مقدمات تأسيسية في علم مقاصد الشريعة

لقد أولى العلماء -قديما[1] وحديثا[2]– عناية خاصة بمقاصد الشريعة الإسلامية، نظرا لأهميتها وأثرها في استيعاب الواقع على اختلافه وتشعبه وتعقده، والتعاطي مع متغيراته ومستجداته، وضبط الأحداث والنوازل الجديدة التي لم يكن للأقدمين عهد بها، ونظرا لدورها البارز في ترشيد عملية الاجتهاد، كما أولى المعاصرون الفكر المقاصدي أهمية بالغة باعتباره فكرا متشبعا بمقاصد الشريعة وأسسها ومضامينها، من حيث الاطلاع والفهم والاستيعاب، بما يضمن مقصدية الشريعة في كلياتها وجزئياتها[3].

المقدمة الأولى: الفكر المقاصدي نتيجة طبيعية لتطور الدرس الأصولي

عرف علم مقاصد الشريعة كغيره من العلوم[4] تطورا علميا ملحوظا حتى “صار علما من جملة العلوم”[5]، وصار “كعلم جديد[6] متميز بقواطع أدلته، وبتجاوزه للخلاف، واستقلاله عن المذاهب الفقهية الفروعية، بل وعن أصول الفقه الظنية نفسها”[7].

وقد فصل الدكتور نعمان جغيم بعد حديثه عن طبيعة مباحث مقاصد الشريعة، في الخيارات الممكنة لتأسيس العلاقة بين مقاصد الشريعة وأصول الفقه، والتي حصرها في ثلاثة كالآتي[8]:

الخيار الأول هو جعل مقاصد الشريعة مبحثا من مباحث علم الأصول[9]، تضاف إلى مباحثه المعروفة: الحكم، والأدلة، ودلالات الألفاظ، والاجتهاد…إلخ، وقد دافع عن هذا الخيار الدكتور عبد الله بن بيه في سلسلة محاضراته التي أخرجها في كتاب بعنوان: “علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه”؛ حيث اعتبر مقاصد الشريعة جزءاً لا يجزأ من علم أصول الفقه، كما زكى رأيه الدكتور أحمد زكي يماني في تقديمه للكتاب حيث اعتبر أﺻﻮﻝ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻣﺪخلا هاما ﻟﻔﻬﻢ المقاﺻﺪ.

الخيار الثاني هو بناء علم الأصول على المقاصد وإعادة صياغة علم أصول الفقه بشكل يستوعب كثيرا من مباحث المقاصد ويجعلها جزءا من نسيجه.

الخيار الثالث هو إفراد المقاصد بعلم مستقل، وفصله عن علم أصول الفقه، وهو الخيار الذي دعا إليه ابن عاشور، وحاول التأسيس له، وهو المعمول به عندنا بالمغرب في التعليم العالي منذ سنين وتخرجت عليه أفواج من طلاب العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية؛ حيث تدرس “مقاصد الشريعة “في مادة مستقلة عن “أصول الفقه”.

وختم الدكتور جغيم بحثه[10] بثلاث توصيات غاية في الأهمية، وهي كالآتي:

إن مباحث مقاصد الشريعة في مجملها تمثّل روح علم أصول الفقه وجزءا لا يتجزأ منه، وفصلها عنه سوف يضرّ به ضررا بالغا، لأن “علم أصول الفقه لا يمكنه الاستغناء عن مباحث المقاصد التي ينبغي أن تكون الروح الذي يسري فيه، والخيط الذي ينظم مباحثه”.

إن إعادة بناء علم أصول الفقه ينبغي أن تتم على المقاصد، حتى يمكن تخليصه من الجمود والجفاف الذي أصابه في عصر الجمود العلمي.

لا مانع من تأسيس علم خاص بالمقاصد يبحث في تفاصيل مسائلها ويعمل في التنقيب على مقاصد الشارع الخاصة والعامة، وكيفية تطبيق تلك المقاصد في الاجتهاد بشقيه النظري والتنزيلي، وفي تمثُّل تلك الأحكام من قبل المكلَّفين، ليكون هناك استقلال وظيفي للمقاصد يسمح لها بالتطور وتحقيق أغراضها، وفي الوقت نفسه تبقى على علاقة عضوية بأصول الفقه، تقدم له خدمة منهجية وقيمية، وتكون الموجّه لعملية الاجتهاد الفقهي، والبحث العلمي في مجالات العلوم الكونية والاجتماعية.

المقدمة الثانية: المراحل التي مر بها الفكر المقاصدي

لا شك أن النشوء الفعلي لمختلف العلوم الشرعية كان مع فقهاء وعلماء الصحابة والتابعين الذين عنوا بكل ما يوصل إلى فهم الشريعة وتطبيقها على النحو الذي قصده الشارع، كما عنوا بالقواعد التي عليها مدار الاجتهاد في تقرير الأحكام وتنزيلها على المكلفين، دون أن يخصوها بأسماء معينة، حتى غدت اجتهاداتهم بذاتها مرجعا للمجتهدين والمنتصبين للفتيا والقضاء، فمثلت بذلك إرهاصات ومقدمات للنشوء العلمي للعلوم التي تعنى بضبط العلمية الاجتهادية وخصوصا علم الأصول الذي كان فارسه بحق الإمام الجل محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، مع اجتهادات مجددة لكبار الأئمة؛ أمثال: الجويني والغزالي والعز ابن عبد السلام وابن القيم وغيرهم، وصولا إلى الشاطبي الذي أبدع في التأسيس والتنظير للمقاصد.

ويمكن الحديث عن ثلاث مراحل مر بها علم المقاصد الشرعية:

  • مرحلة الظهور والنشأة.

من المعلوم أن الحديث عن مقاصد الشريعة وبعض مباحثها قد ظهر جليا في كتب علمائنا الأوائل وتصانيفهم، وأبرزها كتاب “البرهان” للإمام الحرمين أبو المعالى الجويني[11]، وكتاب “المستصفى من علم الأصول” للإمام أبي حامد الغزالي، وغيرهما مما عني ببعض المسائل المتعلقة بالمقاصد والحكم المرتبطة بالأحكام.

  • مرحلة التطوير والتدوين.

وهي المرحلة التي بدأ فيها الاعتناء بأصول المقاصد والقواعد الكلية المتعلقة بها، وبالحديث عن مباحث جديدة، وتدوينها في مؤلفات؛ مثل: “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” و”الفوائد في اختصار المقاصد” للعز بن عبد السلام، وكتاب “أعلام الموقعين عن رب العالمين” و”شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل” لابن القيم الجوزية.

  • مرحلة الاكتمال والنضج

وفيها بدأ جمع مسائل المقاصد وتأصيل قواعدها، والحديث عن علم قائم بذاته، وشرط لازم معرفته من كل منتصب للاجتهاد والفتيا. ويعد المجهود الذي قام به الشاطبي رحمه الله في الموافقات، وخصوصا إفراده المقاصد بكتاب مستقل، طفرة نوعية، تنظيرا وتقعيدا، ووضعا لأهم مقومات “الفكر المقاصدي” و”نظرية المقاصد”؛ فهو شيخ المقاصديين بدون منازع، ولا يمكن أن يكتب كاتب في المقاصد شيئا إلا وتجده يشير إليه.

وقد صرح بذلك رواد هذا العلم الذين أحيوا بعد الشاطبي الحديث عن المقاصد وتقسيماتها وتوسعوا في ذلك وجددوا وبسطوا؛ وعلى رأسهم كل من العلامتين ابن عاشور التونسي وعلال الفاسي المغربي.

———————————————

[1] –  بدءا من الحديث عن مقاصدية القرآن الكريم والسنة النبوية، وعن تعليل الأحكام، وغيرها مما هو مبسوط في علوم العقيدة والقرآن والفقه والأصول.

[2] – ويمكن أن نؤرخ لهذه المرحلة بميلاد علم مقاصد الشريعة كعلم قائم بذاته بعد أن خصص له الإمام الشاطبي كتابا مستقلا في موافقاته، والذي شكل عمدة الدراسات المقاصدية التي جاءت بعده.

[3] –   ينظر: الريسوني، أحمد، الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده، ص: 34.

[4]–  من المسلم به في تاريخ العلوم سواء الإنسانية أو الشرعية أو غيرها أنها تنمو وتتسع وتتشعب، وقد يندمج بعضها في بعض أو يستقل بعضها من بعض عندما تكثر التدقيقات والتفريعات والمباحث، فيأخذ في التبلور والاستقلال والتميز.

[5]– الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، مج: 1، ج: 1، ص: 11.

[6]– وإن كان هناك من يرى أن “ما تناوله علم المقاصد بالبحث هو جملة ما يختص بالنظر فيه علم الأصول بحسب وضعه الاصطلاحي”، طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص: 97.

[7]– الصغير، عبد المجيد، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، ص: 355.

[8]– جغيم، نعمان، العلاقة بين مقاصد الشريعة وأصول الفقه، بحث على الشبكة الفقهية، بتصرف. ينظر الرابط:

http://www.feqhweb.com/vb/t13698.html

[9]– ينظر ابن بيه، عبد الله، علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه، سلسلة محاضرات مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي. ص: 6.

[10]– جغيم، نعمان، العلاقة بين مقاصد الشريعة وأصول الفقه، بحث على الشبكة الفقهية، ينظر الرابط السابق.

[11]– وهو أول من رد الشريعة إلى المقاصد الثلاثة الكبرى: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ﰲ ﻣﺒﺤﺚ ﺗﻘﺎﺳﻴﻢ ﺍﻟﻌﻠﻞ ﻭﺍﻷﺻﻮﻝ. ينظر: البرهان في أصول الفقه، ج: 2، ص: 79.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. إن الترتيب المنهجي لكتاب الإمام الشاطبي رحمه الله -يبين أن المقاصد هي التي ينبغي أن تنضبط بعلم أصول الفقه حتى لا تخرج عن قواعد الاستنباط لأنه بدأ بالأدلة وعليها بنى كتابه المقاصد والله أعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: