحب لقارئ القرآن من الترسل في قراءته والترتيل والتدبر ، حديث : 178 .

[31] فاتحة الكتاب ، حديث : 247 .

[32] باب قيام الليل .

[33] باب ما جاء في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديث : 304 .

[34] فصل في ابتداء السور بالتسمية سوى سورة براءة ، حديث : 2231 .

[35] ذكر ما احتج به من رأى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، حديث : 53 .

[36] رواه الحاكم في المستدرك ،كتاب التفسير ، حديث : 2843 .

[37] سورة الحجر ، الآية 87 .

[38] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 102 .

[39] رواه البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، باب ما جاء في فاتحة الكتاب ، حديث : 4213 .

[40] سورة الحجر ، الآية 87 .

[41] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 102 .

[42] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 38 .

[43] سورة الزمر ، الآية 23 .

[44] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 38 .

[45] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 102 .

[46] نفس المرجع ، ص 108 .

[47] سورة النحل ، الآية 101 .

[48] هذا القول ليس للقرطبي و إنما نقله في تفسيره عن ابن بحر من  بين عدة أقوال منها قول  مجاهد : أي رفعنا آية وجعلنا موضعها غيرها. وقال الجمهور : نسخنا آية بآية أشد منها عليهم فأين هي الأمانة العلمية عند الجابري .

[49] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 103 .

[50] رواه مسلم ، كتاب الفضائل ، باب فضائل عيسى عليه السلام ، حديث : 4465 .

[51] سورة البقرة ، الآية 285 .

[1] نفس المرجع و الصفحة .

[2] سورة البقرة ، الآية 106 .

[3] موسوعة بيان الإسلام ، الرد على الافتراءات و الشبهات لنخبة من كبار العلماء دار نهضة مصر الطبعة الأولى 2011  ج 11 .

[4] قال السيوطي في الإتقان : النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم ، منها : التيسير وقد أجمع المسلمون على جوازه و أنكره اليهود…

[5] رواه أبو داود في سننه ، كتاب النكاح ، باب هل يحرم ما دون خمس رضعات ، حديث : 1778 .

[6] الإتقان ، ص 327 .

[7] التعريف بالقرآن ، ص 231 .

[8] الإتقان ، ص 327 .

[9] البرهان ، ص 353 .

[10] سورة البقرة ، الآية 240 .

[11] سورة البقرة ، الآية 234 .

[12] البرهان ، ص 353 .

[13] سورة الأحزاب ، الآية 50 .

[14] سورة الأحزاب ، الآية 52 .

[15] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 96 – 97 .

[16] نفس المرجع ، ص 97 .

[17] نفس المرجع  والصفحة .

[18][18] نفس المرجع ، ص 125 .

[19] ر واه البيهقي في شعب الإيمان ، ذكر حديث جمع القرآن ، حديث : 171 .

[20] ر واه أبو داود ، كتاب الحدود ، باب الرجم ، حديث : 3856 .

[21] رواه البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، باب والذين يتوفون ويذرون أزواجا ، حديث : 4271 .

[22] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 97 .

[23] نفس المرجع ، ص 110 .

[24] البرهان ، ص 351 .

[25] رواه البخاري ومسلم ، كتاب الحدود ، باب رجم الثيب في الزنى ، حديث : 3287 .

[26] البرهان ، ص 352 – 353 .

[27] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 287 .

[28] نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني دار الفكر بيروت  الطبعة الأولى سنة 2000  الجزء السابع ص 232 .

[29] رواه مسلم ، كتاب الحدود ، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى ، حديث : 3298 .

[30] رواه مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى، 3293.

[31] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 97 .

[1] البرهان ، ص 347 .

[2] نفس المرجع والصفحة .

[3] سورة الحج ، الآية 52 .

[4] سورة النحل ، الآية 101 .

[5] الإتقان ، ص 326 .

[6] سورة البقرة ، الآية 106 .

[7] فهم القرآن القسم الثالث ص 109 .

[8] سورة النساء ، الآية 15 – 16 .

[9] سورة الأعلى الآية 6 – 7 .

[10] سورة النحل الآية 101 .

[11] سورة الحج الآية 52 .

[12] سورة البقرة الآية 106 .

[13] سورة الرعد الآية 38 – 39 .

[14] التعريف بالقرآن ، ص 232 .

[15] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 93 .

[16] نفس المرجع والصفحة .

[17] هذا التعليل الذي ذكره الجابري مخالف للتعليل الذي نقلناه آنفا عن صاحب البرهان في علوم القرآن .

[18] نفس المرجع ، ص 94 .

[19] نفس المرجع والصفحة .

[20] نفس المرجع ص 95 .

[21] نفس المرجع ص 96 .

[1] الإتقان ، ص 41 .

[2] الإتقان ، ص 44 .

[3] نفس المرجع والصفحة .

[4] الإتقان ص 44 .

[5] التعريف بالقرآن ، ص 430 .

[6] رد افتراءات الجابري ، ص 45 .

[7] نفس المرجع والصفحة .

[8] فهم القرآن القسم الثالث ، ض 370 .

[9] نفس المرجع والصفحة .

[10] فهم القرآن القسم الأول ، ص 165 .

[11] نفس المرجع ، ص 341 .

[12] نفس المرجع ، ص 353 .

[13] فهم القرآن القسم الأول ، ص 353 .

[14] الإتقان ، ص 45 .

[15] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 273 .

[16] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 174 .

[17] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 138 .

[18] فهم القرآن القسم الأول ، ص 321 .

[19] نفس المرجع ، ص 118 .

[20] نفس المرجع والصفحة .

[21] سورة التين ، الآية 4 – 5 .

[22] نفس المرجع والصفحة .

[23] سورة التين ، الآية 6 .

[24] فهم القرآن القسم الأول ، ص 118 .

[25] نفس المرجع ، ص 103 .

[26] التعريف بالقرآن ، ص 429 .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.