لا نخبة في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

المحاور :
مقدمة
1- الهدي النبوي
2- النخبة صناعة جبرية
3- محو الطبقية قبل التمكين

مقدمة :

في فقه السلطان العاض على الأمة تم تهميش عموم المسلمين بل تحقيرهم فسموا رعاعا ودهماء وغوغاء وفي مقابل هذا التحطيم المقصود لمعنويات المسلمين تم اصطناع فئات تدور مع السلطان حيث دار سموا ” أهل الحل والعقد ، سادة القوم ، وجهاء الناس … ” وفي عصرنا سموا ” نخبة ” وسمى القرآن أمثالهم في الأمم السابقة ” ملأ ”
مهمتهم الوصاية على الأمة والحجر عليها كما يُحجر على السفيه أو الصغير. وترسخ هذا الفهم الاستبدادي السلطوي حتى ظنه الناس دينا من الدين فكممت أفواه ومنعت آراء وشلت طاقات كانت كفيلة بأن تبوئ الأمة مقام القيادة والريادة .

1-الهدي النبوي

تلقى الصحابة رضي الله عنهم القرآن آيات بينات يتلوها عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقوه عملا مجسدا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقوه تربية منه عليه السلام يعلم ويزكي ويزيل ما في النفوس من بقايا جاهلية لَمَّا تندرس بعض خصالها . ” إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ” قالها صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه تقريعا وتأديبا لما عَيَّر رجلا أمُّه أعجمية وهكذا تكرر التعليم النبوي يعالج أمراض النفوس ويرسخ فيهم مبدأ ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم “( الحجرات 13 ) حتى صارت المرأة تراجع الخليفة فوق المنبر وتحاجه فلا يجد حرجا في أن يعترف بالخطإ ” أصابت المرأة وأخطأ عمر ” وكيف لا وهو الذي شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتنازل عن رأيه لرأي الحباب بن المنذر رضي الله عنه . الحباب رجل من الجند يحاور بأدب جَمٍّ القائد المؤيد بالوحي والمعجزات : ” يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال : يا رسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نغور ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أشرت بالرأي ” 1

لا حصر للروايات التي تخبر عن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي فلان من الناس في الحرب أو السلم أو استماعه لفلانة تجادل وتشتكي إلى الله أو مشورته لأزواجه في القضايا الكبرى – رضي الله عن ام سلمة وعن الأزواج الطاهرات – وعلى هديه سار الخلفاء من بعده رضي الله عنهم قبل أن تُنْقض عروة الحكم فيستبد الملوك بالأمر ويحيلونها طبقية مقيتة .

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله : ” فلا يعرف الإسلام نُخبوية المثقفين، ولا يعترف بالتنظيم الطبقي الذي يقسم الأمة أو يُبقيها كما قسمتها الفتنة. ميزانُ القَبول التقوَى والعملُ الصالحُ. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات، 13). 2

يقول المعترض فما بالنا نقرأ ” من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ” وونقرأ حديث ” إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ” 3 .
وغيرها من النصوص التي تظهر نوعا من ترسيخ النخبوية ؟!! قلت تلك حال قائمة قبل الإسلام لا يسعه إلا أن يوجه ويؤلف ريثما تتزكى النفوس بالاصطفاف في الصلاة والجهاد وبرؤية المربي الأعظم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويجلس بين الناس فلا يميزه الغريب . تتزكى النفوس عندما تجلس تسمع الحديث من أبي هريرة رضي الله عنه واحد من أهل الصفة الفقراء ولما تجاهد تحت راية أسامة بن زيد رضي الله عنهما ذاك الغلام الأفطس وعندما تستجيب لآذان بلال رضي الله عنه الحبشي الأسود .

2 – النخبة صناعة جبرية :

بعد أن كانت الأَمَة ( المرأة ) تعترض وتحتج وتقترح وتشير وتغزو وتُغِير صارت الأُمَّة بأسرها رهينة مسلوبة الحرية والقرار يجثم على صدرها ملوك العض والجبر ويصادر رأيها ” أهل الحل والعقد ” ومن على شاكلتهم .

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى : ” نَجد في تراثنا الفقهي مفهوما اجتهد في التمكين له الفقهاء في فترة ما بعد الانقضاض الأموي. هذا المفهوم هو «أهل الحل والعقد». وتُشَكِّلُ هذه العبارة التي لا سند لها من كتاب ولا سنة تسلُّطا مغناطيسيا على عقـول المقلدين. تشكل استبدادا بخيال بعض الإسلاميـين حتى يظنون أنَّ «أهل الحل والعقد» بَندٌ من بنود العقيدة وركيزة ثابتة من ركائز الإسلام. ولا بد لنا من الخروج من طائلة هذا المفهوم الغامض لكيلا نُحيلَ الشورى على مجهول له من جهالته وغموضه سلطة الأغوال الفاتكة.” 4

فكرة ” أهل الحل والعقد ” مناقضة تماما لمبدإ الشورى المأمور بها كالصلاة والزكاة .
قد يكون في هذه الطبقة صادقون وعلماء لكن هذا العلم يحملهم مسؤولية خدمة الأمة لا الوصاية عليها وتعليمها لا تحقيرها والاستماع لها لا إخراسها.
سذج هم رغم صدقهم وعلمهم ما داموا أدوات في أيدي السلطان يزينون وجهه الكالح ويبررون استبداده ويثبطون الأمة لا تنتفض .
في عصرنا ومع تطور أدوات الاستبداد يصنع الاستبداد نخبا متنوعة اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية وفنية وإعلامية كلها تأتمر بأمره ولا تحيد عن نهجه .

3- محو الطبقية قبل التمكين :

بين يدي نصر الله الموعود وفي سياق الأخذ بالأسباب لا بد من محو الطبقية في الأمة سعيا للاستفادة من كل مجهود وكشفا للطاقات المكبوتة .لا بد من تقدير عموم المسلمين دون الاستهانة بأي فرد . لا بد من اقتداء كامل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الإمام ياسين رحمه الله : ” إن مَحْوَ الطبقية ورفعَ الحواجز المادية والنفسية بين طبقات الأمة هدف إسلامي، تحقَّقَ مرة في تاريخنا، ونرجو أن يمُنَّ الله الغني الحميد علينا بالحضارة الأخوية التي تنشُدُها البشرية فيتحقَّقَ مرة أخرى. دخول جند الله إذن وسَطَ السواد الأعظم لاستعادة ثقته يقتضي منا أن نهيئَ نفوسنا للتنازل عن كل ما علِقَ بنا من مُخَلَّفاتِ الماضي. فإن السوادَ الأعظم من الأمة لا يثق بكثير من المثقفين ولا بالحكام، لأنه عانى من احتقارهم وظلمهم ” 5

قلت رحم الله الإمام يستعمل مفهوم ” السواد الأعظم ” تقديرا لعموم المسلمين وعرفانا بإمكانياتهم .

يقول أيضا : ” في فترة الإعداد والزحف نُرَبِّي العامة، ونجند الشباب، ونختار الرجالَ، ونساعد كل ذي استعداد لصعود مراقي الإيمان والهجرة والجهاد. وبعد القومة لن نجد قوة على مغالبة مشاكل الحكم والبناء إلا في السواد الأعظم ” 6

الهوامش :
1 – سيرة ابن هشام – الجزء 1 – ص 620
2 – كتاب امامة الأمة – ص 14
3 – سنن ابن ماجه -3712- كِتَابُ الْأَدَبِ – :ُ
4 – كتاب العدل – ص 658
5 – إمامة الأمة – ص 15
6 – نفسه ص 16

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: