معجزة الاسراء والمعراج – تأملات في سورتي الاسراء والنجم

محاور الموضوع:

مقدمة

أولا: الصحبة والجماعة

ثانيا: الذكر

ثالثا: الصدق

مقدمة: 

نتأمل الآيتين من بداية السورتين: 

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى” ( الإسراء 1 ) 

فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى” ( النجم 10 ) 

في أشرف مكان أرضي ( المسجد الحرام) وصف الله نبيه بكونه عبدا له سبحانه، وفي أعلى مقام سماوي ( سدرة المنتهى ) وصف كذلك بالعبد. 

عند أعظم منة وأجل تكرم وأسمى مقام رفع الله إليه أحدا من خلقه يصف حبيبه بالعبودية له. وفي النسبة لله شرف ما بعده شرف ( عبده ).

تفصل السورتان كيف تكون العبودية لله تعالى حتى يعرج المرء من حضيض دوابيته إلى سماوات القرب والإحسان وحتى تسري الأمة من مساجد شتى إلى المسجد الأقصى تحرره بعد أن تتحرر من الطواغيت النفسية ومن طواغيت الحكم الجبري.

إسراء جماعي جهادي ومعراج فردي متجدد مطلوب لكل سالك إلى الله تعلقت همته بالله وتوكل على الله واقتدى بنبي الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

نلتمس من خلال السورتين طريق العبودية لله تعالى العبودية الشاملة الصحيحة باستقراء خصال الإيمان وشعبه كما صنفها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى من غير تكلف. 

أولا: الصحبة والجماعة:

خصلة الصحبة والجماعة هي أم الخصال وهي شرط من شروط التربية تلك التربية التي تهدف إلى تكوين العبد المؤمن الشاهد بالقسط الطامح لأعلى درجات القرب – العبودية لله –

الساعي إلى تحقيق الخلافة على منهاج النبوة وسط جماعة المؤمنين.

في المعراج حيث دنا الحبيب من حبيبه فتدلى تجلت الصحبة بما هي حب وقرب وتلق وتشرب.

 وفي الإسراء تجلت الجماعة بما هي صف مرصوص حين أم نبي الله إخوانه الأنبياء في الصلاة. عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب المؤمنين من أعظم شعب الإيمان في هذه الخصلة ولهذا خصصت سورة الإسراء جزءا كبيرا لتحبيب الله لعباده من خلال تذكيرهم بما يغذوهم به من نعم أعظمها بعثة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى وإنزال كتابه يهديهم للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين فيه شفاء ورحمة . ويذكرهم بتكريمهم وتفضيلهم على كثير من خلقه و”أنه هو أمات وأحيا ” “وأنه هو أغنى وأقنى ” ” فبأي الاء ربك تتمارى “.

تحدثت السورتان عن بني إسرائيل وعن المشركين، القاسم المشترك بين بني إسرائيل والمشركين في السورتين عدم تعظيمهم لله واتهامهم له بما نسبوه له من الولد وعدم تعظيمهم لأنبياء الله. نموذجا سوء تقدمهما السورتان للمؤمنين أن احذروا منهما ومن فعلهما فأحبوا الله وعظموه وسبحوه واعبدوه ” وكبره تكبيرا ” ” فاسجدوا لله واعبدوا ” 

 وأحبوا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا تكونوا كالمشركين الذين آذوه ولا كبني إسرائيل الذين آذوا موسى من قبل كما آذاه فرعون. 

لا تكتمل العبودية لله إلا ببر الوالدين والإحسان إلى الأقارب قال تعالى: 

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا “…” وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ” الإسراء 

من شعب الإيمان أيضا في هذه الخصلة: قوامة الزوج وحافظية الزوجة وكفالة العيال والزواج الإسلامي بآدابه وأخلاقه مع العفة عن المحارم:

قال تعالى: ” وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا ” الاسراء -31 

وقال سبحانه: ” وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ” الاسراء “32

ومن شعبها: رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس والبر وحسن الخلق: 

في هذا السياق نهى الله تعالى في سورة الإسراء عن أكل مال اليتيم وعن قتل النفس وأمر بتوفية الكيل وبحفظ السمع والبصر والفؤاد ونهى عن الكبر ( الآيات 31-37 )

ثانيا: الذكر

يقول الإمام رحمه الله: من لا يذكر الله كثيرا لا أُسوَةَ له برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقدر على التأسي، وهو الاستناد والاتباع، لم يؤهل له. ” 1 

لا ينفك الذكر عن الصحبة والجماعة فهما خصلتان متلازمتان.

قال تعالى موجها نبيه إلى الإعراض عن جماعة الغافلين: ” فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ” النجم 29

 قول لا إله إلا الله هي أعلى شعب الإيمان وهي أفضل الذكر وأصل الدين لذلك نجد الحث عليها متكررا في السورتين والإنكار على من خالفوها شديدا 

قال تعالى:” لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً ” الإسراء 22

 وقال سبحانه: ” قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ” الإسراء 42 

وفي سورة النجم آيات كثيرة عن وحدانيته سبحانه وأنه هو المتفرد بالخلق والأمر.

ومن شعب الذكر أيضا: الصلاة المفروضة والنوافل: الصلاة هدية المعراج ، وكرامة الإسراء. فلا جرم أن يكون الأمر بإقامتها لدلوك الشمس الى غسق الليل . وأن تتضمن السورتان سجدتا تلاوة.

تلاوة القرآن والتهجد به ليلا والاهتداء والاستشفاء به والسجود لتلاوته هي أوامر في سورة الاسراء، والتكذيب به والإعراض والنفور منه والضحك والتعجب وعدم فقهه هي صفات المغضوب عليهم.

أتى الله موسى الكتاب هدى لبني اسرائيل فبدلوا وأفسدوا في الأرض وعلوا علوا كبيرا، هم عبرة لنا فإن الإعراض عن كتاب الله فساد وعلو موجب لغضب الله ونقمته.

أفضل الذكر ما كان في جهاد وأفضل الجهاد ما كان لبناء الأمة وتحرير مقدساتها من قبضة اليهود المعتدين تحقيقا لوعد الله في سورة الاسراء.

يقول الامام ياسين رحمه الله: ” وليكون ذكرنا ذكر مجاهدين نقرأ البرنامج الجهادي كله، ومن أهم مداخله دوام الذكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه وهم في حركة جهادية، في سفر جهادي في طريق مكة: “سبق المفردون!” قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال: “الذاكرون الله كثيرا والذاكرات“. رواه مسلم عن أبي هريرة. كان صلى الله عليه وسلم يوم قالها قُرْب جبل جُمدان، لم يكن في رحلة صيد ومتعة واسترواح. فإن جاء جيل جرَّدَ قُربة الذكر الكثير عن سياقها الجهادي ومقدِّماتها الجهادية ولواحقها الجهادية فقد أخذ خيرا كثيرا، لكنه لم يأخذ السنة الكاملة،”2

ثالثا: الصدق:

لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج به أصبح يحدث الناس بما رأى فأرجف المشركون في المدينة وراحوا يشككون المسلمين في دينهم فذهبوا الى أبي بكر رضي الله عنه فقال لهم: ” لئن كان قالها لقد صدق واني أصدقه في أبعد من ذلك في خبر السماء يأتيه في غدوة أو روحة “. 3

 ما فضل أبو بكر رضي الله عنه هذه الأمة إلا بصدقه وتصديقه.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: 

ما أحرى الشباب الإسلاميَّ بحفظ هذه الوصية _ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن السبط عن الصدق ” دع ما يريبك….” _ لفظا وعملا ونية ليدخلوا مُدخل الصدق ويخرجوا مُخرج الصدق على خطى المصطفى المجتبى صلى الله عليه وسلم الذي لقنه الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾ 4 الإسراء 80 

الصدق في طلب وجه الله هو الشرط الأول في السلوك هو العامل الذاتي الحاسم في تحقق العبودية لله تعالى، لن تنفع صحبة ولا جماعة ولن يتحقق ذكر إن اختل هذا الشرط.

 قال عز وجل مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا الاسراء 18_ 19

ومن الصدق الإيمان بالله وبغيبه و الإيمان باليوم الآخر قال تعالى: وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ” الاسراء 10

وقال سبحانه: ” إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى ” النجم 27

ومن الصدق أيضا النية والإخلاص قال تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا الاسراء 19 ومنه كذلك الأمانة والوفاء بالعهد قال عز وجل: ” وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ” الاسراء 34 )

الهوامش:

1 – الإحسان – ج 1 – ص 158

2 – الاحسان – ج 1 – ص 275

3 – دلائل النبوة للبيهقي – بتصرف

4 –الإحسان – ج 1 – ص 349

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: