لعلكم تتقون

قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) سورة آل عمران آية (102)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي .

إن المتأمل في أوامر الله تعالى في كتابه العزيز وما أمر به على لسان نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى وجه الخصوص تلك التي تتحدث عن العبادات وأصل مشروعيتها يجدها دوما تشير إلى هدف منشود إما تصريحا أو تلميحا، ومهما اختلفت الصورة فإن الهدف واحد في كل الأحوال، يقول تعالى: (يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) سورة البقرة آية 21، فإن الهدف من العبادة هو الوصول إلى طريق التقوى ومسالك المتقين، والتقوى هي ذلك الأساس الذي يقوم عليه أمر هذا الدين، فبالتقوى يصلح الأمر أولا وآخرا، وينعم الناس بالسعادة التي ينشدون في الدنيا والأخرى وينجون مما يخشون من العذاب، قال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض) سورة الاعراف آية 96، وقد أمر الله المؤمنين بالتقوى، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً..) سورة الاحزاب آية (70)، وقال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) سورة التغابن آية (16)، فالتقوى هي التزام من العبد تجاه مولاه تعالى، يقوم على أساس الخشية والالتزام بالطاعات واجتناب النواهي، فهو التزام جامع في كل جوانبه لمعاني الخير والفضيلة، والأصل في ذلك الالتزام أن يجعل العبد بينه وبين خالقه ما يخافه ويحذره فيكون واقيا له، بمعنى أن العبد المتقي لربه يجعل سدا وحجابا بينه وبين غضب الله وسخطه ولا يكون هذا الحجاب وذلك السد إلا بفعل الطاعات وترك المعاصي، قال عمر بن عبد العزيز: ليس التقوى بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله.

وحقيقة التقوى تقوم على العمل بطاعة الله إيماناً واحتسابا أمرا ونهيا، وقد قال طلق بن حبيب في معنى ذلك ( إذا وقعت الفتنة فاطفئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله).

ويروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في معرض حديثه عن التقوى أنه قال: (التقوى أن يطاع الله فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر)، أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال عنها: (هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل).

والتقوى دعوة حق صاحبت دعوة التوحيد التي جاء بها الأنبياء والرسل جميعا فأمروا بها أقوامهم الذين أرسلوا إليهم بها، يقول الله تعالى حكاية عن سيدنا نوح عليه السلام: (كذبت قوم نوح المرسلين، إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون، إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون) سورة الشعراء آية (105-108)، وقال تعالى حكاية عن سيدنا هود عليه السلام: (كذبت عاد المرسلين، إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون( سورة الشعراء آية (123-124)، وهاهم رسل الله تعالى صالح ولوط وشعيب عليهم السلام يقول الله تعالى حكاية عنهم: (كذبت ثمود المرسلين، إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون)(سورة الشعراء آية (141-142)، وقال تعالى: )كذبت قوم لوط المرسلين، إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون( سورة الشعراء آية (160-161)، وقال تعالى أيضا: )كذب أصحاب الأيكة المرسلين، إذ قال لهم شعيب ألا تتقون( سورة الشعراء آية (176-177).

والتقوى محلها القلب، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) رواه البخاري ومسلم، وهذه المضغة هي ذلك القلب القابع في صدر العبد، يشير إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يحقره ولا يخذله، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، التقوى هاهنا.. التقوى هاهنا.. التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاثا – كل المسلم على المسلم حرام .. دمه وعرضه وماله) متفق عليه.

إن التقوى هي الثمرة المرجوة من العبادات والحدود والأخلاق، قال تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) سورة البقرة آية (21)، وقال تعالى: (ولكم في القصاص حيـاة يا أولي الالباب لعلكم تتقون) سورة البقرة آية (179).

وفي الصوم يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) سورة البقرة آية (183)، ومن هنا كان حرص السلف الصالح رضوان الله عليهم على حصول التقوى في أنفسهم وقلوبهم، فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يختلى مع نفسه ويحدثها قائلا: (والله لتتقين الله أو ليعذبنك) رواه الإمام مالك كتاب 56 باب 10ج 24 .

وللتقوى فوائد عظيمة وآثار جليلة ترى واضحة في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات في الدنيا، ومثلها يجدها العبد في الحياة الأخرى، نذكر منها:

الهداية إلى سبيل الرشاد، قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) سورة البقرة آية (2).

ومنها: الفلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (واتقوا الله لعلكم تفلحون) سورة البقرة آية (189).

ومنها رفعة درجات المتقين على غيرهم من الكافرين في الآخرة، قال تعالى: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا، والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) سورة البقرة آية (212).

ومنها: أنها سبب في قبول الأعمال وقبول أصحابها، قال تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين) سورة المائدة آية (27).

ومنها: معية الله للمتقين، قال سبحانه: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) سورة النحل آية (128).

ومنها: ولاية الله للمتقين، قال تعالى: (والله ولي المتقين) سورة الجاثية آية (19).

ومنها: محبة الله عز وجل لهم، قال تعالى: (إن الله يحب المتقين) سورة التوبة آية (7).

ومنها: التقوى سبب في المخرج من كل ضيق وسبب في سعة الرزق، قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب) سورة الطلاق آية (2-3).

ومن ثمار التقوى العلم والزيادة والبركة فيه، قال تعالى: (واتقوا الله، ويعلمكم الله، والله بكل شيء عليم) سورة البقرة آية (282).

ومنها: تيسير المتعسر من الأمور بعون الله لمن كان تقيا، قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) سورة الطلاق آية (4).

ومنها: الأمن والأمانة والبشرى في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون) سورة يونس آية (62-63).

ومنها: النجاة من النار، قال تعالى: (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) سورة مريم آية (72).

ومنها الفوز بالجنة والنعيم المقيم، قال تعالى: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم) سورة القلم آية (34).

ومن هنا ولهذه الآثار والفوائد العظيمة التي تتحقق من التقوى كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء الجيوش بل ولكل واحد من أصحابه رضوان الله عليهم جميعاً، وكانت وصية الرسول صلى الله عليه وسلم للناس في حجة الوداع يوم النحر بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم.. وقد وعظ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم الناس مرة، فشدد وأطال، فقالوا له: كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة) رواه أبو داود والترمذي، ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها، فها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في خطبته: (أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله..) وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله: (أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل فإن من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك) وقيل لرجل من التابعين عند موته: أوصنا، فقال: أوصيكم بخاتمة سورة النحل: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).

كما أنه لأهمية التقوى ولما يترتب عليها من آثار وفوائد فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله تعالى بنيلها: (اللهم إني أسأك الهدى والتقى والعفاف والغنى).

وللتقوى درجات: أولها أن يتقي العبد الكفر والشرك وكل متعلقاتهما، قيل لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله بالعبادة، وهذا هو مقام الإسلام وأقل ما يجب على العبد أن يفعله من التقوى حتى يعد مسلماً، وثاني درجات التقوى: أن يتقي العبد المعاصي والمحرمات، وثالث درجات التقوى أن يكون العبد متقيا للشبهات حتى لا يقع في المحرمات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس) رواه الترمذي وابن ماجة.

إن من أراد أن يرقى في معارج المتقين فعليه الأخذ بالأسباب الباعثة على ذلك وتنميتها في قلبه، وأهم هذه الأسباب الخوف من الجليل سبحانه وتعالى واستشعار مراقبته لعبده وحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وذكر الموت والبلى.

ونتيجة التقوى الفوز بالرضوان والرحمة والنعيم المقيم، قال الله تعالى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) سورة الزمر آية 73 .

ربنا اجعلنا من عبادك المتقين ومن ورثة جنة النعيم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: