ملامح المدرسة السحنونية في التربية والسياسة، دراسة في التراجم والنوازل

مـقـدمـة

لقد انتبه الباحثون في التاريخ منذ زمن إٍلى أهميَّة كتب النوازل الفقهيَّة في رسم صورة صادقة عن تفاصيل المجتمعات العربيَّة والإسلامية، في مختلف الجوانب السياسيَّة والاقتصادية، وفي تجلية أحوال الحياة الاجتماعية والثقافيَّة؛ فكثيراً ما يرد فيها من الحيثيات المفيدة ما لا تعبأ به الكتب الموضوعة للتاريخ أصالة. وفي نفس السياق نلفي مدونات التراجم والبرامج والفهارس والمشيخات…، لا تقل أهمية عن كتب النوازل في إمدادنا بالوقائع والمعطيات التي تسهم في تركيب صورة متكاملة للتاريخ بأبعاده المختلفة.

إن العمل على تنويع وتكامل مصادر الاستمداد التاريخي يصبح أمرا لا غنى عنه لمن يروم الوفاء بالمقصدين الأساسين للدرس التاريخي، أعني مقصد التوثيق التاريخي واستحضار الزمن الماضي بوقائعه وشخوصه ومعطياته، بأقصى ما يستطاع من الدقة في الوصف والأمانة في النقل؛ ثم مقصد الاعتبار التاريخي واستلهام الدروس والعظات للعيش في الزمن الحاضر بوعي منفتح وممتد في عمق التجارب الإنسانية.

إن كتب التاريخ تفيد في تصور الإطار السياسي والاقتصادي العام، وكتب النوازل أدق منها في تصوير الحالة الاجتماعية والثقافية للمرحلة التاريخية ذاتها، ثم تأتي كتب التراجم لتسُدّ مسدا أساسيا في التعرف عن كثب على الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في حركية التاريخ، فضلا عن مدونات أخرى متخصصة -وكذا آثار وشواهد غير مكتوبة- تتيح التعرف على جوانب خفية من الحقيقة التاريخية.

من هذا المنطلق فإن الباحث في تاريخ الأغالبة -على سبيل المثال- لا يسعه أن ييمّم شطر كتب التاريخ، ويصرف نظره عن مدونات الفقه والفكر والأدب والتراجم التي ألفت في تلك المرحلة، فإنها حبلى بالإفادات التاريخية؛ ولعل ذلك ما اهتدى إليه المؤرخ التونسي محمد الطالبي، مؤلف كتاب “الدولة الأغلبية (184-296 / 909-808)، التاريخ السياسي”[1]، حيث لم ينحصر عند عتبات التاريخ السياسي، بل نقب فيما أمكنه من كتب النوازل والتراجم وغيرها للفترة نفسها، قال محقق كتاب “الأجوبة” لمحمد ابن سحنون: “وحين اعتنى الأستاذ البحاثة محمد الطالبي بالعصر الأغلبي فألف فيه أطروحته “الإمارة الأغلبية”، دفعه اهتمامه بهذا العصر إلى أن اعتمد -خلال فترة ماضية في دروسه التطبيقية بالجامعة التونسية- على كتاب “الأجوبة”، فطلب منا الإذن ليختار منها بعض النماذج التي تكشف عن ثقافة الرجل الموسوعية، وقدرته الفائقة على استنطاق النصوص، والتشبع بالمذهب المالكي”[2]؛ كما نجد للمؤرخ ذاته اهتماما بتراجم علماء الدولة الأغلبية، وفي ذلك ألف كتابه “تراجم أغلبيّة مستخرجة من مدارك القاضي عياض”[3]، فإن الاستقصاء التاريخي لا يستوي على سوقه إلا بتلك المصادر المتنوعة كلها.

ولا غرو أن يعرض محقق “الأجوبة” -وهو كتاب نوازل- هذا السفر “باعتباره كتاب حضارة وكتاب فقه في آن؛ فهو يبرز عصر نهضة الأغالبة بالقيروان، ويوقف قارئه على أهم خصائصه ومميزاته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن مواقف مفكريه وفقهائه وأعلامه، من خلال مسائل فقهية مختلفة ألقاها على الإمام محمد بن سحنون تلميذه المجدّ محمد بن سالم”[4].

ولا أبتعد كثيرا عن المثال المضروب للحقبة التاريخية، فسأبقى في الفترة الأغلبية، غير أني سأنظر إليها لا من زاوية النظر التاريخي العام، بل سأكتفي بفتح نافذة صغيرة أبتغي من خلالها رصد بعض الملامح التربوية والسياسية لدى واحدة من أشهر بيوتات العلم بالقيروان إبان الحكم الأغلبي، إنها المدرسة السحنونية التي كان لها كبير الأثر في التربية والتعليم تنظيرا وممارسة، كما كان لها الذكر الحسن في بناء الرجال وصناعة المواقف.

تلكم النافذة الصغيرة، ربما تكون كذلك من ناحية عدم وفائها بالمقصد الأول المشار إليه آنفا، نعم إنها زاوية نظر ضيقة لا تسمح بالإطلال على رحابة التاريخ الأغلبي بقسمات وجوهه المتعددة سياسيا واقتصاديا وعسكرا وثقافيا واجتماعيا… غير أنها من ناحية المقصد الثاني، مقصد الاعتبار والاستبصار، ليست بصغيرة ولا ضيقة البتة، فهي تدعو المعتبر إلى مأدبة متخمة بالدروس، ليس أولها سيرة العالم العامل، أو علاقة العالم بالحاكم، ولا آخرها دروس الثبات على المبادئ أو القوة في الحق، أو نشدان العدالة المطلقة… فتلك عبر ناصعة من المدرسة السحنونية تتناول الكثير من مدلهمات اللحظة الراهنة، {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [سورة ق، 37]، ” ألقى السمع فيما غاب عنه بالأخبار، وهو شهيد فيما عاينه بالحضور.”[5]

أولا. آل سحنون، بيت العلم والأدب

الأسرة السحنونية بيت علم وفضل، ارتفع نجمها بالانتساب إلى الفقيه الشهير عبد السلام سحنون بن سعيد، وهي أسرة شامية من قبيلة تنوخ وافدة على القيروان، إذ كان أول مقدمها حين وفد سعيد أبو سحنون في جند حمص إليها. وقد ذكرت التراجم من رجالات هذه الأسرة عبد السلام الشهير بسحنون، وابنه محمدا، وحبيبا الأخ الأكبر لسحنون وكان فقيها صالحا، وأبا جعفر أحمد بن لبدة وهو ابن أخي سحنون من الفقهاء والوجهاء. غير أن الأولين قد طبقت شهرتهما الآفاق، وهما المعنيان أصالة بالأسرة السحنونية، لأن ذكرهما بقي مخلدا بما عرفا به من العلم والعمل، وبما خلفا من الكتب النافعة الجليلة.

ولكن كيف يستقيم أن نجمع في سلك واحد بين الابن وأبيه، ونجعلهما مدرسة واحدة لها ملامح خاصة في التربية والسياسة؟ أليس الأولى أن ينظر إلى كل واحد منهما نظرا مستقلا بوصفه عالما فقيها له آراؤه الخاصة؟ فتنتفي بذلك فائدة الجمع بينهما في مدرسة واحدة، ولا يعود لمعنى الأسرة إلا علاقة القربى العادية؟

إن الداعي إلى عدّها مدرسة ذات معالم بارزة في التربية والشأن العام، ليس الرابطة الدموية طبعا، بل اشتراك الأب وابنه في التأسيس لاختيارات نظرية وعملية أثرت أيما تأثير في تخريج أجيال من العلماء والنظار ممن يدينون لهما بالفضل، ويثنون على سيرتهما العلمية والعملية، ويحلونهما محل القدوة الطيبة؛ كما أن جهودهما التربوية ومواقفهما في الشأن السياسي مشتركة بينهما، فهما شريكا الكلمة والموقف/ العلم والعمل، فالأب عالم مدرس للفقه والابن وحيده من الذكور، وهو مساعده في التدريس ومتم عمله العلمي، والأب تولى القضاء وابتلي بما جلب عليه من النوازل والمواقف العصيبة، والابن معاونه في ذلك وحافظ سجله وسفيره في المهمات الصعبة.

1. الإمام سحنون بن سعيد [160هـ – 240هـ]

الإمام العلامة، فقيه المغرب، أبو سعيد عبد السلام بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة بن عبد الله التنوخي، الحمصي الأصل، المغربي القيرواني المالكي، قاضي القيروان وصاحب “المدونة”، ويلقب بسحنون وهو اسم طائر حديد النظر لحدّته في المسائل.[6]

له رحلة إلى مصر والحجاز في حياة مالك لكنه لم يلتق به، “قال سحنون: كنت عند ابن القاسم، وجوابات مالك ترد عليه، فقيل له: فما منعك من السماع منه. قال قلة الدراهم. وقال مرة أخرى لحى الله الفقر، فلولاه لأدركت مالكا”[7]، فأخذ عن تلامذة مالك وكان من النوابغ المتفوقين في الدرس والتحصيل.

تذكر مصادر ترجمة سحنون أنه كان يطلب العلم بإخلاص نية وصدق، مما جعل البهلول بن راشد –وهو تلميذ مالك قيرواني معدود في كبار الفقهاء والزهاد- يوصي به خيرا ويكتب إلى علي بن زياد، أن يُسمع سحنون، وقال له: إنما كتبت إليك في رجل يطلب لله”، فما كان من زياد إلى أن يأخذ الموطأ –وهو من رواته عن مالك- ويأتي سحنونا في موضعه ليسمعه. [8]

رجع سحنون إلى القيروان عام واحد وتسعين ومائة للهجرة (191هـ)، مشبعا بعلم مالك الذي رواه عن أكابر أصحابه كابن القاسم، والقيروان حينذاك تحت حكم الأغالبة، الذين عرف أكثرهم بالقسوة والشدة والاستهانة بالدماء وجباية الضرائب، مع ميلهم إلى الاعتزال كالأمير أحمد بن الأغلب الذي امتحن العلماء -ومنهم سحنونا- بخلق القرآن؛ أما من الناحية الثقافية والتشريعية فقد كانت السطوة للفقهاء الأحناف (العراقيين)، الذين أطلق الحكام أيديهم في التضيق على المالكية (الحجازيين/ المدنيين) والتنكيل بهم، لما كان بينهم من المواطأة على عقائد المعتزلة.

كان ذلك الجو من المغالبة المذهبية حافزا لسحنون ليبث علم مالك ويدعم أركانه في القيروان وما حولها، كما كان دافعا له للانقباض عن الحكام واعتزالهم، وإبداء الصرامة والحزم في البراءة من ظلمهم وتشديد النكير عليهم؛ ولأجل ذينك العاملين أضحت جهود سحنون وابنه مدرسة في التربية والسياسة.

أما التربية والتعليم فقد بلغ فيهما شأوا بعيد، فقد “روي عن ابن عجلان الأندلسي قال: ما بورك لأحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه ما بورك لسحنون في أصحابه. فإنهم كانوا في كل بلد أئمة، قال ابن الحارث: سمعتهم يقولون كان سحنون من أيمن العلماء دخل المغرب، كأن أصحابه مصابيح في كل بلدة، عُدّ له نحو سبعمائة رجل، ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجالسه”.[9]

أما مدرسته السياسية فإنها كانت تمتح من رصيده المعرفي والأخلاقي، فقد نأى بنفسه عن حكام الجور وأقام عليهم الحجة، ثم أكرِه على تولي القضاء فبقي وفيّا لمبادئه، مُعليا لقيم العدالة على كل اعتبار، “اجتمعت في سحنون خلال قلما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم، والسماحة، كان ربما وصل إخوانه بالثلاثين دينارا، وكان لا يقبل من أحد شيئا، ولم يكن يهاب سلطانا في حق، شديدا على أهل البدع، انتشرت إمامته، وأجمعوا على فضله… كان لا يقبل من السلاطين شيئاً… ومناقبة كثيرة… وكان مع هذا رقيق القلب، غزير الدمعة، ظاهر الخشوع متواضعاً، قليل التصنع، كريم الأخلاق، حسن الأدب، سالم الصدر… انتشرت إمامته في المشرق والمغرب، وسلم له الإمامة أهل عصره، واجتمعوا على فضله وتقديمه، ومناقبه كثيرة قد ألف فيها أبو العرب التميمي كتابا مفردا.”[10]

تلك غرفة يسيرة من بحر خصال سحون وسجاياه، سنزيدها بيانا فيما يأتي، ولله در القائل في رثائه:[11]

من يُبصر البرق فوق الأفق قد لمعا   لما تسربل ثوب الليل وادّرعـا
ولّى لعمري بـأرض الغـرب قاطبـة ميت له البدو والحضار قـد خشعـا
لله أنـت إذا مـا هــاب فــاصلـة مـن القضاء بكيـل الحد فارتدعـا
هـناك برِّزت يـا سحنـون منـفرداً كسابق الخيـل لما بـان فانـقطعـا
فـاذهب فقيـداً حبـاك الله جنتـه واحصد من الخير ما قد كنت مزدرعا

2. محمد بن سحنون [202هـ – 256هـ]

نشأ محمد بن سحنون في بيت علم وأدب، وهو وحيد أبيه من الذكور، وظهرت عليه مخايل النباهة والذكاء صغيرا، فأحاطه أبوه بالعناية والتربية حتى أصبح من فرسان العلم والتأليف على حداثة سنه. كان سحنون يقول عن ابنه محمد: “ما أشبهه إلا بأشهب، وقال: ما غبنت في ابني محمد، إلا أني أخاف أن يكون عمره قصيراً، وكان يقول لمؤدبه: لا تؤدبه إلا بالكلام الطيب والمدح، فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف والضرب، واتركه على بختي، فإني أرجو أن يكون إمام وقته، وفريد أهل زمانه.”[12] وكل ذلك من فراسة أبيه تحقق فيه، فقد كان إماما في العلم والتربية، ولم يطل عمره أكثر من أربع وخمسين سنة.

ولأن كتاب التراجم قد فصلوا كثيرا في صفات محمد بن سحنون وعلمه وأحواله، فإني أختار نبذا من ذلك تعطي صورة عامة عن الرجل، لنمضي بعدها إلى استخلاص معالم مدرسته تربويا وسياسيا.

قال القاضي عياض في ترجمة ابن سحنون: “وكان الغالب عليه الفقه والمناظرة، وكان يحسن الحجة والذب عن السنة، والمذهب. قال ابن حارث: كان عالماً فقيهاً مبرزاً، منصرفاً في الفقه والنظر ومعرفة اختلاف الناس، والرد على أهل الأهواء، والذب عن مذهب مالك. وكان قد فتح له باب التأليف، وجلس مجلس أبيه بعد موته، قال يحيى بن عمر: كان ابن سحنون من أكثر الناس حجة، وأتقنهم بها، وكان يناظر أباه. وكان يسمع بعض كتب أبيه في حياته، يأخذها الناس عنه قبل خروج أبيه، فإذا خرج أبوه، قعد مع الناس يسمع معهم من أبيه… قيل لعيسى بن مسكين: من رأيت في العلم؟ فقال: محمد بن سحنون. وقال أيضاً: ما رأيت بعد سحنون مثل ابنه. وكان رأى جماعة بالمشرق وغيره. قال حمديس القطان: رأيت العلماء بمكة والمدينة ومصر، فما رأيت فيهم مثل سحنون ولا مثل ابنه بعده.”[13]

ويعد ابن سحنون من رجالات المذهب المالكي الذين دعموا أساساته بالغرب الإسلامي، لذلك قيل فيه: “لولا الشيخان والمحمدان والقاضيان لذهب المذهب، فالشيخان أبو محمد بن أبي زيد وأبو بكر الأبهري، والمحمدان محمد بن سحنون ومحمد بن المواز، والقاضيان أبو محمد عبد الوهاب وأبو الحسن القصار.”[14]

“وكان كثير الكتب غزير التأليف، له نحو مائتي كتاب في فنون العلم… قال ابن الجزار: كان ابن سحنون إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب، جامعاً لخلال قل ما اجتمعت في غيره من الفقه البارع، والعلم بالأثر والجدل والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز، سمحاً بماله، كريماً في معاشرته، نفاعاً للناس، مطاعاً، جواداً بماله وجاهه، وجيهاً عند الملوك والعامة، جيد النظر في الملمات.”[15]

وكان ابن سحنون خبيرا بفنون المناظرة، فقد كان يناظر أباه في الفقه، ويناظر أصحاب الرؤى المخالفة في الفقه والعقائد، من ذلك ما ذكر من مناظرته ليهودي، أورد عياض في ترتيب المدارك خبره قائلا: “وذكر أن رجلاً من أصحاب محمد دخل بمصر حماماً عليه رجل يهودي، فتناظر معه الرجل فغلبه اليهودي لقلة معرفة الرجل، فلما حج محمد بن سحنون صحبه الرجل (واحتال ليعقد المناظرة بين محمد واليهودي)… حتى حانت الصلاة فصلى محمد الظهر، ثم رجع معه إلى المناظرة، حتى كانت العصر، فصلاها، ثم كذلك العشاء، ثم إلى العشاء الآخرة، ثم إلى الفجر، وقد اجتمع الناس وشاع الخبر بمصر، الفقيه المغربي يناظر اليهودي، فلما كانت صلاة الفجر انقطع اليهودي، وتبين له الحق وأسلم. فكبّر الناس وعلت أصواتهم، فخرج محمد وهو يمسح العرق عن وجهه، وقال لصاحبه: لا جزاك الله خيراً، كاد أن يجري على يديك فتنة عظيمة، تناظر يهودياً وأنت بضعف، فإن ظهر عليك اليهودي لضعفك، افتتن من قدر الله فتنته، أو كما قال.”[16]

“وخلاصة القول إن مأثرة محمد بن سحنون العلمية لم تكن منحصرة فيما ألف من الكتب القيمة الكثيرة العدد والفائدة… بل إن مأثرته الكبرى ومزيته العظمى في نظرنا هو تأييده لتعاليم أبيه، وشرحها ونشرها بين الناس، ولا سيما السعي في توحيد كلمة سكان شمال إفريقية بغرس آراء أهل السنة وبالأخص آراء أهل المدينة –نعني مذهب مالك- في سائر أنحاء المغرب حتى صار اسم مالك بن أنس عند أهل إفريقية مقرونا باسم آل سحنون، والفضل في ذلك عائد إلى هذين العالمين المجتهدين نعني الإمام سحنون ثم ابنه وخليفته محمد، رضي الله تعالى عنهما وجازاهما عن الإسلام عموما وأهل المغرب خصوصا أوفر الجزاء وأجزله.”[17]

ثانيا. ملامح المدرسة التربوية السحنونية

  التربية في البيت السحنوني تأخذ أبعادها الكاملة، فسواء نظرنا إليها في بعدها الاصطلاحي الأصيل أي بمعنى التزكية والأثر النفسي والأخلاقي للعلم، أو أخذناها من زاوية التدريس ومجالس العلم، وسيان إن تناولناها من جهة التنظير لها  أو من ناحية الممارسة الفعلية لها، فكل ذلك من مشمولات المدرسة التربوية السحنونية؛  ومن ثم فإن الأمر يقتضي الوقوف عند ثلاثة أبعاد في الأثر التربوي لدى آل سحنون: التربية الأخلاقية أو صناعة النفس، والتربية النظرية أو صناعة العلم، والتربية العملية أو صناعة الرجال.

1. التربية الأخلاقية السحنونية

التربية في مفهومها الإسلامي هي التزام أخلاقي ذاتي أولا ، قبل أن تكون جهدا نظريا أو ممارسة عملية في تدريس الآخرين، ولقد كانت التجربة التربوية الإسلامية رائدة في الربط بين المقاصد العلمية النظرية والآثار العملية المترتبة عليها مما يتحلى به الشخص من سلوك قويم وخلق رفيع.

ارتباط العلم بالعمل

كانت سيرة البيت السحنوني مضربا للمثل في ما ينبغي أن يكون عليه العلماء من أدب وعبادة ومجاهدة للنفس، لم تكن الأوساط التربوية على عهد سحنون قد عرفت بعد ذلك الفصل البيّن والتمايز التام بين مقام العالم ومقام العابد، فقد كان من شأن العالم أن يكون من العباد الصالحين. إنه الفصل الذي تحول مع الزمن إلى نظام اجتماعي وتربوي أساء للمفاهيم الإسلامية الأصيلة، حين أصبحت طائفة العلماء متمحضة لمهام العلم والتعليم والتأليف، وما يتبع ذلك من تولي الخطط والمناصب، وما يجره من تنافس في كسب المال والجاه، في حين أضحت طائفة العباد والزهاد من المتصوفة والطرقية تعلي من شأن الانقطاع للآخرة والتزكية الروحية ولو بغير علم أو هدى.

لقد كان السحنونان على شاكلة العلماء العاملين، لا انفصال عندهم بين العلم والعمل، فقد “روي عن سحنون قال: من لم يعمل بعلمه، لم ينفعه علمه، بل يضره.”[18] وذلك هو المبدأ الأصيل الذي أخذ به هذا العالم في نفسه وزرعه في من يؤدبهم ويعلمهم،  حتى كان الواحد من العلماء يقول “ما رأيت أحداً مثل سحنون في ورعه وفقهه وزهده. وكان يزيد بن بشير يبجل سحنون ويعظمه، وقال: كنت بتونس، فبلغني مقامه من الإسلام وبركته ويقدم إلي رجل من أصحابه فأعرف فيه الأدب، وربما قدم إلي رجل من عند حرملة فأعرف فيه قلة الأدب، فأقول له: فهلا كنت مثل من يؤدبه سحنون.”[19]

لقد احتفلت كتب التراجم بسيرة سحنون وابنه، وأفاضت في صفات الرجلين أخلاقيا ودينيا مما جعلهما من أئمة الهدى يحترمهما العدو قبل الصديق. ومن أبرز ما وصف به الرجلان: التواضع في غير مذلة، والسماحة والجود حيث يعمد أحدهما إلى غلته السنوية من زراعته فيقسمها نصفين بين أهله والفقراء، أو يتصدق بثروة من الذهب تغني رجلا افتقر برغم عداوته وإذايته المتكررة، فضلا عن مراعاة حق الله وترويض النفس بالتهجد والذكر والاحتياط في الفتوى والبعد عن الشبهات “قال سحنون: إذا أتى الرجل مجلس القاضي ثلاثة أيام متوالية بلا حاجة، فينبغي أن لا تقبل شهادته”، والزهادة في المناصب فلم يقبل سحنون القضاء إلا بعد التهديد وبعد تحقق جملة من الدواعي والشروط. وقد وصفه بعضهم بقوله: “كان سحنون صمته لله وكلامه لله، إذا أعجبه الكلام صمت وإذا أعجبه الصمت تكلم”[20] وما ذلك إلا لمخالفة هوى النفس، فإن محبة الكلام لا تكون إلا في مواطن المراء والجدل أو حب الظهور والسمعة، أما محبة الصمت فلا تكون إلا عند خشية الكلام بما يخالف رغبة السلطان القاهر. قال سحنون: ما وجدت من باع آخرته بدنيا غيره إلا المفتي.

مكانة العالم العامل

“كان علماء القيروان حراسا للدرس الفقهي، ينفون عن طلبته الشوائب والمزلات، سواء في جانب الخلق والديانة، أو في جانب المنهج والطرائق، أو في جانب القيم التربوية المستصحبة”[21]. لقد كان ذلك الشمول والتكامل بين العلم والعمل في شخصية العالم هو سر الاحترام الذي يحظى به عند المخالف قبل الموافق، بل كان ذلك يجللهم برداء الهيبة في قلب عدوهم فلا يجترئ عليهم، فقد أرسل الأمير زيادة الله إلى عامله على القيروان أن يضرب سحنونا خمسمائة سوط ويحلق لحيته ورأسه، فحبس الوزير البريد عن العامل، ودخل على الأمير ونصحه بألا يفعل، فإن الغير إنما هلك بضربه لبهلول بن راشد – وهو شيخ سحنون، وتلميذ مالك، عرف بالعلم والصلاح-، فقال الأمير وهذا مثل بهلول؟ قال: نعم. فتوقف الأمير وشكر وزيره.[22]

أما حين يكون العالم لا يفضل العامة والدهماء إلا بالقول الفصيح والعلم النظري المجرد عن العمل، وهم يرونه متلبسا بشتى النقائص والرذائل، متهافتا على الدنيا مقصرا في الدعوة والصبر على أعبائها، فإن ذلك مما يسقط مكانته في المجتمع، ويجعله مثار سخطهم ونقدهم، إلى أن وصل الحد أن يهجو أحد الشعراء فقهاء زمانه لما تحولوا إلى طلاب دنيا بفقههم، قال:[23]

أهـل الرّيـاء لبستـم نامـوسكـم      كالذئب أدلـج في الظـلام العاتـم
فمـلكـتـم الدنـيـا بمذهـب مالـك      و قسمتـم الأمـوال بابـن القاسـم
و ركبتم شهب الدوابّ بأشهب      و بأصبغ صبغت لكم في العالم

لقد كان سحنون يأنف من تسخير العلم لكسب الدنيا، ويقول في ذلك: “أكل أموال الناس بالمسكنة والصدقة خير من أكله بالعلم والقرآن.”[24]

2. مجالس التعليم السحنونية

سجل الشيخ الطاهر بن عاشور ملاحظة مهمة بشأن نشوء العلم وتطوره بالقيروان، تجعله حالة جديرة بالاهتمام، قال: “ومن العجب أن تقدم العلوم بأفريقية كان من تلقاء طلبة العلم لولوعهم به ولم يكن من همة الأمراء في شيء كما كان الأمر بالمشرق والأندلس… لم يستمد تعليم إفريقية من المشرق في زمن تقدمه بل وقف الأمر بعد قدوم سحنون سنة 191هـ واشتغل علماؤها بالأخذ عنه لما رأوا من سعة علمه ونقده… ومنذ ولاية سحنون قضاء إفريقية وتوابعها يومئذ وظهور الحاجة إلى قضاة البلدان، عكف الناس على الفقه الصحيح سعيا وراء شهرة مثل شهرة سحنون في علمه وعدله.”[25]

لقد أسس سحنون وابنه من بعده، لمبدإ استقلالية العلم وتحرره عن كل سلطة سياسية أو اقتصادية، فضرب في ذلك أروع الأمثلة، وسأذكر نزرا من ذلك.

استقلالية العالم عن الحاكم

كما لا ينبغي أن يسخر العلم لكسب الدنيا، فإنه من باب أولى أن لا يُبذل للغير يكسب به وجاهة أو مالا أو سلطانا يقهر به الناس ويعتدي عليهم؛ لقد كان ذلك شأن سحنون مهما كلفه من مكابدة ومشقة زائدة، “قيل له: يا أبا سعيد، كيف يسعك أن تترك الطلبة، وحاجتهم إليك، وتخرج إلى البادية فتغيب بها الشهور الكثيرة؟ قال أتريدون أن تروا كتبي بهذا الغدير؟! قال: احتاج إلى دراهم هؤلاء، يعني السّلاطين، فآخذها، فتطرح كتبي.”[26]

إن الحاكم المستبد لا يلجأ في العادة إلى العالم رغبة في علمه واعترافا بفضله، إنما يفعل ذلك طمعا في الدنيا وإيثارا للجاه والسلطان، فهو يرى للعالم سلطة معنوية على الناس وقبولا لديهم، فيقربه إليه ويغدق عليه، ليضيف سلطته العلمية إلى قوة الحكم وجبروته، حتى إذا سلبه سلطته ومكانته في المجتمع تخلص منه وأبعده. لقد كان سحنون يدرك ذلك جيدا، فجعل حدا فاصلا بين السلطتين العلمية والسياسية، حتى لا يتحول إلى آلة يستخدمها حكام الجور لتدعيم سلطانهم.

إن استقلالية العالم عن الحاكم لا تتأتى إلا بالزهادة في أموال السلاطين، والثبات على موقف النأي بالنفس عن مخالطتهم وممالأتهم، ويكفي في تصوير حال سحنون مع الحكام ما قاله هو عن نفسه في ذلك: “ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه، فيسأل عنه، فيقال هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي، فإن هذا وشبهه شر من علماء بني إسرائيل، وبلغني أنهم يحدثونهم من الرخص ما يحبون مما ليس عليه العمل، ويتركون ما عليه العمل، وفيه النجاة لهم، كراهة أن يشتغلوهم، ولعمري لو فعلوا ذلك لنجوا ووجب أجرهم على الله؛ فو الله لقد ابتليت بهذا القضاء وبهم، و والله ما أكلت لهم لقمة، ولا شربت لهم شربة، ولا لبست لهم ثوبا، ولا ركبت لهم دابة، وما أخذت لهم صلة. وإني لأدخل عليهم فأكلمهم بالتشديد، وما عليه العمل وفيه النجاة، ثم أخرج عنهم فأحاسب نفسي فأجد علي الدرك مع ما ألقاه به في الشدة والغلظة وكثرة مخالفتي هواهم ووعظي لهم، فوددت أن أنجو مما دخلت فيه كفافا.”[27]

ومن العجب أن يبقى ابن سحنون وفيا للمبدإ الذي تشربه عن أبيه، حتى في حالة الوفاة والعزاء، فحين توفي والده “وجه إليه محمد بن الأغلب بكفن وحنوط، فاحتال ابنه محمد حتى كفن في غيره، وتصدق بذلك.”[28] إنه مبدأ الاستقلالية والتنزه عن أموال الأمراء التي لا تخلو عن الشبه والمظالم، فكما عاش سحنون عصاميا شريفا متنزها، ينبغي أن يموت كذلك ويشيع إلى أخراه على نفس الحال؛ وذلك من بر الولد بأبيه وإخلاصه لتربيته وتعليمه.

الصراع الخفي بين التربية والسياسة

لقد كان التعليم الذي يرعاه البيت السحنوني في قلب المواجهة مع النمط السياسي السائد، فمع فطريته وبساطة وسائله إلا أنه كان يحسن إدارة دواليب الصراع الخفي بين التربية والسياسة، أو بين المدرسة والدولة. فليس المهم في سياق المغالبة المذكورة أن تكون المدرسة مؤسسة قائمة الذات لها ترتيبات وتشريعات تربوية، ولكن المعول عليه هنا هو مدى الأثر الذي تتركه في روادها، وما قوة التنوير الذي تبعثه في نفوسهم؟ وهل بإمكانها تحويل المقاصد المعرفية إلى أهداف وجدانية ومواقف عملية؟

أما من ناحية المؤسسة المادية، فلا تكاد توجد في التجربة السحنونية، بل هي مجالس للعلم في غاية البساطة، يصف أحد تلامذة سحنون ذلك قائلا: “كان سحنون يجلس للسماع على باب داره، ونحن نجلس على الأرض إلا من أتى منا بحصير… فخرج علينا يوما وعلى كتفه المحراث، وبين يديه زوج بقر، فقال لنا: إن الغلام حُمَّ البارحة، فإذا فرغت أسمعتكم، فقلت له: أنا أذهب وأحرث وأنت تسمع أصحابنا، فإذا جئت قرأت عليك ما فاتني، ففعل. فلما جئته قرّب إليّ غداءه، خبز شعير وزيتا قديما.”[29]

أما من ناحية الأثر التربوي والفاعلية في التعليم، فقد بلغت مدرسة سحنون شأوا عظيما في ذلك، ولعل من ابرز ملامح ذلك ما أذكره اختصارا في الآتي:

  • انفتاح مجالس العلم على المجتمع، وتبنيها لمشاكل الناس وقضاياهم، فإنه “من أهم خصائص الدرس الفقهي بالقيروان أنه ساير واقع الناس وحمل همومهم وأجاب عن نوازلهم، فضلا عما اضطلع به من خدمة علمية أثرت المذهب المالكي خصوصا والبحث الفقهي عموما… ويعد الإمام سحنون الفقيه المرسخ لهذا التواصل الحي بين الفقيه والناس بإفريقية، إذ ربط العامة بمجالس العلم وجعل الدرس الفقهي مهتما بشؤونهم ومشاغلهم حذو اهتمامه بالقضايا النظرية والتعليمية.”[30]
  • شمول المجالس السحنونية سواء من حيث محتوياتها التعليمية، فقد كانت مجالس علم وأدب وفقه وتربية، أو من حيث روادها فقد “كان الذين يحضرون مجلس سحنون من العباد أكثر من يحضره من طلبة العلم، كانوا يأتونه من أقطار الأرض”[31]. ومع أن سحنونا دخل القيروان وهي مالكية قبله، فقد رحل إليها أكثر من ثلاثين رجلا كلهم لقي مالكا بن أنس وسمع منه، غير أن سحنونا اجتمع له فضل الدين والعقل والورع والعفاف والانقباض، فبارك الله فيه للمسلمين، فمالت إليه الوجوه، أحبته القلوب وصار زمانه كأنه مبتدأ قد امحى ما قبله، فكان أصحابه سرج أهل القيروان، منهم ابنه أكثرهم تأليفا، وابن عبدوس فقيهها، وابن غانم عاقلها وابن عمرو حافظها وجبلة زاهدها وحمديس أصلبهم في السنة وأعذلهم للبدعة وسعيد بن حداد لسانها وفصيحها وابن مسكين أرواهم للكتب والحديث[32].
  • رسوخ الأثر التربوي في أصحاب سحنون، ويدل على ذلك أنهم كانوا بمثابة جنود تحت إمرته، حبا وطواعية وخضوعا لسلطته العلمية التربوية، التي تفوق سلطة مؤسسات الدولة، فحين كان قاضيا ووقع له خلاف مع الأمير الأغلبي وبعض القادة العسكريين في مسألة الحرائر المسبيات، التجأ سحنون إلى تلامذته ومحبيه، فأرسل إلى جميع البوادي في الصوفية فاجتمع إليه نحو من ألف رجل، فقال لهم اختاروا لي من أحداثكم مائتي شاب أريدهم لأمر يأجرني الله عليه، فلما صلى العشاء أمرهم أن يمضوا إلى دار القائد العسكري ويعلوا على إنفاذ الحق وتحرير المسبيات ظلما.[33]
  • استمرار الأثر التربوي بعد سحنون، بالرغم من أن مجالس العلم في القيروان قد تراجعت شيئا ما بعد وفاة السحنونين وانقراض الطبقة الأولى من تلاميذهم، بسبب الفتن السياسية وتغلب الشيعة على إفريقية عام 296 هـ، إلا أن الوعي الجمعي للقيروانين والإفريقيين عامة بقي مشدودا إلى الصورة الناصعة التي رسختها المدرسة السحنونية، لأن صناعة المجتمعات لا تكمل بالتعليم النظري الصرف فقط، بل لا بد من حصول القدوة والمثال، “لقد حاول الشّيعة أيّام بقائهم في تونس حمل النّاس على اتّباع مذهبهم، وسلكوا بذلك طرق البطش والتّرهيب، وأراقوا دماء مخالفيهم في الرأي لإرغامهم على اعتناق مبادئهم، فحدث التّصادم بين السّنيّين والشّيعة وخاصّة أتباع المذهب المالكي الذّين قاوموهم بشدّة وثبتوا أمامهم وذبّوا عن مذهبهم إلى أن أرغموهم على التّراجع وسلوك طريق الجدل والحجاج وإقامة المناظرات بين علماء الشّيعة وعلماء المالكيّة السّنة.”[34] إن العامة على قلة علمهم بالخلاف بين السنة والشيعة إلا أنهم كانوا منشدين إلى المثال السامق الذي خلفه سحنون وأصحابه علما وزهدا ورجولة، فلم يقبلوا الارتداد عن المثال إلى الواقع رغم ما فيه من الإكراه والإغراء.

توجهات تربوية خاصة

في سياق الحديث عن الممارسة العملية للتدريس في البيت السحنوني، تستوقفنا بعض الإشارات التربوية المتقدمة زمانا وقيمة، مما يعكس يوحي بأن التربية آنذاك قد بلغت تطورا نظريا وعمليا جعلها تتناول قضايا نفسية وتدريسية دقيقة، ولست هنا بصدد تتبع تلك الإشارات بل سأكتفي باثنتين منهما تدلان على اختيار تربوي واع من السحنونين:

  • الأول نستفيده من قول سحنون لمؤدب الصبيان بشأن ولده محمد: “لا تؤدبه إلا بالكلام الطيب والمدح، فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف والضرب، واتركه على بختي، فإني أرجو أن يكون إمام وقته، وفريد أهل زمانه”، ففيه إدراك لحقيقة الفروق بين المتعلمين، وأن لكل واحد منهم طبيعة خاصة، وقد كان يعرف الأب أن ابنه من الفئة التي ينفع معها المدح والكلام الطيب وليس التعنيف والشدة، وهو استثمار جيد للمعرفة بالنفس البشرية في التربية والتعليم؛ وذلك ما طورته التربية المعاصرة فيما يصطلح عليه تأثير بيجماليون،[35] للرفع من أداء المتعلمين من خلال المدح وتوقع المكانة العلمية الرفيعة لهم.
  • الثاني نستفيده من تلك ذلك الخلاف الخفي الواقع بين محمد بن سحنون ومحمد بن عبدوس، وكلاهما من كبار تلامذة سحنون ومن الأئمة المتبوعين، قال بعض تلامذة ابن عبدوس عنه: “كان… يلقي علينا المسائل فإذا أشكلت شرحها فلا يزال يفسرها حتى نفقهها، فيسرّ بذلك، وإن لم يرنا فهمناها غمّه. قال لقمان: بلغ ابن عبدوس أن محمد بن سحنون قال يوما: يتكلمون في الفقه ولعل أحدهم لو سئل عن اسم أبي هريرة ما عرفه، فكان ابن عبدوس ربما قال للرجل من أصحابه: افهم هذه المسألة فإنها أنفع لك من اسم أبي هريرة، وفي رواية عن حماس: هذا أحب إلي من معرفة اسم أبي سعيد الخدري، تعريضا بابن سحنون لعلمه بالرجال.”[36] إن هذا النص يرشدنا في حقيقة الأمر إلى خلاف تربوي في الاختيار بين الموسوعية والوظيفية، فإن ابن سحنون بحكم ثقافته الواسعة وتأليفه في الكثير من الفنون، كان يؤثر الموسوعية في دروسه، ولا يقبل من طلبته أن تغيب عنهم فرائد العلم وفوائده، من المعرفة بتراجم الأعلام وغيرها؛ أما ابن عبدوس بحكم تخصصه الفقهي – الذي تشهد له التراجم بأنه كان يتفوق فيه على ابن سحنون- فكان يعمل مبدأ الوظيفية في التدريس، فلا يرى للمعارف من فائدة في درس الفقه إلا بقدر ما تفيد في حصول ملكة التفقه. إنه خلاف تربوي دقيق لا تزال التربية المعاصرة تناقشه وينعكس أثره على المناهج التعليمة.

3. الجهود العلمية والتنظير التربوي السحنوني

الجهود العلمية

لقد كان أكبر عمل علمي قام به سحنون هو تأليفه للمدونة، وهي عبارة عن موسوعة فقهية تجمع أقوال مالك بن أنس وأجوبته في مختلف أبواب الفقه، وتدخل المدونة فيما بات يعرف بفقه السماعات أو الأسمعة، و”السماعات المدونة عن مالك قسمان: قد تكون جوابات عن أسئلة من سؤالات النوازل التي قد تقع ويسأل عنها مالك (الحكام من الأمصار) وقد تكون السماعات عن مالك جوابات منه عن أسئلة الطلاب التي كان يسمح بها بمقدار ما يرى من أهليتهم ومستواهم وجديتهم سواء وقعت فعلا أم لم تقع”[37]

وتفيدنا النصوص أن ولع المغاربة بالمدونة، كان بسبب أنها نقلت مذهب مالك كما أراده صاحبه مرتبطا بالأصول الشرعية وملتزما بالآثار ومعليا من شأنها في مقابل التقليل من الرأي والقياس، فإن أسد ابن الفرات كان أسبق من سحنون في نقل أقوال مالك، حيث أتى بالأسدية وكتبها عنه الناس واشتهر بذلك، غير أن الناس أنكروا عليه استعمال منهج العراقيين “وقالوا أجئتنا بإخال وأظن وأحسب، وتركت الآثار وما عليه السلف؟ فقال: أما علمتم أن قول السلف هو رأي لهم وأثر لمن بعدهم؟ ولقد كنت أسأل ابن القاسم من مسألة فيجيبني فيها فأقول له: هو قول مالك؟ فيقول كذا إخال وأرى وكان وربما ورَعاً، يكره أن يهجم على الجواب… قال ابن الحارث: رحل سحنون إلى ابن القاسم وقد تفقه في علم مالك، فكاشف ابن القاسم عن هذه الكتب مكاشفة فقيه يفهم فهذبها مع سحنون… وبوبها ودونها وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيل أبوابها بالحديث والآثار، إلا كتبا منها متفرقة بقيت على أصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون المدونة والمختلطة وهي أصل المذهب المرجح روايتها على غيرها عند المغاربة”[38]

فقد تمثل جهد سحنون في تأليف المدونة في قضايا أساسية حفظت المذهب وأعادته إلى أصوله الموثوقة، أذكر من تلك القضايا ما يأتي: – تغيير بعض أقوال ابن القاسم السابقة (التصحيح على أصوله) – الإجابة عما كان شك فيه – استدراك أشياء أخرى كثيرة – إضافة التعزيز بالأحاديث والآثار (إلا كتبا منها) – بيان خلاف أصحاب مالك ما اختار ذكره – التهذيب والتبويب فلم تبق مختلطة. بذلك حاول إبعاد الصفة العراقية عنها (إخال وأسحب الغالبة على الأسدية)، وربطها بالمنهج الأثري المالكي.[39]

ويعلم مما سبق أن بداية التفقه بالغرب الإسلامي كانت عبر فقه النوازل، فإن السماعات كانت عبارة عن أسئلة واقعية تهم مشاكل الناس وقضاياهم، أجاب عنها مالك ونقلها سحنون في الأصقاع محررة مؤصلة، ثم بقي هذا المسلك في التفقه حاضرا وكثرت فيه التآليف، ككتاب الأجوبة لابن سحنون الآتي.

كتاب الأجوبة لمحمد بن سحنون

عُرف ابن سحنون بغزارة التأليف في شتى الفنون، واشتهر من كتبه “رسالة المعلمين” وسنخصها بنبذة تعريفية بعد هذا، كما اشتهر كتابه “الأجوبة” وهو من أقدم كتب النوازل في المذهب المالكي، إذ أنه عبارة عن أسئلة وجهها إليه أحد تلامذته، فأجاب عنها محمد بمعرفته الفقهية الواسعة.

“إن المتأمل لهذه الأجوبة يجد أنها غالبا ما تمس العلاقات الاجتماعية، والمعاملات البشرية، فلم تكن “الأجوبة” كتاب دراسة للتعليم والتعلم حسب أبواب معينة، وإنما كان القصد منها إلقاء الضوء على ما يجدّ من مشاكل في المجتمع القيرواني ونحوه، وإيجاد الحلول لها اعتمادا على آراء من سبقه من العلماء المجتهدين من ناحية، وتبعا للمستحدثات والمستجدات في ذلك العصر من ناحية أخرى.”[40]

يصور لنا كتاب الأجوبة الكثير من الجوانب الاجتماعية والثقافية للمجتمع القيرواني في ذلك العهد، فقد تنوعت الأسئلة بين مسائل العبادات والمعاملات المالية والشهادات والجرائم والعقوبات والقضايا الأسرية…

الجهود التنظيرية (رسالة في التربية)

تعد رسالة آداب المعلمين لمحمد ابن سحنون من أقدم الكتب الموضوعة في التربية استقلالا، وذلك مما يدعم مسألة اعتبار البيت السحنوني مدرسة تربوية، فقد اكتملت فيه النظرية بالممارسة، وكان لها السبق والتأصيل لهذا المجال المعرفي. وتدخل هاته الرسالة ضمن البحث في التشريع التربوي، لأنها تنظر للتربية من زاوية التصرفات المأذونة والمحظورة والجوانب التنظيمية للتعليم، كتدبير زمن التدريس والعطل، والإخبار بغياب المتعلمين، وشروط الضرب التأديبي، والعدل بين التلاميذ، وفصل الذكور عن الإناث، ووجوب مراقبتهم والعناية بهم على المعلم، وتقنين شروط الاحتفالات المدرسية…

“وهذا الكتاب نص قصير بنحو (20) صفحة، ولكنه يعد أقدم ما وصلنا من كتب التراث المتخصصة في التعليم، وتدور موضوعاته حول واقع التعليم في ذلك العصر، وتتضمن أساسيات العلم في القرآن والفقه والحديث واللغة، وأخذ الأجر على التعليم، وحدود معاقبة المعلم للتلاميذ، وعلاقة المعلم بأولياء أمور التلاميذ، وأساليب التعليم من قراءة وكتابة وتسميع.”[41]

فتحت رسالة ابن سحنون التربوية الباب لمجال التنظير في التربية، إذ كتبت بعهده رسائل متخصصة تعالج الشأن التربوي كالرسالة المفصلة للقابسي وغيره، “وقد سارت تقاليد النشاط الفقهي عموما على هذا النهج، وهذا ما يفسر لنا المنحى الذي أخذه نقد مجالس الدرس لدى مالكية القيروان في هذه الحقبة، فقد اهتموا بتقويم مسار التحصيل العلمي وتقرير آداب الطالب، فألفوا في أحكام المعلمين وآداب المتعلمين ما لم يسبق إليه أحد من نظرائهم في الأمصار الأخرى، ومن ذلك كتاب آداب المعلمين لمحمد بن سحنون، وتلاه كتاب الرسالة المفصلة لأحكام المعلمين وأحوال المتعلمين” لأبي الحسن القابسي، وهاتان الرسالتان تقدمان صورة واضحة عن الشغل الشاغل لعلماء القيروان في هذا الميدان”.[42]

ثالثا. ملامح المدرسة السياسية السحنونية

لم تكن السياسة السحنونية مشاركة فعلية في الحكم أو تطلعا له، وإنما كانت عبارة عن آراء نقدية ومواقف عملية تجابه زيغ الحكام وتسلطهم. وقد نعدّ تولي سحنون للقضاء نوعا من الفعل السياسي، على اعتبار أن القضاء أحد السلط الثلاثة التي تنبني عليها الدول والحكومات. وحيث لم يكن سحنون فاعلا سياسيا، بل ناقدا سياسيا ومناضلا في وجه المستبدين والمفتئتين على شرع الله، فإن نقده كان يمتح من رصيده الأخلاقي والمعرفي وهو استمرار لهما والتزام مبدئي بنتائج علمه وقناعته. ومن ثم مواقفه وآراءه السياسية كانت تراعي المبدأ الشرعي وليس التكييفات الواقعية والممارسة التي قد لا تنضبط للمثل والقيم العليا. وسأورد لمحات من وقوف البيت السحنوني مع المبدإ السياسي ونقد الممارسة الزائغة.

1. مبدأ القوة في الحق

الإمام سحنون فقيه وعالم كبير بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولن تغيب عنه النصوص الشرعية الداعية إلى السمع والطاعة لولي الأمر، وعدم منازعة الأمراء، من ذلك ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: “بايَعْنا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وأَنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وأَنْ نَقُومَ أوْ نَقُولَ بالحَقِّ حَيْثُما كُنَّا، لا نَخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ”[43]، غير أن هذا الإمام كان يحسن تقدير الأوضاع وقراءة الواقع وإعمال النصوص في محلها، لذلك لم يتعامل مع واقعه المعيش ببُعد واحد، ولم يسلم الأمر لأصحاب الشأن السياسي يفعلون فيه ما يشاؤون، ولا شك أنه قدّر طبيعة حكم الأغالبة الذين عاصرهم، فتبين له أنهم ليسوا ممن تجب طاعتهم ومعاونتهم على أمور الحكم وسياسة الرعية، فإن النص الشرعي يرشد إلى التعامل القويم مع شتى حالات الحكم سواء الرشيد أو السفيه، ولعله أعمل بشأن حكام وقته مقتضيات حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قال فيه لأحد الصحابة: “أُعيذك باللهِ يا كعبَ بنَ عُجرةَ من أمراءَ يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابَهم، فصدَّقهم في كذبِهم، وأعانهم على ظُلمِهم؛ فليس مني ولستُ منه، ولا يَرِدُ على الحوضِ. ومن غشِيَ أبوابَهم أولم يَغْشَ، فلم يُصدِّقْهم في كذبِهم، ولم يُعِنْهم على ظلمِهم؛ فهو مني وأنا منه، وسيَرِدُ عليَّ الحوضَ.”[44]

من ذلك المنطلق أعمل سحنون مبدأ الانقباض عن الحاكم، والوقوف في وجهه بحزم وبقوة الحق ليرتدع عن ظلمه ويرجع إلى مقتضى الشرع القويم. ويمكن إجمال وجه إنكار سحنون على حكام زمانه في مسألتين: البدعة والمعصية، أما الأولى فإن الأغالبة قد مال أكثرهم إلى مذهب الاعتزال، وتفاوت حكامهم بين متساهل مع الفرق الضالة ومقرب لهم في الوظائف والولايات، وبين متمسك بعقيدته المنحرفة إلى درجة امتحان العلماء في مسألة خلق القرآن وإلزامهم بالتصريح بالموافقة له في الخطب والدروس. وأما المعصية فتتمثل في مفاسد الاستبداد السياسي من تساهل في إزهاق الأرواح والتنكيل بالمعترضين، والاستئثار بالثروة وظلم الرعية…

ولعل ما سبق يفسر لنا الكثير من مواقف سحنون مع الحكام، من ذلك “أن زيادة الله الأمير بعث يسأل سحنونا عن مسألة، فلم يجبه، فقال له إبراهيم بن عبدوس: أخرج من بلد القوم، أمس لا تصلي خلف قاضيهم، واليوم لا تجيب في مسألتهم؟  فقال سحنون: أجيب رجلا يتفكّه بالدين؟ ولو علمت أنه يقصد الحق أجبته.”[45] ومن ذلك أيضا أن سحنونا كان يرشد السلطان إلى الحق لا يخاف في الله لومة لائم، وقد كان يكفيه أحيانا أن يرشد الناس إلى الحق، غير أنه كان من ثباته وقوته في الحق يتجه إلى صاحب المسؤولية الأولى وبه يبدأ، فقد رأى سحنون “الناس يقبّلون يد ابن الأغلب، فقال له: لا تعطيهم يدك، لو كان هذا يقرّبك من الجنة ما سبقونا إليه.”[46]

ومن جولاته في مواجهة بغي الحاكم وظلمه، أنه حرّر بعض النسوة كان أحد القادة العسكريين يدعى حاتما قد سباهن ظلما وعدوانا، فاشتكى القائد للأمير، يقول تلميذ سحنون ابن الحداد: “كنت يوما عند سحنون إذ جاءه غلام الأمير محمد بن الأغلب فسلم على سحنون وقال له: يقول لك الأمير: أردد النسوة على حاتم فإنهن إماء له. قال سحنون فإن كن إماء فمثل حاتم لا يؤمن على الفروج، فانصرف الغلام راجعا ثم أقبل بوجه غير الذي أقبل به أولا، فقال لسحنون يقول لك الأمير: إنك تعديت عليه، أرددهن عليه كما أمرتك، فقال له سحنون: قل له: أنت الذي تعديت، والله لا رددتهن عليه حتى يفرق بين رأسي وجسدي، فانصرف الخادم… فقال سحنون للرسول: بلغ الأمير بالله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتهن من داري (أي السبايا) حتى يعزلني، ويعلم الله أني لا نظر لي ولا قضاء على رجلين، ثم دعا ابنه محمدا وأخرج إليه سجله، فحمله مع الفتى، وقال له: قل له: جعل الله حاتما شفيعك عنده يوم القيامة. فانصرف الفتى إلى الأمير فأعلمه بيمين سحنون، وذكر له أن ابنه محمدا بالباب بالسجل، وقال: قد استحلفت أن أؤدي إليك ما أجل الأمير عنه، قال: قل ولا حرج، قال: يقول لك: جعل الله حاتما شفيعك عنده يوم القيامة، فنكس الأمير رأسه وقال: يدخل إلينا محمد ولد القاضي، فقال: ما يقول الشيخ والدك؟ قال: يطلب لله في أن يعفيه الأمير من القضاء وهذا سجله بعث به لتولي أمر المسلمين من تراه. فقال الأمير : اقرأ على الشيخ السلام وقل له: جزاك الله عن نفسك وعنا وعن المسلمين خيرا، فقد أحسنت أولا وآخرا، وقمت بما يجب عليك، امض على أحسن نظرك إن شاء الله، فانصرف محمد إلى أبيه فشكر الله على ما وفقه.”[47]

وفي موقف سحنون هذا عبر كثيرة، منها أن المواجهة بين الحق والباطل لا ينبغي أن تقاس بمعايير القوة المادية، بل بقوة الحق في ذاته، فواجب العالم والقاضي وكل صاحب مسؤولية أن يقول كلمة الحق ويعمل بها دون أن ينظر إلى قوة خصمه، ومنها أن المناصب والوظائف غير مطلوبة في ذاته ولكن بمقدار ما يتوصل بها إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل، فإن تعذر ذلك ينبغي تركها وطلب الاستقالة منها إبراء للذمة إقامة للحجة على الخصم.

2. مبدأ استقلالية القضاء

كما أخذ سحنون نفسه بالاستقلال عن الأمراء والوجهاء في حال كونه عالما معلما، فإنه استمر على المبدإ نفسه حين ولي القضاء، وهو القائل عن نفسه: “فوالله لقد ابتليت بهذا القضاء، وبهم (يعني الأمراء) ووالله ما أكلت لهم القمة، ولا شربت لهم شربة، ولا لبست لهم ثوباً، ولا ركبت لهم دابة.”[48]

وحين يجعل سحنون حدا فصلا بين الحاكم والقاضي، فإنه لا يأخذ باختيار فردي يرتضيه لنفسه، بل يثبّت قاعدة أساسية في القضاء، ويُعمل مبدأ شرعيا مفاده أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، لذلك ينبغي أن يكون القاضي مستقلا عن كل الناس حكامهم ووجهائهم وعامتهم، فهو يقضي في أمورهم جميعا فلا يصح أن يميل إلى فئة أو يخضع لرأيها وحكمها؛ ذلك ما نستخلصه من الرواية أدناه، حيث لم يكتف سحنون بالاعتذار عن طلب الأمير، بل أنكر أن يكون القاضي في خدمة الملك، قال عياض في ترتيب المدارك: “ولما ثار القويع على محمد ابن الأغلب، قال بعض القواد: اليوم نستمكن من سحنون، إما يخسر دينه أو دنياه، فقالوا للأمير: سحنون داعية مطاع، فأمره بنصرك على هذا الخارجي، فبعث فيه الأمير وأعلمه بالأمر واستشاره في قتاله، وأن يُعلم الناس بعرض ذلك عليهم. فقال له سحنون: غشك من دلك على هذا، متى كانت القضاة تشاورها الملوك في صلاح سلطانها، ونهض من عنده.”[49]

وحين حاول السلطان محمد بن الأغلب أن يتدخل في سلطة القاضي، أنكر سحنون ذلك وألزم الأمير بالانصياع إلى الحق، “لما أكثر (القاضي) من ردّ الظلامات في رجال ابن الأغلب وأبى أن يقبل منهم الوكلاء على الخصومة إلا بأنفسهم، وجّه إليه الأمير وقد شكوه إليه بأنه يغلظ عليهم، فأرسل إليه ابن الأغلب وقال: إنهم فيهم غلظة وقد شكَوك، ورأيت مما فاتك من شرهم فلا تنظر في أمرهم” أي أراد الأمير أن يستثني رجاله وأعيانه من أحكام القاضي، وحاول مخادعة القاضي بأنه يخشى عليه من شرهم، فكان سحنون حازما إذ قال للرسول: “ليس هذا الذي بيني وبينه، قل له: خذلتني خذلك الله”، ذلك أن سحنونا لم يقبل بالقضاء إلا بشروط اشترطها على القاضي سيأتي ذكرها.[50]

إن التمسك باستقلالية القضاء لهو موقف سياسي بامتياز، يعلي صاحبه من شأن المبدإ في مقابل الممارسة السياسية الجانحة، ويرفض أن تتحول مؤسسات الدولة وعلى رأسها مؤسسة القضاء إلى بنيات فارغة من محتوى العدالة وجوهرها في حين تظهرها في الشعارات والرسوم ليس إلا.

3. مبدأ لا تقادم في الحقوق

قال سحنون: “لم أكن أرى قبول هذا الأمر (يقصد القضاء)، حتى كان من الأمير ضمينان: أحدهما أعطاني كل ما طلبت، وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتى أني قلت له: أبدأ بأهل بيتك، وقرابتك، وأعوانك، فإن قِبلهم ظلمات الناس، وأموال لهم، منذ زمان طويل، إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلي، فقال لي: نعم لا تبدأ إلا بهم، وأجْرِ الحق على مفرق رأسي. فقلت له: الله؟ قال لي: الله، ثلاث مرات.”[51]

أؤكد مرة أخرى أنه لا ينبغي أن نقصر فهمنا في مثل هاته الرواية، على الجانب الشخصي للقاضي واختياراته الخاصة، بل يقتضي الأمر أن نستخلص منها المبادئ العامة التي نافح عنها وحاول إثباتها في الواقع العملي كما هي في المُثل والتنظير العلمي. وأول تلك المبادئ في هذا الصدد:

  • أن الحقوق لا تتقادم، وأن تطاول الزمان لا يفقد الحق جوهره، فمتى أمكن إحقاق الحق لزم ذلك.
  • أن العدالة يمكن أن تطبق بأثر رجعي إذا ثبت تضييع حقوق الناس بسبب موانع سابقة.
  • أن قيمة العدالة كلية لا تقبل الاستثناء، فالكل سواسية أمام الشرع والقضاء، الحاكم قبل المحكوم والوجيه قبل الوضيع.
  • أن العلاقة بين الحاكم والقاضي ليست سلطة رئاسية عمودية، فلا يملك الأمير أن يفرض على القاضي أمرا ينافي العدالة والحقوق، فرغم أن الحاكم هو من يُعيّن القاضي وقد يقيله إلا أن الأخير لا يستمد سلطه منه بل من الشريعة التي على أساسها يحكم وبها يقضي.

4. مبدأ لا حكم بغير تمكين

لقد رفض سحنون تولي القضاء للأغالبة انطلاقا من القاعدة الأصلية في التعامل مع حكام الجور، أي عدم الموالاة لهم ولا إعانتهم على بغيهم، لذلك حاول التخلص من تعيين الأمير له: “بعث ابن الأغلب إلى سحنون يقول له: إني أريد أن استكفي قضاء رعيتي، فاعلمه. فقال: أصلح الله الأمير، لا أقوى عليه، أدُلك على من هو أقوى: سلميان بن عمران. قال محمد بن سحنون: ولي سحنون القضاء بعد أن أدير عليه حولاً، وأغلظ عليه الغلظة، وحلف عليه محمد بن الأغلب بأشد الأيمان.” ولكن حين لم يجد بدا من التملص لم يخضع للأمر الواقع بحكم الضرورة، ولم ينخرط في سلك القضاء كما اتفق، ولم يسلك سبيل التسويغ للتخاذل والضعف عن إصلاح القضاء والأوضاع العامة بمسوغات الإكراهات الواقعية وغيرها؛ بل عمل جهده أولا في توفير ضمانات التمكين ليكون حكمه نافذا، وكلمته مُحكّمة في كل ما يدخل تحت سلطته. “فولي يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين. فأقام أياماً ينظر في القضاء، يلتمس أعواناً، ثم قعد للناس يوم الأحد بعده، في المسجد الجامع، بعد أن ركع ودعا بدعاء كثير. وقال سحنون: لم أكن أرى قبول هذا الأمر، حتى كان من الأمير ضمينان: أحدهما أعطاني كل ما طلبت، وأطلق يدي في كل ما رغبت.”[52]

طبعا لم يكن ما يطلبه القاضي هو حقوقه المادية ومكانته الرمزية في المجتمع، إنما ضمانات التمكين الشخصي والمؤسسي، لأنه يعلم أنه بغير ذلك لا يكون حاكما حقيقة بل صوريا، أو سيؤول به الأمر إلى أن يكون مستخدما من غيره في قضاء حوائجهم بغير وجه حق.

لقد كانت الضمانات شديدة وثقيلة جدا: إجراء الحق على مفرق رأس الأمير، وفتح الملفات القضائية السابقة للأعيان وخاصة الأمير، وأخذ الميثاق المغلض على الأمير في الوفاء بتعهداته.

من مقتضيات التمكين الذي طلبه القاضي ومارسه بصفة عملية، أنه كان مستوليا على كل صلاحياته التي تخولها له شريعة القضاء، بحيث ينظر في كل القضايا التي تدخل تحت اختصاصاته، وإن كان العرف سابقا أن القضاة لا يتدخلون فيها: “وكان لا يحكم في الحسبة وإنما قدم عليها أمناء، وأول من نظر فيها هو إذ كانت قبلُ للأمراء دون القضاة، وأول القضاة فرق أهل البدع من الجامع، وكانوا فيه حلقا من الصفرية والإباضية والمعتزلة، وأدب جماعة منهم لمخالفتهم أمره وأطافهم، وأمرهم أن لا يجلسوا في الحلقة، وهو أول من جعل في الجامع إماما يصلي بالناس إذ كان للأمراء وأول من جعل الودائع عند الأمناء وكانت قبل في بيوت القضاة.”[53]

كل ذلك كان إصلاحات استلها القاضي من الحاكم بقوة القانون، ولولا أنه حقق شروط التمكين لما استطاع أن يغير في حقيقة الأمر شيئا. إنه مبدأ عام ينسحب على كل الوظائف والولايات والمهام فلا صلاح ولا حكم إلا بالكلمة النافذة والرأي المطاع.

خاتمة

لقد كانت تلك جولة سريعة بين كتب النوازل وكتب التراجم، زرنا خلالها معالم خالدة مما أثلته واحدة من بيوتات العلم العريقة بالغرب الإسلامي، ولعل من رافقنا في تلكم الزيارة قد أحس أن تقلبنا بين صفحات الكتب، وتنقلنا بين الروايات والنصوص، إنما هو في الحقيقة تنقل بين مدارج الزمان، فما من ملمح زرناه من ملامح المدرسة التربوية لآل سحنون، وما من معلم تفقدناه من معالم السياسية السحنونية، إلا وارتدّ بنا إلى ملامح اللحظة الراهنة، وعبر بنا حجب الزمان لننظر في الوقت ذاته إلى الماضي والحاضر، لنسقط المبادئ القديمة على الوقائع الحديثة، ونفهم الأحداث السالفة بالمفاهيم الحاضرة. إنها خاصية العبرة التاريخية التي لا تقيم للبعد الزماني كبير اهتمام.

كان سحنون وابنه رجلي زمانهما علما وأدبا وموقفا، وقد بقيت آثارهما خالدة وبصماتهما بارزة في التاريخ الإنساني الذي يعلي من شأن المثل والقيم والمبادئ، صحيح أن الأحوال تتبدل والظروف تتغير بين الماضي والحاضر، “تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون” [البقرة، 134]، غير أن المبادئ تبقى هي نفسها ثابتة لا تتغير. وما التجارب التاريخية إلا تطبيقات مختلفة في مدى إعمال المبادئ أو إهمالها لدى الأفراد والجماعات.

ولم تكن السحنونية مدرسة سامقة إلا لأنها أدركت حقيقة المثل والقيم، وجسدتها في الأداء التربوي وفي معالجة قضايا الشأن العام، ونحن مدعوون اليوم -أفرادا ومؤسسات وشعوبا- إلى تجسيد نفس المبادئ في سياقاتنا الخاصة. عسى أن يكون في ذلك بلاغا لمن ألقى السمع وهو شهيد. والحمد لله رب العالمين.

لائحة المراجع

  • أزهار الرياض في أخبار عياض، شهاب الدين أحمد بن محمد المقري، تحقيق لفيف من العلماء، نشر صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة، الرباط، 1978.
  • أليس الصبح بقريب، الطاهر بن عاشور، توزيع الشركة التونسية للتوزيع، تونس، دون تاريخ.
  • التراث التربوي الإسلامي: حالة البحث فيه، ولمحاتٌ من تطوُّره، وقطوفٌ من نُصوصِه ومدارسه، فتحي حسن ملكاوي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتب الأردن – عمان، ط1/2018.
  • ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي أبي الفضل عياض اليحصبي [ت 544هـ]، ضبط وتصحيح محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1/1998.
  • التصنيف الفقهي في المذهب المالكي تاريخه وقضاياه المنهجية إلى غاية ق6ﻫ الخلاف العالي نموذجاً، محمد العلمي، أطروحة دكتوراه دولة، مرقونة بدار الحديث الحسنية الرباط، تحت إشراف الدكتور محمد يسف، 1420ﻫ/2000م.
  • تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي إلى نهاية العصر المرابطي، محمد بن حسن شرحبيلي، أطروحة دكتوراه دولة، مرقونة بدار الحديث الحسنية الرباط 1999، تحت إشراف محمد فاروق النبهان.
  • تفسير الماوردي، النكت والعيون، لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي [ت 450هـ]، مراجعة وتعليق السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
  • سير أعلام النبلاء، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذَهَبي [ت 748هـ]، تحقيق جماعي بإشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3/1985.
  • الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، المجدوب عبد العزيز، الدار التونسية للنشر، تونس، 1985.
  • الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي [ت 1376 هـ]، اعتنى به أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
  • كتاب آداب المعلمين محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي [ت 256هـ]، تحقيق حسن حسني عبد الوهاب، تونس، ط 3/1972.
  • كتاب الأجوبة،  لمحمد بن سحنون بن سعيد التنوخي [ت 256هـ]، تحقيق حامد العلوني، دار ابن حزم، بيروت – لبنان، ط1/2011.
  • معالم الايمان في معرفة أهل القيروان، لأبي زيد عبد الرحمن الدباغ [ت 696هـ]، تحقيق عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1/2005.
  • منهج الخلاف والنقد الفقهي عند الإمام المازري، عبد الحميد عشاق، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي – الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2005.

[1]  منشورات دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985.

[2]  حامد العلوني، مقدمة تحقيق كتاب الأجوبة لمحمد بن سحنون، ص 35.

[3]  منشورات المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، تونس، 1968.

[4]  مقدمة تحقيق كتاب الأجوبة، مرجع سابق، ص 14.

[5]  تفسير النكت والعيون للماوردي، 5/356.

[6]  أنظر ترتيب المدارك 1/339، سير أعلام النبلاء 23/58.

[7]  ترتيب المدارك، 1/340.

[8]  المدارك 1/340، معالم الإيمان 2/44.

[9]  المدارك 1/355-356، سير أعلام النبلاء 23/59.

[10]  المدارك 1/341، معالم الايمان 2/44، سير أعلام النبلاء 23/63.

[11]  الراثي عبد الملك بن فطر، المدارك 1/363.

[12]  المدارك 1/424.

[13]  المرجع السابق 1/425.

[14]  معالم الايمان 1/113.

[15]  المدارك 1/425.

[16]  نفسه 1/429.

[17]  حسن حسني عبد الوهاب، مقدمة تحقيق كتاب آداب المعلمين لمحمد بن سحنون، ص 28.

[18]  المدارك 1/341، سير أعلام النبلاء 12/65.

[19]  المدارك 1/341.

[20]  نفسه 1/344.

[21]  منهج الخلاف والنقد الفقهي عند الإمام المازري، عبد الحميد عشاق، ص 22، 23.

[22]  معالم الايمان، 2/50.

[23]  أبو جعفر أحمد بن محمد البني الجياني الأبدي المعروف بابن البَنِّي [توفي 488 هـ]. أنظر الفكر السامي للحجوي الثعالبي، 2/200.

[24]  المدارك 1/344.

[25]  أليس الصبح بقريب، الطاهر بن عاشور، ص 66،67.

[26]  نفسه 1/344.

[27]  نفسه 1/357.

[28]  معالم الإيمان 2/54.

[29]  نفسه 1/344.

[30]  منهج الخلاف والنقد الفقهي عند الإمام المازري، مرجع سابق، ص 21.

[31]  المدارك 1/355.

[32]  أنظر ترتيب المدارك 1/342،343.

[33]  معالم الايمان 2/49، المدارك 1/351.

[34]  الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، المجدوب عبد العزيز، الدار التونسية للنشر، تونس، 1985.

[35]  تأثير بيجماليون “effet Pygmalion” مصطلح في علم النفس التربوي ينسب للباحثين Rosental و Jackobsen، يدل على التقدم غير المتوقع لأداء أحد الطلبة، متأثرا بالتوقعات الإيجابية الموجهة له من أحد أساتذته. وهو في العموم يرد ضمن التأثيرات النفسية الإيجابية، ويقابله تأثير غوليم effet Golem ذي التأثير السلبي.

[36]  المدارك 1/433.

[37]  التصنيف الفقهي، محمد العلمي، ص 45، 46.

[38]  المدارك، 1/273،274.

[39]  تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، محمد بن حسن شرحبيلي (بتصرف)، ص 315، 316.

[40]  مقدمة تحقيق كتاب الأجوبة، مرجع سابق، ص 34.

[41]  التراث التربوي الإسلامي، فتحي حسن ملكاوي، ص 194.

[42]  منهج الخلاف والنقد الفقهي، مرجع سابق، ص 22.

[43]  متفق عليه، عند البخاري في مواضع منها تحت رقم 7199، وعند مسلم رقم الحديث 1707.

[44]  حديث صحيح أخرجه جمهرة من المحدثين: الترمذي في سننه، باب فضل الصلاة، سنن النسائي، كتاب البيعة، الإمام أحمد في مسند الكوفيين، الحاكم في المستدرك، كتاب الأطعمة، البيهقي في السنن الكبرى، كتاب قتال أهل البغي، البزار، الطبراني…

[45]  المدارك 1/353.

[46]  المرجع السابق 1/362.

[47]  معالم الإيمان، بشيء من التصرف 2/48-50، وللقصة تفاصيل أخرى وردت في ترتيب المدارك.

[48]  معالم الايمان 2/52.

[49]  المدارك 1/350.

[50]  نفسه 1/349.

[51]  نفسه 1/345.

[52]  المدارك، 4/56.

[53]  معالم الإيمان، 2/47.

اظهر المزيد

د. مصطفى صادقي

أستاذ مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الشرق-وجدة دكتوراه في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية بالرباط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: