منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

محمد وأتباع المسيح

0
اشترك في النشرة البريدية

في مناسبة ذكرى ميلاد السّيد المسيح نستطيع أنْ نؤكد معشر المسلمين أنّ فرحنا بميلاد سيدنا عيسى بن مريم -عليه السلام- يُوازي فرحنا بميلاد سيد الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم-، ذلكم أنّ كِلا النّبيّين الكريمين حملا رسالة الرحمة للناس، وشكّلت دعوتهما مِشعلَ هداية وبشرى للمؤمنين كافّة، وتأكيداً على هذا الفهم يقول المولى -تبارك وتعالى- في شأن عيسى عليه السلام: “وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً” (مريم:21)، مثلما يقول في شأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: “وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ” (الأنبياء: 107).
والمسيح -عليه السلام- ليس شخصيةً مبهمةً في أذهان المسلمين، بل إنهم يعرفون عنه وعن تفاصيل حياته منذ إرهاصاتها ونشأتها الكثير من الحقائق، بل إنّ الأمر تعدّى حدود معرفتنا بالمسيح إلى أمّ المسيح مريم -عليها السلام- وجدّته امرأة عمران، فالقرآن الكريم قد أفرد سورة باسم مريم البتول العذراء، تحدّثت عن طُهرها وعفّتها، مثلما تحدّثت عن آية الله في ولادتها للمسيح، ويجد المستقرءُ كتابَ الله حديثاً مستفيضاً عن المسيح وأمّه عليهما السلام في سور كثيرة، منها: سورة آل عمران، وسورة المائدة والأنبياء، والزخرف، والصف، وغيرها.
وبين يدي ذكرى مولد المسيح -عليه السلام- أحببت أنْ أستعرض بإيجاز مشاهد مشرقة تمثّل العلاقة الإيجابية بين المسلمين والمسيحيين في صدر الإسلام، وليس بخفيٍّ أنّ الحقبة الزمنية التي تباركتْ بالرّسالة والرّسول تعدّ أعظم أيام الإسلام، ولا ريب أنّ المنهج الذي رسمه النبيّ –صلى الله عليه وسلّم- في تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان يُعدّ أصلح المناهج لعمارة الأرض والاستخلاف فيها بحقٍّ وصدق.
وليس من نافلة القول الإشارة إلى صدق العلاقة التي ظهرتْ في أوّل يوم نزل فيه الوحي على قلب الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- عندما ذهبت خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- بمعيته -عليه السلام- إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل، وكان رجلاً كبيراً قد تنصّر في الجاهلية، وله علم في الإنجيل، ولمّا أخبره النبي -عليه الصلاة والسلام- بما حدَثَ معه في غار حراء قال له: “هذا الناموسُ الذي نزل اللهُ به على موسى، يا ليتني فيها جذَعٌ، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومُك، … لم يأتِ رجل قطُّ بمثل ما جئتَ به إلا عودي، وإن يدركني يومُك أنصرْك نصرًا مؤَزَّرًا”.(أخرجه البخاري في صحيحه)
ومن المشاهد التي تُسجّل لأتباع المسيح -عليه السلام- ما سطّره المؤرخون عن رحلة النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى الشّام، وهو في مقتبل عمره برفقة عمّه أبي طالب، مروراً ببُصرى الشام، حيث استقبلهم الرّاهب بحيرى على غير عادته، وأكرمهم بالضيافة، وكان قد عرف رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- بصفته، فقال وهو آخذ بيده: “هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين”. فقال أبو طالب: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخرّ ساجداً، ولا تسجد إلّا لنبيّ، وإنّي أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنّا نجده في كتبنا”، وسأل أبا طالب أن يردّه، ولا يقدم به إلى الشام، خوفاً عليه من اليهود، فبعثه عمّه مع بعض غلمانه إلى مكة، (انظر: الرحيق المختوم، المباركفوري، ص:11) وهذا موقف يسجّل لأتباع المسيح عيسى عليه السلام، إذ حرص الرّاهب بحيرى على حماية النبوّة والرّسالة من أنْ تُغتال أو ينالها سوء.
ولم تسجّل السيرة النبوية موقفاً إيجابياً لأحدٍ من غير المسلمين في رحلة النبي -صلى الله عليه وسلم- الدّعوية إلى الطائف إلا لذاك الفتى النّصراني الذي يُدعى عدّاس، حيث أظهر تألمه لِما واجهه النبي الكريم من بني ثقيف صدوداً وإيذاءً، وتثبت كتب السّير موقفه يوم أنْ أَقبل على النبي -صلى اللهُ عليه وسلم- حاملاً قطفاً من عنبٍ، فلمّا أراد عليه السلام أنْ يأكل قال: بسم الله، فنظر عدّاس الى وجْهه، ثمّ قال: والله، إِنَّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذا البلد، فقال لهُ رسُول الله: ومن أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني منْ أَهلِ نِينَوى، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: من قرية الرَّجلِ الصّالح يونُس بن متّى؟ ذاك أخي، كان نبياً، وأنا نبيّ؛ فأكبّ عدّاس على رسول الله -عليه السلام-، فقبّل رأسه ويديه ورجليه. (انظر: مقدمة دلائل النبوة للبيهقي، ص: 67)، ولا شكّ أنّ هذا الموقف قد أخذ من قلب النبي عليه السلام مأخذاً طيّباً، لا سيما وأنّ عدّاس قد عرف قدر الرّسول ومكانة الرّسالة.
وفي مكة المكرمة يوم أنْ ضاق الأمر على أصحاب النبي -رضي الله عنهم-، وبلغ الأذى مبلغه فيهم، وفتنوا في دينهم فتنة عظيمة أذن لهم –عليه الصلاة السلام- بالهجرة من مكّة إلى فضاء آمنْ، وقال: “إنَّ بأرضِ الحَبَشةِ ملِكًا لا يُظلَمُ أحدٌ عندَه؛ فالحَقوا ببِلادِه“. (أخرجه الذهبي في سير أعلام النبلاء بسند صحيح)
وملك الحبشة يومئذ رجل نصراني يُدعى النّجاشي، وقد كان كما أخبر عنه النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ فقد رحّب بالوفد المهاجر، واستمع إليهم بإنصات، وسألهم عن عقيدتهم في عيسى -عليه السلام-؛ فقال جعفر -رضي الله عنه- “هو روحُ اللهِ وكلمتُهُ أخرجَهُ من البَتولِ العَذراءِ لم يقرَبْها بشر“، تقول الرّواية: فتناول النجاشي عوداً من الأرض فرفعه؛ فقال: “يا مَعشَرَ القِسِّيسينَ والرُّهبانِ، ما يَزيدُ هَؤلاءِ على ما تَقولونَ في ابنِ مريَم ما يزنُ هذِه، مرحبًا بكُم وبِمن جئتُم مِن عندِهِ، فأنا أشهَدُ أنَّهُ رسولُ الله، وأنّه الذي بشَّر به عيسَى ابنُ مريم، ولولا ما أنا فيه من المُلكِ لأتيتُهُ حتَّى أحمِلَ نعليه، امكُثوا في أَرضي ما شئتُم”، (انظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم، 3/33)، وقد ذكرت بعض الرّوايات أنّ النّجاشي ومن حوله من القسّيسين والرّهبان بكوا عندما سمعوا ما تلاه جعفر -رضي الله عنه- من سورة مريم؛ فأنزل الله تعالى: “وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ”. (المائدة: 82-83)، (انظر: معالم التنزيل، البغوي، ج2، ص75).
وعندما مات النّجاشي، ونُعيَ إلى النبي -عليه السلام- صلّى عليه صلاة الغائب، حيث جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنه- أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “ماتَ اليومَ رجلٌ صالِحٌ، فقوموا فصَلُّوا علَى أخيكُم أصْحَمَةَ“.
ولمّا قدِم وفد نصارى نجران إلى المدينة المنورة لمقابلة النبي الكريم، أذن لهم -عليه السلام- بالإقامة في المسجد النبوي الشريف بل سمح لهم بإقامة صلاتهم فيه، وهذه إشارة جليّةٌ على أنّ المنهج الإسلامي منهجٌ يقبل الآخر ويعترف به، ويحاوره بالتي هي أحسن، وهو منهج يقدّم أفضل المسالك الأخلاقية للتعريف بسماحة الإسلام، واقرأ معي إنْ شئت قول الله تعالى: “وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” (سبأ: 24)، والمنهج الإسلامي كذلك منهجٌ يحمي حقّ الآخر في ممارسة شعائره التّعبدية على أساس واضح، عنوانه قول الله سبحانه: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ” (البقرة: 256)، وهذا كلّه يقع ضمن التّوجيه الإلهي الحكيم “لا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ“. (الممتحنة: 8).
ولم تكن تلك المواقف النبوية الآنفة الذّكر مجرّد تصرّفات آنيّة أو أحداث فردية لا يبنى عليها منهج، ولا تُستقى منها دلالات، بل كانت منهجاً عملياً مؤصّلاً أسس وأنتج ثقافة التّسامح واحترام الآخر واختياراته ضمن رؤية إسلامية راشدة.
ولعلّ في مشاهد فتح بيت المقدس على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ما يؤكّد ذلك، يوم أنْ تسلّم مفاتيح القدس من البطريك صفرنيوس، وتصافحا، وأغمدا السيوف، ويتفقّد عمر الفاروق بعد ذلك كنيسة القيامة قبل دخوله المسجد الأقصى، ويعطي النّصارى في بيت المقدس أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، في مشهد يدعونا إلى الخروج من دائرة الانغلاق على الذّات إلى فضاء آخر، أكثر رحابة وأعظم نفعاً، فضاءٍ يتفّهم سنّة التّعددية الدينية التي أقرّ الإسلام وجودها، قال تعالى: “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ“. (الكافرون: 6)
هذا هو يا سادة ما نقوله ونعتقده، والأمل أنْ يستعلي هذا الصوت من كافّة الدّعاة والمُصلحين على كلّ صوت نشاز، لا يفهم أصحابه معنى الأخوة الإنسانية، كما الأمل أنْ ترتفع أصوات السادة البطاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة، وعموم رجال الدين المسيحي بما يوثّقُ هذه العلاقة الإيجابية وينمّيها حرصاً على وصولٍ آمنٍ إلى كلمة سواء.
وإنْ كان ثمّة أملٍ أخيرٍ بهذه المناسبة؛ فهو أنْ نرى مظاهر الفرح بذكرى مولد المسيح محكومةً بما جاء به عيسى عليه السلام يوم أنْ قال: “إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيّاً، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّاً“. (مريم: 30-33)

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.