ما حـرُم أخذه حـرُم إعطاؤه

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة قواعد فقهية في المعاملات المالية؛

4/ تحليل قاعدة؛ “ما حـرُم أخذه حـرُم إعطاؤه”.

       هذه القاعدة من القواعد الضابطة للملك والتملك بأنواعه، وهو باب كبير تدخل فيه الأبواب الفقهية من بيع وإجارة وشركة وشفعة وغيرها. وهذه القاعدة يمكن أن تكون هي وقاعدة “ما حرم فعله حرم طلبه” ضابطتين للتصرفات المادية والمعنوية للمكلفين.

1- مضمون هذه القاعدة:

2-حجية القاعدة:

3- قواعد متفرعة عنها:

4- تطبيقات هذه القاعدة:

5- مستثنيات القاعدة:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- مضمون هذه القاعدة:

       معنى هذه القاعدة؛ (أن كل ما حرمه الشرع لا يجوز لأحد أن يأخذها ويستفيد منها، كما لا يجوز له أيضا أن يقدمها لغيره أو يعطيه إياها، سواء أكان ذلك عل سبيل المنحة ابتداء أو على سبيل المقابلة والمعارضة وذلك لأن إعطاءها للآخر يكون من قبيل الدعوة إلى الحرم أو الإعانة والتشجيع عليه، فيكون المعطي شريك الفاعل)[1].

    وسبب الجمع بين الأخذ والإعطاء في التحريم في هذه القاعد هو الملك ووضع اليد، يقول الدكتور محمد الروكي بخصوص هذه القاعدة: (إن ما حرم الشيء على المكلف أخذه من الربا والرشوة ومهر البغي وحلوان الكاهن وغيرها من المحرمات، فإن إعطائه للغير حرام أيضا، لأن الإعطاء كالأخذ بجامع الملك ووضع اليد، ولأن الإعطاء ماله الأخذ)[2].

2- حجية القاعدة:

       يمكننا الاحتجاج لهذه القاعدة بدليلين، أحدهما جزئي والآخر كلي؛

أولهما: الدليل الجزئي؛ وهو قوله تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”[3]. ووجه الاستدلال بهذه الآية التي نهى فيها سبحانه وتعالى عن الإعانة على الإثم والعدوان، سواء كانت هذه الإعانة ابتداء أو على سبيل المقابلة، وإعطاء المحرمات للغير هي من قبيل المساعدة على الإثم والعدوان، كإعطاء الرشوة أو الربا أو غير ذلك من المحرمات المنصوص عليها في الشرع.

ثانيهما: الدليل الكلي، وهو القياس؛ وتُـؤَسَّـس هذه القاعدة على أصله، ووجه الاستبدال بالقياس على صحة هذه القاعدة أنه لما حرم الله عز وجل على المسلم أخذ بعض الأمور والانتفاع، كالربا والرشوة وحلوان الكاهن وأجرة المغني والنائحة والواشمة وغير ذلك مما نص على تحريمه في الشريعة، عمد الفقهاء في هذه الجملة من المحرمات فقاسوا على أخذها إعطاءها، فإجراؤهم القياس هنا لا يختص بإلحاق جزئية غير منصوصة بأخرى منصوصة، وإنما يتعلق الأمر فيه بإلحاق جملة من الجزيئات بجملة أخرى في حكمها الشرعي، فهو إذن قياس كلية على كلية.

فأخذ المحرم كإعطائه بجامع الملك ووضع اليد في كل الحالتين.  

3- قواعد متفرعة عنها:

   يعبر عنها بتعبيرات أخرى لا تختلف في شكلها كثيرا، أما مضمونها فواحد فيقولون:

– إذا حرم أخذ الشيء حرم إعطاؤه.

– الإعطاء كالأخذ في الحرمة.

– ما يفضي إلى الحرام حرام، وهذه الصيغة تكون معبرة عن مضمون القاعدة المدروسة باعتبار النظر إليها من جهة أن الأخذ مفض إلى الإعطاء غالبا.

4- تطبيقات هذه القاعدة:

     يمكن أن نستجلي بعض تطبيقات هذه القاعدة من خلال تناثر في كتب الفقه من مسائل، أثناء حديث الفقهاء على حرمة ملك المحرمات، ثم نقيس على ملك تلك الأعيان المحرمة الأخذ والإعطاء، وعليه سـأذكر من تطبيقـات هذه القاعدة أنه:

– لا يجوز للمسلم أن يستأجر النائحة، لأن أخذ الأجرة على النواح لا يجوز شرعا، فيقاس عليه إعطاؤه.

– لا يجوز للمسلم أن يستأجر المغنين، لأن أجرة المغني لا تحل له، فكان إعطاؤه له حرام أيضا.

– لا يجوز للمسلم استئجار الواشمة وكل ما تفعل كفعلها لأن أخذ الأجرة على الشم لا يجوز شرعا، فكان إعطاؤه إياها حراما أيضا.

– لا يجوز للمسلم أن يأخذ ماله فائدة ربوية، لأن الفائدة المضافة إلى المال من غير جهد ربا لا يجوز شرعا، وكما لا يجوز له أخذ الربا لا يجوز له كذلك إعطاؤه. 

– لا يجوز للمسلم أن يقبل من غيره رشوة على فعل من الأفعال: كما لا يجوز له إعطاؤه، لأن الرشوة محرمة شرعا.

– ومن تطبيقاتها ما جاء في البيوع المنهي عنها حيث أوردها القاضي أبو الوليد الباجي في شرح باب “ما جاء في ثمن الكلب” قال رحمه الله: (وقوله صلى الله عليه وسلم: “ونهى عن مهر البغي” يريد ما تعطاه الزانية من استباحتها و”حلوان الكاهن” وهو ما يعطاه الكاهن لتكنه لأنه أكل المال بالباطل ولأن التكهن محرم وما حرم في نفسه حرم عوضه كالخمر والخنزير)[4].

5- مستثنيات القاعدة:

     من المشهور عند الفقهاء أن من القواعد عدم اطراد القواعد، ولذلك قلما تجد قاعدة  لا تشد عنها بعض الجزئيات: ولما كانت القاعدة التي نحن بصدد تحليلها قاعدة غير مطردة اطرادا كليا: فإن معنى ذلك أنه قد شئت وخرجت عن مقتضيات بعض المسائل، وعليه فسأحاول سرد بعض هذه الفروع:

– يجوز للمسلم أن يدفع ويعطي الربا للمقرض إذا كان محتاجا احتياجا ضروريا حسب ما هو مسطر في مقاصد الشريعة من ضوابط الضرورة، وذلك دفعا للحرج ورفعا للمشقة، أما المقرض فيحرم في حقه الأخذ، وإنما يعتبر هذا استثناء لأننا جوزنا للمستقرض دفع الربا وهو عليه كذلك.

– يجوز للمسلم الكفء أن يدفع بعض ماله ويعطيه للسلطان أو من ينوب عنه رشوة لتسوية أمره أو الحصول على عمل إذا علم أنه ليس يحصل على ذلك إلا بالرشوة: وأنه أحق بذلك المنصب من غيره لكفاءته.

– يجوز للمسلم الوصي على مال اليتيم أن يعطي بعضا منه لتخليص الباقي، إذا كان في يد جهة باغية مثلا[5].

وفي كل هذه الحالات يكون الدفع محرما على الآخذ دون المعطي. وكل حالة تقدر بقدرها، بناء على قاعدة: “الضرورات تقدر بقدرها”.


[1]– شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا، الصفحة: 218.

[2]– نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، للدكتور محمد الروكي، الصفحة:116.

[3]– سورة المائدة / الآية: 3.

[4]– المنتقى للإمام الباجي، ج:3 / ص:13-14. (دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى: 1332هـ).

[5]– انظر المثالين وغيرهما في كتاب: الأشباه والنظائر لابن نجيم، الصفحة: 183، وما بعدها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: