قواعد في وجوب استقلال الدعوة ومؤسساتها عن الدولة وأجهزتها

القاعدة الأولى: تحرير العلماء من ربقة  الحكام شرط لضمان استقلال الدعوة

إذا كان وازع القرآن أصلا ووازع السلطان استثناء، فإن من أولى  أولويات الدولة “السلطان” التمهيد للدعوة “القرآن”، ولن يتأتى ذلك إلا بتحقق الاستقلال التام للدعوة  ومؤسساتها عن الدولة وأجهزتها، وتحرير العلماء من ربقة الحكام. ولئن كان الترابط بين كل من الدعوة والدولة في العهد النبوي والراشدي قائما، ومن المعلوم من الحكم بالضرورة، فإنه بفعل انفتاح باب الفتن، إما أن تذوب الدعوة وعلماؤها في الدولة أو تحارب وتضطهد. لذلك  نرى أن إعادة الأمر إلى نصابه يتطلب إعادة الثقة بالعلماء وإعطائهم المرتبة اللائقة بهم في النسيج العام، الاجتماعي  والسياسي والاقتصادي للأمة فالعلماء قبل التمكين الوشيك للدين كانوا ضحايا الاستبداد، وبعده هم منهل الاستمداد ومنبع الاستعداد لإعادة عرى التي انتقضت إلى مكانها” لقد مثل الانفصام بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية التربة الخصبة لأمراض الأمة اللاحقة والتي جعلتها اليوم تقف فكريا وماديا مبهورة الأنفاسعاجزة ومهددة في صميم وجودها وكيانها أمام التحدي الغربي المعاصر”[1].

يمثل العلماء في زمن الصحوة الإسلامية التي عمت بلاد المسلمين ذخرا غاليا لمستقبل التمكين، يمدون العاملين في الدعوة الإسلامية بالأطر الكافية الحيوية، التي بها تحيى النفوس الناشئة على معاني الإسلام والإيمان والإحسان، لكن بشرط التحرر من التبعية للسلطان أو الدولة، بل بروح الاستقلال المادي والمعنوي عن دواليب الدولة مع اكتساب الحق المطلق في مراقبة الحكام ومدى سيرهم في اجتهاداتهم السياسية على السبيل الرشيد، فيكون أولو الأمر من العلماء أولا، ثم من الحكام ثانيا لتكون صورة الحكم الإسلامي كاملة ناصعة.

تعد القوانين المنظمة والضامنة لحرية العلم والعلماء في دولة الإسلام، ولا يكون احترامهم وتبجيلهم من قبل الحكم والحكام مجرد احترام الخدم والحشم، لكن تنص القوانين على أن لهم المقام الأول في القيان بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمنهج الحكم الفاسد على مر التاريخ إبعاد أهل العلم أو تدجينهم أو احترامهم والسلام، في حين أن الأصل  في ذلك أن يكون لأهل الدعوة والعلم مركز القيادة العامة للمجتمع، كان عمر بن الخطاب  رضي الله عنهم يستعمل الأكفاء في ميادين التنفيذ، ويعزم عزمة أمير المومنين على ذوي السابقة من المهاجرين والأنصار ألا يبرح أحد منهم المدينة مجيبا المتسائلين عن ذلك:”أكره أن أدنسهم بالعمل” لم يكن ذلك خوفا من تعدد مراكز التوجيه وتهديد وحدة المسلمين، وإنما يريد أن يبقى رجال الدعوة في مقام الوظيفية الإحيائية التغيرية لما بالمسلمين.

القاعدة الثانية: رجال الدعوة لا ينشغلون عن التزكية والاستقامة بالعمل السياسي.

تحتل هذه القاعدة أهمية قصوى في سياق استقلال الدعوة عن الدولة، فطبيعة الدنيا بما فيها معالجة قضايا الحكم في الدولة الحديثة من شأنه الإلهاء عن ذكر الله تعالى وإقامة الشريعة في الناس: رجال الدعوة لا ينبغي أن تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ذلك أن مواطن نور الحق إنما تتنزل على الرجال الذين يتعرضون لنفحات هذا النور من غير انشغال عنه بغيره ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (سورة النور الآيات 35، 36، 37).

مسألة في غاية الدقة والأهمية، وهي أن الدعوة، يجب أن لا تخضع لتقلبات تسيير شؤون الدولة من توفيق مرة وفشل مرة أخرى، بل ينبغي أن يرتبط مصير الدعوة ببقاء هذا الدين، يفضي به جيل إلى جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. معركة البرامج السياسية ومدى نجاحها أو عدمه في منأى عن واجب الحفاظ على جذوة الإيمان في النفوس، فالعبرة بحامل الرسالة، الإنسان المكلف لا بفشل الجهد في تحقيق المراد المقصود منها.

الشخصية الإيمانية القوية في ذات الله لا تصدها عن الوجهة العليا طلب رضى الله تعالى، وانتشار دينه في العالمين تعرجات السياسية وتلويناتها: تلين للناس، تبتسم، وتبشر، وتيسر لا تعسر، وتخالق الناس بالخلق الحسن، وتلقاهم بالبشاشة الدائمة. شخصية رجال الدعوة شخصية  معتدلة حريصة على تأليف جماعة المومنين، بتماسكها التنظيمي، وتغلغلها في أوساط الأمة  يتأسس الجسم المعافى الذي يجمع بين مقتضيات الدعوة والدولة و بين باعث القرآن ووازع السلطان، في انسجام تام وتكامل بين.

موطن عمل رجال الدعوة هو منتديات الناس، ومراكز الـتأثير في المجتمع، وغايته حماية الدين من أن تضيع آصرته، وحراسة الإيمان أن تنطفئ جذوته. ويشمل ذلك كلا من المسجد وأنشطته، والتعليم ومؤسساته، والعمل الخيري ومنتدياته…ورعاية الدعوة للدولة “إنما هي عند المومنين الذين يؤدون الصلاة شريعة دائمة متوالية يقيمونها بحركات مسنونة لكل الجوارح لا تضطرب، وبكلمات تنطق بحد يضبط مخرج كل بنت شفة، ومجاهدات موصولة لإخلاص مناجاة الله صرفا للهموم العارضة على الخاطر أو الأحداث الطارئة حولا شاغلة، وتجردا نحو القبلة ظاهرا وباطنا ومحاولا لبلوغ الإحسان… المؤمنون بمثل هذه التزكية، وبذكر الله الذي لا ينقطع عنهم، يباشرون سلطة الراعي الحاكم بتقوى وإحسان. والسلطة أخطر المزالق التي تغرق في بحار شهوات النفس للعلو على الحدود والخلود في الموقع والمنصب”[2]. أقول إن العصمة من خطر حب الرئاسة هو أن لا يبرح رجال الدعوة العلماء الثغرة الخطيرة التي منها تأتي الفتن، وأسباب الانهيار وهي معالجة النفوس وتزكيتها، وتطوير الكيفيات التي بها يتحقق  هذا المقصد الأسمى مقصد الدين بما هو إسلام وإيمان وإحسان.

وأكثر من هذا، ينبغي للدعوة بما هي تربية على معاني الإسلام والإيمان والإحسان أن تضع البرامج والوسائل لإعداد وتأطير وتأهيل المشاركين في الفعل السياسي على كافة المستويات من منتخبين وبرلمانيين وممثلي الجماعات المحلية والنقابات العمالية  لتحقيق الحد الأدنى المتفق عليه بين كافة المكونات السياسية، سواء كان في الدولة مسلمون فقط، أم فيها من أهل الملل غير المسلمين.

القاعدة الثالثة : الاستقلال المالي والتماسك التنظيمي للدعوة ورجالها شرط في اضطلاعهم بوظائفهم

اقترحنا في قاعدة سابقة[3] أن يكون لرجال الدعوة تنظيم محكم ومجلس  أعلى يراقب الوجهة العامة لسفينة الدولة أن تجتاحها رياح  الفتن والعواصف، ونتحدث هنا عن شرط لا يقل أهمية عن التماسك التنظيمي، هو الاستقلال المالي، فلا يكون نقطة في بحر اهتمامات الدولة، يعيش على ما تتفضل به ميزانية من ميزانيات صناديق الدولة الكثيرة والمتنوعة دون أن يكون ذلك مدخلا لطمع النفوس المريضة في الاغتناء من مال المسلمين.

وإذا راجعنا التاريخ الإسلامي وجدنا أن تحمل المسؤوليات في الدولة لم يكن يمنع رجالها من التكسب والاحتراف تحقيقا للاستقلال  المالي للدعوة  وقدرتها على الاضطلاع بمهماتها الأساسية،  من أهم الأبواب في كتاب البيوع من صحيح البخاري “باب كسب الرجل وعمله بيده” جاء فيه[4] عن عائشة رضي الله عنها قالت:”لما استُخْلِف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجزُ عن مَؤُونَة أهلي. وشُغِلْتُ بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترفُ للمسلمين فيه”.

نعم، كان سيدنا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم  يحترف البِزَازَة[5]َ، وكان ناجحا في حرفته هذه، ولما ولي أمور المسلمين عن شورى ورضى منهم، اعتبر نفسه ورعيته التي استرعاه الله إياها أمانة في عنق المسلمين، فاحترف للمسلمين من ماله مقابل أخذ ما يكفيه من نفقته وعياله من بيت مال المسلمين، وجعل يحترف ويجتهد ويوفر مداخيله  لبيت مال المسلمين، ولم يكن طامعا في بيت المسلمين حتى يبقى لمعنى الدعوة التي يرعاها أثرا في النفوس.

وفي الصحيح أيضا[6]: حدثنا محمد حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد قال حدثني أبو الأسود عن عروة قال قالت عائشة رضي الله عنها: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عمال أنفسهم وكان يكون لهم أرواح فقيل لهم ( لو اغتسلتم) رواه همام عن هشام عن أبيه عن عائشة.[7]

في الحديث الثاني نجد  أن الصحابة كانوا عُمَّال أنفسهم، لم يكن لهم أُجَراءُ ولا فرصةٌ لاستغلال النفوذ للاستغناء من المال العام. ينبغي أن تكون الدعوة والدعاة في مركز القوة، وأن تكون الدولة والسلطان في يد الأقوياء الأمناء، فيكون المقصد الأسمى للاقتصاد في الدولة الإسلامية تحقيق مصالح الأمة وأعلاها تبليغ الحق للناس. ولابد من استحداث قوانين منظمة تكفل للدعوة -بما هي مؤسسات وأجهزة، ومجالات اختصاص ومكاتب خبرة – الاكتفاء الذاتي فيما يرتبط بنفقات التجهيز والتسيير والتخطيط، والدراسات المستقبلية … وغيرها.

من أهم الموارد العامة لمالية المسلمين الزكوات، وتصرف في الأصناف الثمانية المستحقة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[8] . وخمس الغنائم في قوله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[9]. وموارد عامة أخرى تعتبر من أموال الفيء  كالخراج والجزية وغيرها، هي الواردة في قوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[10].

وهكذا يتضح” أن الله سبحانه لما بين مصارف الصدقات في آية التوبة ذكر فيها﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِولما بين مصارف خمس الغنائم في سورة الأنفال بدأها بقوله:﴿فَأَنَّ لِلّهِولما بين مصارف الفيء في سورة الحشر ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ …فالذي يؤخذ من هذا أن الصدقات وخمس الغنائم والفيء تشترك في أنها يصرف منها في سبيل الله، ولله، والمراد من الصرف لله وفي سبيل الله الصرف للمصلحة العامة التي لعدم اختصاص فرد بها نسبت إلى الله فتكون جميع الموارد مشتركة في أن يصف منها للمصلحة العامة”[11]، وعليه ” فإنه ينفق على ما يواجه المجتمع من ظروف غير عادية، إذا لم يكن في خزانة الدولة ما يواجه به ضرورات المجتمع، ومن أمثلتها الحروب والمجاعات والأوبئة والفيضانات”[12]، ولا أعظم من التبليغ عن الرسول صلى الله عليه وسلم. ولتحقيق هذا المقصد نقترح ما يلي:

  1. تحديد ميزانية للدعوة ومؤسساتها من الميزانية العامة للدولة: وتدبر بشكل مستقل وفق المقاصد العامة التي يحددها دستور الدولة، ويكون على رأس هذه المقاصد التمهيد لهداية الناس، وتعميق تمثل القيم الإسلامية.
  2. تتولى أجهزة الدعوة المحلية في القرى والحواضر عملية الترشيد الخيري للنفقات الاجتماعية: لا يعني هذا أن تتدخل الدعوة في العمل الخيري في جزئياته، ولكن عملية الترشيد وترتيب الأولويات حسب المنطقة والظروف التي تمر بها، وما تقتضيه الأهداف الدعوية الكبرى يكون من مسؤولية أجهزة الدعوة، وتحاسَب عليه وفق قوانين منظمة. كما تهتم اهتماما خاصا ببث الباعث الإيماني المؤسس  لنماء اقتصادي، والمتمثل في الكفاف والعفاف والغنى عن الناس، وإعداد القوة الاقتصادية ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ( سورة الأنفال الآية 60).
  3. تؤسَّس هيئات الخبرة للنظر في مداخيل أجهزة الدعوة ومشاريعها وميزانياتها لتحسين سبل الاستثمار والتطوير الذاتي لها تخفيفا على الدولة ونفقاتها، واستشرافا لمستقبل تكون فيه ميزانية الدعوة ملاذا للدولة، وما قد يواجهها من صعوبات وعراقيل.

كانت الموارد المالية على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في خدمة الدعوة ومقاصدها، وبعد انفتاح باب الفتن ومن أخطرها فتنة الاستغناء والترف، سطا الحكام على أموال المسلمين فصارت غايتها تحقيق مقاصد الحاكم ومن يحيط به. واليوم بعد تعاظم اهتمامات الدولة، واتساع وظائفها، صارت الميزانيات على مجالات مختلفة، ولا يكون نصيب الدعوة إلا كنصيب مجال جزئي من المجالات، فيتنافس المسئولون الدنيا وتصد عن غايات الدعوة ومقاصدها، عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للصحابة رضي الله عنهم  يوما – وقد جاءهم رزق غزير بعد طول انتظار- : “والله ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم كما بُسِطَت على من كان قبلكم فتنافسوها (أي فتتنافسوها) كما تنافَسوها وتُهلككم كما أهلكتهم[13]،  وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال:” آلْفَقْرَ تَخَافُونَ والذي نفسي بِيَدِهِ لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا حَتَّى لاَ يُزِيغَ قَلْبَ أَحَدٍ مِنْكُمْ إِزَاغَةً إِلاَّ هِيَهْ وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ ». قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ صَدَقَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَرَكَنَا وَاللَّهِ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ.[14].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أزمة العقل المسلم لعبد الحميد أبو سليمان ص 45،46.

[2]  السياسية والحكم للدكتور حسن الترابي ص109

[3] أنظر العدد 8 من منار الهدى المخصص لملف الدولة الإسلامية والدولة المدنية: مباحث في قواعد العلاقة بين الدعوة والدولة (ص.65-67).

[4] الحديث رقم 2070.

[5]  تجارة بيع الثياب.

[6] كتاب البيوع- باب كسب الرجل وعمله بيده، الحديث رقم 2071.

[7] ( عمال أنفسهم ) يعملون بأيديهم ويكسبون لأنفسهم . ( أرواح) جمع ريح بسبب تعرقهم . ( لو اغتسلتم ) لحضور الجمعة

[8] سورة التوبة الآية 60

[9]  سورة الأنفال الآية 41

[10]  سورة الحشر الآية 7

[11] السياسة الشرعية  العبد الوهاب خلاف ص134.

[12] الثروة في ظل الإسلام للبهي الخولي ص23.

[13] رواه الشيخان والترمذي.

[14]  أخرجه ابن ماجة في سننه – باب اتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الحديث رقم5.

اظهر المزيد

د.عبد الصمد الرضى

رئيس شعبة التربية الإسلامية بالمركزالجهوي لمهن التربية والتكوين البيضاء- سطات. مدير المركز الدولي للبحث العلمي. مستشار ومؤلف في المجال التربوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: