منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القرآن والإنسان العلاقـة والوظيفـــة. 1- حقيقة القرآن

اشترك في النشرة البريدية

مقدمـــــــــــة

في كتب الفلسفة والثقافة والمعرفة يتحدث أصحابها عن الإنسان وعلاقته بعلوم الطبيعة وعلوم الحياة، فيسردون النتائج الباهرة التي حققها في هذه الميادين اعتمادا منه على ما أوتي من ذكاء وإرادة. لكنهم يخلصون في النهاية إلى نتيجة مفادها أن الإنسان هو ذلك المجهول. ذلك أنه اجتهد في تحقيق راحته، وعجز عن معرفة حقيقته.

ومن الشواهد الدالة على عجز الإنسان لمعرفة حقيقة نفسه كاملة رغم التقدم الهائل والتطور الحاصل ما قاله الطبيب الأمريكي “ألكسيس كاريل” في كتابه المترجم: “الإنسان ذلك المجهول”، قال:” وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهودا جبارا لكي يعرف نفسه، لكن بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا… إننا لا نفهم الإنسان ككل…فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب… فعلينا أن ندرك بوضوح أن علم الإنسان من أصعب العلوم جميعا[1].

لماذا علم الإنسان من أصعب العلوم جميعا؟. لأن إدراك حقيقة الإنسان لا تتم عن طريق الإنسان نفسه، وإنما عن طريق خالق الإنسان وفاطره ومصوره. ذلك أن الله تعالى هو المصدر الحقيقي الذي يمد الإنسان بالحقائق. أما الذي يتطاول عن هذا المصدر إلحادا، و يتجاوزه كفرا ونكرانا، لا شك أنه سيبقى أبد الدهر حائرا تائها عن إدراك تلك الحقيقة الإنسانية. وقد ترتب عن هذا الجهل بحقيقة الإنسان وبمتطلباته الروحية الجهل بمعنى وجوده ودوره في الحياة ومصيره بعد الموت. “فمن عرف نفسه عرف ربه”.

 

وبناء على هذا الجهل أخطأت الفلسفات المادية والحركات الجاهلية في تناول قضية الإنسان، حيث اعتبرته فاعلا في التاريخ همه مطالبته بالنصيب من خيرات الأرض عانفا ثائرا. وجعلت من التاريخ الأرضي أهم موضوع لفعله وتنافسه وصراعه. أما اتجاهه في كل هذا فهو في هبوط نحو الأسفل جريا وراء رغبات النفس والجسد، وتحقيق سعادة زائفة لا تعدو أن تكون سرابا في سراب.

المزيد من المشاركات
1 من 20

لكن نظرة القرآن الكريم للإنسان بخلاف ذلك. القرآن الكريم يجعل في متناولنا معرفة الإنسان والكون والحياة. جاء من نفس المصدر الذي جاء منه الإنسان وعقله ونفسه وكيانه. هدفه ومقصده وغايته الهداية، يتيح للإنسان أن يعرف نفسه، ويفقه واقعه، ويحدد اتجاه عمله وحركته في الحياة.

القرآن الكريم بالنسبة للإنسان أداة للمعرفة والفهم، ووسيلة لبعث وعي ينفتح على ميادين العمل لتغيير ما بالإنسان والواقع، يحدد موقع الإنسان في الكون كفاعل، وموضوع فعله نفسه ومحيطه، واتجاه فعله اقتحام العقبة، عقبة الأنفس وعقبة الآفاق.

 

القرآن في اللغة: مصدر قرأ بمعنى تلا، أو بمعنى جمع. تقول: قرأ قرءا وقرآنا، كما تقول: غفر غفرا وغفرانا، فعلى المعنى الأول [تلا] يكون مصدرا بمعنى اسم المفعول أي بمعنى متلو. وعلى المعنى الثاني [جمع] يكون مصدرا بمعنى اسم الفاعل بمعنى جامع، لجمعه الأخبار والأحكام.

والقرآن في الشرع: كلام الله تعالى المنزل على رسوله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس. قال تعالى:[إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا](الإنسان:2). وقال:[ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون](يوسف:2).

وقد حمى الله تعالى هذا القرآن العظيم من التغيير والزيادة والنقص والتبديل حيث تكفل الله عز جل بحفظه فقال:[ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له حافظون](الحجر:9). ولذلك مضت القرون الكثيرة ولم يحاول أحد من أعدائه أن يغير فيه أو يزيد أو ينقص أو يبدل إلا هتك الله تعالى ستره وفضح أمره[2].

 

للقرآن الكريم أسماء عديدة كلها تدل على رفعة شأنه وعلو مكانته، وعلى أنه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق.. فيسمى القرآن والفرقان والتنزيل والذكر والكتاب الخ. كما وصفه الله تبارك وتعالى بأوصاف جليلة عديدة منها نور وهدى ورحمة وشفاء وموعظة وعزيز ومبارك وبشير ونذير إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته وقدسيته[3].

 

كما وردت آثار كثيرة في فضائل القرآن وعلومه، منها ما هو متعلق بفضل التعلم والتعليم، ومنها ما هو متعلق بالقراءة والترتيل، ومنها ما له علاقة بحفظه وترجيعه، كما وردت آيات عديدة في كتاب الله عز وجل تدعو المؤمنين إلى تدبره وتطبيق أحكامه، وإلى الاستماع والإنصات عند تلاوته، نذكر بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة[4]:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

من الآيات الكريمة:

يقول الله عز وجل:[ إن الذين يتلون كتاب الله، وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور. ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، إنه غفور شكور](فاطر:29-30).

ويقول الله عز وجل:[ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون](الأعراف: 204).

 

   ومن الأحاديث الشريفة:

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” خيركم من تعلم القرآن وعلمه[5].

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه[6].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع آخرين[7].

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب”[8].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن من إجلال الله تعالى : إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط”[9].

 

أما الإنسان في اللغة العربية من الناس، وهو اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، والواحد والجمع. وفي اشتقاقه خلاف بين اللغويين. فقد قيل إنه من النسيان ويجمع على أناسي وأناس والأول أظهر. أما الناس فمأخوذ من النوس وهي الحركة. ذلك أن الناس خليقة تتميز بالحركة والنشاط[10].

 

وجاء في لسان العرب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي. قال أبو منصور: إذا كان الإنسان في الأصل إنسيان، فهو إفعلان، من النسيان، وقول ابن عباس حجة قوية له، وهو مثل ليل إضحيان من ضحي يضحى، وقد حذفت الياء فقيل إنسان… والإِنْسُ: جماعة الناس، والجمع أُناسٌ، وهم الأَنَسُ. تقول: رأَيت بمكان كذا وكذا أَنَساً كثيراً أَي ناساً كثيراً…

 

وقال اللحياني: يُجْمَع إِنسانٌ أَناسِيَّ وآناساً على مثال آباضٍ، وأَناسِيَةً بالتخفيف والتأْنيث. والإِنْسُ: البشر، الواحد إِنْسِيٌّ وأَنَسيٌّ أَيضاً بالتحريك. ويقال: أَنَسٌ وآناسٌ كثير. وقال الفراء في قوله عز وجل: وأَناسِيّ كثيراً؛ الأَناسِيُّ جِماعٌ، الواحد إِنْسِيٌّ، وإِن شئت جعلته إِنساناً ثم جمعته أَناسِيّ فتكون الياءُ عوضاً من النون، كما قالوا للأَرانب أَراني، وللسَّراحين سَراحِيّ.ويقال للمرأَة أَيضاً إِنسانٌ ولا يقال إِنسانة، والعامة تقوله. وفي الحديث: أَنه نهى عن الحُمُر الإِنسيَّة يوم خَيْبَر؛ يعني التي تأْلف البيوت، والمشهور فيها كسر الهمزة، منسوبة إِلى الإِنس، وهم بنو آدم، الواحد إِنْسِيٌّ.

 

الإنسان أكرم خلق الله إلى الله.. كما قال تعالى :[ ولقد كرمنا بني آدم](الإسراء:70). والإنسان مخلوق حي عاقل..كانوا يعرفونه قديما بأنه “مخلوق ناطق”..ولما اكتشف العلماء أن كل نوع من المخلوقات له لغة ونطق، عدلوا عن التعريف الأول، وعرفوا الإنسان بأنه المخلوق العاقل، ذلك لأنه هو المخلوق الوحيد الذي منحه الله تعالى طاقة العقل، ولم يمنحها لغيره من المخلوقات، كما أنه المخلوق الحي الوحيد الذي نفخ فيه من روحه… فالإنسان مخلوق حي عاقل…أعطاه الله القدرة على التعلم، والترقي في العلم، لذلك يزداد علم الإنسان من عصر إلى عصر…

 

وما دام الله تعالى هو خالق الإنسان، فإن أسرار خلق الإنسان لا بد أن نجدها في كتابه العزيز.. وهو القرآن العظيم، وفي وحيه لرسوله صلى الله عليه وسلم… ويمكننا أن نعرف من هو الإنسان إذا تدبرنا القرآن الكريم، كتاب الله تعالى، خالق الإنسان. ويمكننا أن نعرف الإنسان كالآتي:” هو كائن حي عاقل، لا مادي، خالد – لا يموت – بخلود الروح، ولا يجري فيه زمن”. إن  الإنسان ليس هو الجسم.. الجسم هو جسم الإنسان. فأين هو الإنسان؟.

 

الإنسان الحقيقي هو الذات الإنسانية، الواعية، العاقلة، الحية الخالدة، اللامادية. وهذه الذات الإنسانية اللامادية عندما أراد الله تعالى لها أن تعيش في الحياة الدنيا، ركبها في جسم مادي، يتوافق مع بيئة الحياة في الدنيا وأحوالها. وإذا مات الجسم المادي، عاد إلى التراب الذي خلق منه. فهو تراب عاد إلى تراب. وعاد الإنسان الحقيقي “النفس والعقل والروح” إلى ربه، حيا يرزق، خالدا في الحياة الآخرة.

 

وقد يقال: ولكن الله تعالى قال عن الإنسان:[ خلق الإنسان من علق]، وقال عنه أيضا: [وبدأ خلق الإنسان من طين]، مما يدل على أن الإنسان هو ذلك الجسم المادي الذي خُلق من علق وطين. نقول: لا.. الإنسان لم يُخلق من علق وتراب وطين، وإنما جسد الإنسان هو الذي

خُلق من تراب هذه الأرض، ومن الماء… وإنما عبرت الآيات القرآنية عن الجزء بالكل.

 

وهذا أسلوب بلاغي عظيم. فعبر عن جسم الإنسان بالإنسان نفسه… ولن يتعرف الإنسان على ماهية خلقه إلا إذا عرف الذات الإنسانية المكونة من النفس والعقل والروح.. إنها ثلاث ملكات لا مادية تكون الإنسان الحقيقي المحيز والمركب في جسد مادي هو “جسم الإنسان” أثناء حياته في الدنيا[11].

 

والناس في اعتقادهم بحقيقة الإنسان ثلاث فرق:

1- غير المسلمين: افترقوا إلى فريقين متنافرين لا لقاء بينهما:

– الفريق الأول: يعتقد أن الإنسان مادة، ولا شيء غير المادة، وأنكروا وجود الروح. وهؤلاء هم الماديون والعلمانيون.

– الفريق الثاني: يعتقد أن الإنسان روح، ولا شيء غير الروح، كالهندوس والبوذيون.

2- أما المسلمون: فافترقوا إلى ثلاث فرق:

– الأولى: قالت إن الإنسان روح، والجسد إطار مادي زائل للروح. وهم أشبه بالهندوس والبوذيين.

– الثانية: وهو الفريق الذي نتفق معه في الرأي، فقد قال: إن الذات الإنسانية “النفس والعقل والروح” هي الإنسان الحقيقي.. ولما أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة خلق الجسد وركب في الذات الإنسانية فصار بشرا عاقلا واعيا مدركا.

– الثالثة: قالت الإنسان روح وجسد، والروح والنفس مترادفان، لا فرق بينهما، واعتقدت أن النفس تنشأ في الجسم نتيجة التقاء الروح به. مع أنه بين الروح والنفس اختلافات كثيرة، من بينها:

1- النفس تكون أحيانا أمارة بالسوء. أما الروح فهي من أمر الله هي خير مطلق.

2- النفس تتعرض للأمراض ” الأمراض النفسية”. أما الروح فلا تتعرض لمرض.

3- النفس تسعد للذات الدنيا. أما الروح فتسعد للحرمان منها وتتألق.

4- النفس مستودع المشاعر الإنسان ورغباته ودرجة إيمانه. أما الروح فسر بشرية الإنسان وسر خلوده وسر وعيه.

5- النفس تحاسب يوم القيامة: [كل نفس بما كسبت رهينة](المدثر:38). أما الروح فلا، لأنها من أمر الله فهي خير مطلق كما ذكرنا[12].

 

فما حقيقة القرآن؟ وما حقيقة الإنسان؟ و ما هي العلاقة بينهما وما وظيفة كل واحد منهما؟

 

وفي البحث عن هذه الأجوبة وما يتطلبه البحث من معلومات حاولت أن استقصي ما أمكن كل ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية من خبر عن الإنسان فيما له صلة بأصل خلقه ومعنى وجوده ومنتهى مآله. وكذلك حاولت بعد هذا أن أستحضر كل المراجع المتاحة لي والتي لها علاقة بموضوع البحث من بعيد أو من قريب.

 

على أن هدفي من هذا البحث هو أن أبرز حقيقة الإنسان التي طالما جهلها البعض، والبعض الآخر عرفها ولم يعطي لها حقها. وهذه الحقيقة تتجلى في الكرامة الإنسانية التي حرم منها اليوم أغلبية سكان العالم الذين يعيشون الحرمان والذل والقهر والهوان، والتي من أجلها الآن ينتفضون ويموتون، وكذلك أن أبرز أيضا قيمة الهداية القرآنية التي شقيت من غيابها البشرية وعاشت بدل السعادة الشقاء والضنك.

 أولا: حقيقــة القـــرآن

أ- نــــزول القـــــرآن

– مطلب مراحل نزول القرآن: نزل القرآن أول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر في رمضان، قال الله تعالى:[ إنا أنزلناه في ليلة القدر](القدر:1) ، [إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر حكيم](الدخان:3-4) ، [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان](البقرة:185).

وبالرجوع إلى صحيح البخاري والبداية والنهاية وكتاب فتح الباري نجد عمر النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل عليه القرآن أربعين سنة على المشهور عند أهل العلم. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وسعيد بن المسيّب وغيرهم. وهذه السن هي التي يكون بها بلوغ الرشد وكمال العقل وتمام الإدراك[13].

“وللقرآن الكريم تنزلان:

الأول: من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا (جملة واحدة) في ليلة القدر.

الثاني: من السماء الدنيا إلى الأرض (مفرقا) في مدة ثلاث وعشرين سنة.

 

أما التنزيل الأول: فقد كان في ليلة مباركة من ليالي الدهر هي (ليلة القدر)، أنزل فيها القرآن كاملا إلى (بيت العزة) في السماء الدنيا، ويدل عليه عدة نصوص وهي:

أ- قوله تعالى:[حم، والكتاب المبين، إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منزلين](الدخان:1-3).

ب- قوله تعالى: [إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر](القدر:1-2).

ج- وقوله تعالى: [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان] (البقرة:185).

 

فقد دلت هذه الآيات الثلاث على أن القرآن أنزل في ليلة واحدة، توصف بأنها مباركة، وتسمى (ليلة القدر)، وهي من ليالي شهر رمضان، ويتعين أن يكون هذا النزول هو النزول الأول إلى بيت العزة في السماء، لأنه لو أريد به النزول الثاني على النبي صلى الله عليه

وسلم لما صح أن يكون في ليلة واحدة، وفي شهر واحد هو (شهر رمضان) لأن القرآن إنما نزل في مدة طويلة هي مدة البعثة 23 سنة، ونزل في غير رمضان في جميع الأشهر، فتعين

أن يكون المراد به (النزول الأول) وقد جاءت الأخبار الصحيحة تؤيد ذلك منها:

أ- عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم[14].

ب- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض[15].

جـ- وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل نجوما”. رواه الطبراني. قوله نجوما: أي أجزاء متفرقة..

فهذه الروايات الثلاثة رواها السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) وبين أنها كلها صحيحة…[16].

 

التنزيل الثاني: فقد كان من السماء الدنيا على قلب النبي صلى الله عليه وسلم منجما (أي مفرقا) في مدة ثلاث وعشرين سنة، وهي من حين البعثة إلى حين وفاته صلوات الله وسلامه عليه. والدليل على هذا النزول وأنه منجما:

أ- قول الله تعالى في سورة الإسراء:[وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلا](الإسراء:106).

ب- وقوله تعالى في سورة الفرقان: [وقال الذين كفروا لولا نُزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا](الفرقان:32).

 

روي أن اليهود والمشركين عابوا على النبي صلى الله عليه وسلم نزول القرآن مفرقا، واقترحوا عليه أن ينزل جملة واحدة، حتى قال اليهود له: يا أبا القاسم لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى، فأنزل الله هاتين الآيتين ردا عليهم، وهذا الرد –كما يقول الزرقاني – يدل على أمرين:

أحدهما: أن القرآن نزل مفرقا على النبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني: أن الكتب السماوية قبله نزلت جملة، كما اشتهر ذلك بين جمهور العلماء حتى كاد يكون إجماعا[17].

وقد ذكر العلماء وجوها في حكمة إنزال القرآن منجما:

“منها: أنه أنزل هكذا ليُقوي به قلب الرسول فيعيه ويحفظه. فإنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، أما غيره من الرسل السابقين، فقد كانوا كاتبين قارئين، يمكنهم أن يضبطوا أو يحفظوا ما ينزل عليهم من الكتب جملة، وهذا ما أشار إليه بقوله: [كذلك لنُثبت به فؤادك](الفرقان:32).

ومنها: أنه اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون في القرآن ما هو ناسخ ومنسوخ، وهذا لا يتأتى

إلا فيما ينزل مفرقا.

 

ومنها: اقتضت الحكمة أن يكون منه ما هو جواب لسؤال، وما هو بيان لحكم ليكون ذلك أبعث على القبول، وأدعى للامتثال، ولا يتأتى ذلك إلا إذا نزل مفرقا.

 

ومنها: أن في تفريقه رحمة بالعباد، فإنهم كانوا قبل الإسلام في إباحة مطلقة، فلو نزل عليهم القرآن دفعة لثقلت عليه التكاليف، فتنفر قلوبهم عن قبول ما فيه من الأوامر والنواهي، ويوضح ذلك ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: “إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا”[18]،[19].

 

مطلب أول وآخر ما نزل من القرآن: تحدثت كثير من كتب الحديث والسير التي تناولت حياة النبي صلى الله عليه وسلم عن أول ما نزل من القرآن وكلهم أجمعوا (الجمهور) على أن أول ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم هو الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. فقد جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله:” أن أول ما نزل من القرآن على وجه الإطلاق قطعا الآيات الخمس الأولى من سورة “العلق” وهي قوله تعالى:[ اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم](العلق:1-5).

أما ما روي عن سيدنا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي رضي الله عنه أن أول ما أنزل:[يا أيها المدثر][20]. “فقد أوّله العلماء عدة تأويلات كلها صالح للتوفيق بين قوله وقول الجمهور.

منها: أن المراد أن المدثر أول ما نزل بعد فترة الوحي.

ومنها: أنها أول سورة كاملة نزلت من القرآن.

ومنها: أن المراد أنها أول ما نزل من القرآن خاصا بالرسالة، فإنه قد ورد فيها: [قم فأنذر]، أما قوله سبحانه: [اقرأ] فقد كان أول ما نزل على الإطلاق محققا للنبوة”[21].

اختلف العلماء في أخر ما نزل من القرآن في أقوال كثيرة، يمكن أن نجمل أشهرها فيما يلي:

قيل: إن آخر ما نزل قوله تعالى: [اليوم أكملت لكم دينكم](المائدة:3) ، فقد قال السدي[22]:إنه لم ينزل بعدها حلال ولا حرام.

وفي الصحيحين عن البراء بن عازب[23] أن آخر آية أنزلت آية (الكلالة)(النساء:176)[24].

وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: آخر سورة نزلت:[إذا جاء نصر الله](النصر:1)”[25]

 

ولعل أولى الأقوال بالاعتبار هو أن آخر ما أنزل قوله تعالى: [واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون](البقرة:281). أخرج غير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن آية: [واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله]. آخر ما نزل من القرآن[26]… وقد نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما فرغ من حجة الوداع، إشارة لمعناه، عليه الصلاة والسلام، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم لم يمكث بعدها إلا تسع ليال، أو سبعة أيام، وقيل مكث بعدها واحدا وعشرين يوما، ومن قبل ذلك نزلت عليه سورة النصر في أيام التشريق، وفهم منها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النعي أيضا.

أما قوله تعالى: [أكملت دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا] فقد نزل باتفاق العلماء يزم عرفة من حجة الوداع[27] قبل نزول سورة النصر…أما آية الكلالة التي

ورد أنها آخر ما نزل فكان نزولها قبل آية المائدة، فيحمل ما ورد فيها على أنها آخر ما نزل من آيات الأحكام، ولا يتعارض هذا مع ما قلناه كما هو ظاهر[28].

ب- أسبــــــاب النــــــزول

مطلب ما هو سبب نزول القرآن: معرفة (أسباب النزول) له أثر كبير في فهم الآية الكريمة، ولهذا اعتنى كثير من العلماء بمعرفة أسباب النزول، حتى أفرد له التصنيف جماعة من العلماء كان من أقدمهم (علي بن المديني) شيخ البخاري رحمه الله.. ومن أشهر ما كتب في هذا الفن كتاب (أسباب النزول) للواحدي، كما ألف فيه شيخ الإسلام (ابن حجر) وألف فيه أيضا العلامة (السيوطي) كتابا حافلا عظيما سماه (لباب النقول في أسباب النزول)[29].

ولأهمية هذا الفن في فهم معاني القرآن وتفسير آياته جاء التأكيد عليه على لسان العديد من العلماء. “قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها، وبيان نزولها.

وقال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.

وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمُسبب”[30].

يذكر الدكتور مناع القطان في كتابه (مباحث في علوم القرآن) تعريفا جامعا متفقا عليه من طرف المهتمين بهذا العلم أن سبب النزول يُعّرف بما يأتي:”هو ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال”.

ويضيف أن “من الإفراط في علم سبب النزول أن نتوسع فيه، ونجعل منه ما هو من سبيل الإخبار من الأحوال الماضية، والوقائع الغابرة، ويستشهد على هذا بقول السيوطي في كتابه (الإتقان)[31] يقول:” والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليُخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة. فإن ذلك ليس من أسباب التفسير في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك، وكذلك ذكره في قوله:[ واتخذ الله إبراهيم خليلا](النساء:125). سبب اتخاذه خليلا، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى[32].

ولا بد أن يكون سبب النزول قاصرا على أمرين:

1- أن تحدث حادثة فيتنزل القرآن الكريم بشأنها، وذلك كالذي رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [وأنذر عشيرتك الأقربين](الشعراء:214)، خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا  تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام، فنزلت هذه السورة:[ تبت يدا أبي لهب وتب] (المسد:1)[33].

 

2- أن يُسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فيتنزل القرآن ببيان الحكم فيه، كالذي كان من خولة بنت ثعلبة عندما ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، فذهبت تشتكي من ذلك، عن عائشة رضي الله عنها قالت:” تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تقول: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبُر سني وانقطع ولدي ظاهر مني! اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات:[ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها](المجادلة:1). وهو أوس بن الصامت”[34].

ولا يعني هذا أن يلتمس الإنسان لكل آية سببا، فإن القرآن لم يكن نزوله وقفا على الحوادث والوقائع، أو على السؤال والاستفسار، بل كان القرآن يتنزل ابتداء بعقائد الإيمان، وواجبات الإسلام، وشرائع الله تعالى في حياة الفرد وحياة الجماعة[35].

– مطلب فوائد معرفة أسباب نزول القرآن: معرفة أسباب النزول مهمة جدا، لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة منها:

1- بيان أن القرآن نزل من الله تعالى، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل عن الشيء فيتوقف عن الجواب أحيانا حتى ينزل عليه الوحي، أو يخفى عليه الأمر الواقع فينزل الوحي مبينا له.

مثال الأول: قوله تعالى: [يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا](الإسراء:85).

ففي صحيح البخاري[36] عن عبد الله بن مسعود رضي الله أن رجلا من اليهود قال: يا أب القاسم، ما الروح؟ فسكت- وفي لفظ: فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا،

فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي، قال: [يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي] الآية.

مثال الثاني: قوله تعالى:[ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرج الأعز منها الأذل] (المنافقون:8). ففي صحيح البخاري[37] أن زيد بن أرقم رضي الله عنه سمع عبد الله بن أُبي رأس المنافقين يقول ذلك، يريد أنه الأعز ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأذل، فأخبر زيد عمه بذلك، فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فأخبره بما سمع، ثم أرسل إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تصديق زيد في هذه الآية، فاستبان الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

2- بيان عناية الله تعالى برسول الله صلى الله عليه وسلم في الدفاع عنه. مثال ذلك قوله تعالى: [وقال الذين كفروا لولا نُزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت به فؤادك، ورتلناه ترتيلا](الفرقان:32). وكذلك آيات الإفك فإنها دفاع عن فراش النبي صلى الله عليه وسلم وتطهير له عما دنسه به الأفاكون.

 

3- بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم. مثال ذلك آية التيمم، ففي صحيح البخاري[38]، أنه ضاع عقد لعائشة رضي الله عنها وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم لطلبه وأقام الناس على غير ماء، فشكوا ذلك إلى أبي بكر- فذكر الحديث، وفيه: فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. والحديث في البخاري مطولا.

 

4- فهم الآية على الوجه الصحيح. مثال ذلك قوله تعالى: [إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما](البقرة:158) ، أي يسعى بينهما، فإن ظاهر قوله: [فلا جناح عليه] أن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم المباح. وفي صحيح البخاري[39]، عن عاصم بن سليمان أنه قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: [إن الصفا والمروة من شعائر الله]. إلى قوله: [أن يطوف بهما].

 

وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل الحكم السعي، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه حيث كانوا يرون أنهما من أمر الجاهلية. أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله: [من شعائر الله]”[40].

 

هذا ما ذكره ابن تيمية في مقدمته، وذكر الصابوني فوائد أخرى في كتاب التبيان اختصرها في ما يلي:

أ- معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.

ب- تخصيص الحكم بالسبب (عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب).

جـ- دفع توهم الحصر، فيما ظاهره الحصر.

د- معرفة اسم من نزلت في الآية، وتعيين المبهم فيها، إلى غير ما هنالك من فوائد أخرى جليلة”[41].

 ج- جمــــــع القــــــــرآن

“جمع القرآن يراد به أحد معنيين: الحفظ أو الكتابة.

الجمع بمعنى الحفظ: يقول فيه سبحانه وتعالى:[ إنا علينا جمعه وقرآنه](القيامة:17).

وكان أول الحفاظ: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه عنه أصحابه، وكانت العرب قوية الذاكرة، تستعيض عن الكتابة بقوة حفظها. ومن الحفاظ الذين جمعوا القرآن وحفظوه سبعة على حسب رواية البخاري: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء.

 

وتحمل هذه الرواية على أن هؤلاء هم الذين حفظوه كله، وعرضوه على النبي صلى الله عليه وسلم، واتصلت أسانيدهم بمن بعدهم إلى يومنا هذا وإلا قد حفظه الكثير فقد قتل في بئر معونة نحو سبعين، وقتل مثلهم يوم اليمامة”[42].

 

الجمع بمعنى الكتابة: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا للوحي من خيرة أصحابه منهم: علي، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاوية، فكان كلما نزلت آية دعاهم وأمرهم بكتابتها، وأرشدهم إلى موضعها من السورة التي يريد أن يلحقها بها…وكانوا يكتبون في جريد النخل [العسب] وصفائح الحجارة [اللخاف] والرقاع والأقتاب [الخشب الذي يوضع على ظهر البعير]، والأكتاف [عظم البعير أو الشاه].

 

وكان جبريل عليه السلام يعارض الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل سنة من رمضان. قال ابن عباس رضي الله عنه:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة”…

 

وقد لحق رسول الله بالرفيق الأعلى والقرآن مكتوب في السطور، ومحفوظ في الصدور، ولم يجمع في مصحف عام. قال الزركشي:” وإنما لم يكتب في عهد الرسول في مصحف لئلا يفضي تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته صلى الله عليه وسلم”. إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف لما يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة”[43].

– مطلب جمعه في عهد أبي بكر: نقل الإمام البخاري في صحيحه السياق الذي تم فيه جمع القرآن على عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأهم الدوافع التي كانت وراء ذلك، وهي قصة ننقلها بنصها لأهميتها.

 

عن زيد بن ثابت رضي الله أنه قال: “أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة (أي عقب استشهاد الحفاظ السبعين في معركة اليمامة) فإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل قد استحر (أي كثر واشتد) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء في كل المواطن فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت: وكيف أفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر رضي الله عنه: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله تعالى صدري للذي شرح الله له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي أرى.. قال زيد: فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبّع القرآن وأجمعه.. قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به.. فقلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر.. فتتبّعت القرآن أجمعه من اللّخاف، والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها عند أحد غيره:[ لقد جاءكم رسول من أنفسكم..] إلى [وهو رب العرش العظيم](التوبة:128-129). أي إلى آخر السورة.. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم أجمعين”.

 

فالسياق إذا استشهاد القراء، والدوافع والأسباب الخوف من ذهاب القرآن بذهاب أهله، فكانت المصلحة تقتضي جمعه في الصحف حفاظا عليه. أما فيما يخص تردد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه في أول وهلة فقد عزاه العلماء إلى خشيته رضي الله عنه “أن يتساهل الناس في استظهار القرآن وحفظه غيبا ويعتمدوا على وجوده في المصاحف فتضعف نفوسهم عن الحفظ”[44].

-مطلب جمعه في عهد عثمــان:  كان سبب جمع القرآن على عهد سيدنا عثمان يختلف عن سبب جمعه على عهد سيدنا أبي بكر وإن اتفقا في الهدف هو حفظ كتاب الله تعالى. إن كان سبب جمعه على عهد سيدنا أبي بكر هو الحفاظ عليه من موت القراء والحفّاظ، فإن سبب جمعه على عهد سينا عثمان هو حفظ كتاب الله من اختلاف القراء، ذلك أن الفتوحات الإسلامية اتسعت “في عهد عثمان وتفرق المسلمون في الأقطار والأمصار، واشتهر في كل

بلد من البلاد الإسلامية قراءة الصحابي الذي علمهم القرآن، فأهل الشام كانوا يقرأون بقراءة

(أبي بن كعب) وأهل الكوفة كانوا يقرأون بقراءة (عبد الله بن مسعود)، وغيرهم كان يقرأ بقراءة (أبي موسى الأشعري)، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءات، حتى كاد الأمر يصل إلى النزاع والشقاق بينهم”[45].

 

ويؤكد هذا المعطى ويوضحه ما جاء في صحيح البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:” أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص، وعبد الرحمان بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا المصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق”[46].

 

 

– ألكسيس كاريل، الإنسان ذلك المجهول، تعريب: شفيق أسعد فريد، ط1، 2003 ، مكتبة المعارف، بيروت، ص:24.[1]

2- ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، من شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ط:1، دار ابن الجوزي القاهرة، ص: 129ـ130.

[3]محمد علي الصابوني، التبيان في علوم القرآن، ط1، 1985، عالم الكتب بيروت ص:11.

نفس المرجع، ص:9.[4]

– رواه البخاري.[5]

– رواه مسلم.[6]

– رواه مسلم.[7]

– رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.[8]

– رواه أبو داود وهو حديث حسن.[9]

أمير عبد العزيز، الإنسان في الإسلام، ط2، 1986، دار الفرقان مؤسسة الرسالة بيروت، ص:11.[10]

 -[11] شوقي إبراهيم، الروح والنفس والعقل والقرين أحمد، ط: 4،2008، شركة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة، ص:18-20.

 

-[12]  الروح والنفس والعقل والقرين، ص:57-59.

 

-[13] ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، شرح الشيخ بن صالح العثيمين، ص:145.

  رواه الحاكم.-[14]

رواه الحاكم والبيهقي. -[15]

 نظر السيوطي الإتقان في علوم القرآن (ص:42).-[16]

التبيان في علوم القرآن، (ص:31-34).-[17]

أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب تأليف القرآن رقم: 4707.[18]

19– محمد علي السايس، تاريخ الفقه الإسلامي، تحقيق: محمد وهبي سليمان، ط1 سنة 1999، دار الفكر بدمشق، ص: 35-36.

– أخرجه البخاري في بدء الوحي، باب:كيف كان بجء الوحي، رقم:4، ومسلم في الإيمان باب: بدء الوحي، رقم:161.[20]

تاريخ الفقه الإسلامي، (ص:39).[21]

22– هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: من التابعين، حجازي الأصل سكن الكوفة عالم بالتفسير والمغازي والسير، توفي سنة 128هـ.

23- هو البراء بن عازب الخزرجي، صحابي بن الصحابي، أسلم صغيرا، شهد الخندق وما بعدها، كان أميرا لعثمان على الري بفارس، توفي سنة واحد وسبعين هجرية.

[24]أخرجه البخاري في المغازي، باب حج أبي بكر بالناس سنة 9، رقم:4106، ومسلم في الفرائض، باب: آخر آية نزلت آية الكلالة، رقم:1618.

[25] رواه مسلم في التفسير رقم:3024.

– أخرجه الطبري في تفسيره جامع البيان عند تفسير هذه الآية، انظر جامع البيان: 3/76.[26]

أخرجه مسلم في التفسير، رقم:3017.[27]

تاريخ الفقه الإسلامي، (ص: 39-41).[28]

التبيان في علوم القرآن، (ص:19).[29]

نفس المرجع السابق، (ص:21).[30]

– انظر الإتقان في عوم القرآن، للإمام السيوطي، (1/31).[31]

– مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ط:7، الناشر مكتبة وهبة القاهرة مصر، ص:74.[32]

– أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.[33]

– أخرجه ابن ماجة وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي.[34]

– مباحث في علوم القرآن ص:74.[35]

36– أخرجه البخاري تعليقا في كتاب التوحيد باب:9 عن عائشة رضي الله عنها، ووصله أحمد (6/46)، والنسائي (6/168)، وابن ماجة (188).

– البخاري رقم:4900، ومسلم رقم: 2772.[37]

– البخاري رقم:334، ومسلم: 367.[38]

– البخاري رقم 4496، ومسلم رقم: 1278 لكن بغير هذا السياق.[39]

– شرح مقدمة في أصول التفسير، (ص:160-165).[40]

– التبيان في علوم القرآن، (ص:21).[41]

السيد سابق، مصادر التشريع الإسلامي، ص:12-13.[42]

نفس المرجع، ص: 14-17.[43]

التبيان في علوم القرآن ص:55.[44]

التبيان في علوم القرآن ص:59-60.[45]

– انظر صحيح البخاري باب جمع القرآن.[46]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.