منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قواعد تدبير الاختلاف بين المؤمنين

0
اشترك في النشرة البريدية

إن الاختلاف سنة كونية من سنن الله تعالى في خلقه، كما أشار إلى ذلك الحق سبحانه في قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)[1]. ومن تجلياتها اختلاف الليل والنهار، واختلاف الألسن والألوان مصداقا لقوله تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِين)[2].

وحتى يكون الاختلاف ظاهرة طبيعية معتبرة، وآلية هادفة نافعة بعيدة عن الخلاف المذموم الذي يشتت الصف ويزرع الأحقاد بين المؤمنين، ويبدد الجهود المبذولة؛ جدير بنا أن نحيط بفقه الاختلاف من حيث مفهومه لغة واصطلاحاً، وأنواع الخلاف والأسباب المؤدية إلى وقوعه، مع الوقوف على بعض الأمثلة من الخلاف بين الصحابة في عصر النبوة، من أجل استخلاص بعض العوامل لتقليص وقوع الخلاف بين المؤمنين.

ولتفصيل هذا سنتبع الخطة الآتية:

المحور الأول: تعريف الخلاف والاختلاف.

المزيد من المشاركات
1 من 75

المحور الثاني: أنواع الخلاف وأسباب وقوعه.

المحور الثالث: أمثلة من وقوع الخلاف بين الصحابة.

المحور الرابع: عوامل تقليص وقوع الخلاف بين المؤمنين.

المحور الأول: تعريف الخلاف والاختلاف

أولا: تعريف الخلاف لغة :

الخلاف لغة: مصدر خالف، كما أن الاختلاف مصدر اختلف، والخلاف هو: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافاً، وتخالف الأمران واختلفا، لم يتفقا، وكل ما لم يتساوَ فقد تخالف واختلف، قال سبحانه (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ)[3].

إذا الخلاف والاختلاف في اللغة: ضد الاتفاق، وهو أعم من الضد، قال الراعب الأصفهاني مؤكدا هذا: “الخلاف: أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين”[4].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 18

فمثلا: السواد والبياض ضدان ومختلفان، أما الحمرة والخضرة فمختلفان وليس ضدين، والخلاف أعم من الضديّة؛ لأنه يحمل معنى الضدية، ومعنى المغايرة مع عدم الضدية[5].

ثانيا: الاختلاف والخلاف في الاصطلاح:

الخلاف والاختلاف كما جاء في المصباح المنير هو: “أن يذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر”[6].

وعرفه الجرجاني في كتابه التعريفات[7] بأنه: “منازعة تجري بين المتعارضين؛ لتحقيق حق أو لإبطال باطل”.

ثالثا: الفرق بين الخلاف والاختلاف:

أوضح الفرق بينهما أبو البقاء الكَفَويُّ رحمه الله في كليَّاته[8] من أربعة وجوه وهي:

” 1 ـــــ الاختلاف: هو أن يكون الطريق مختلفا، والمقصود واحد، والخلاف: هو أن يكون كلاهما ــ الطريق والمقصود ـــ مختلفا.

2 ـــــ الاختلاف: ما يستند إلى دليل. والخلاف: ما لا يستند إلى دليل.

3 ــــ الاختلاف: من آثار الرحمة، فقد خلقنا الله مختلفين لا لنتصادم بل لنتكامل، تحت مظلة الاختلاف والتنوع كل يدلي برأيه وإن تباينت الآراء،  أما الخلاف: من آثار البدعة يحدث في الأمة الشرخ والشقوق، ويخلق الأحقاد والضغائن ولا يوحد الأهداف بل يشتتها وتغدو كل فئة ولها هدف فتتصادم لتثبته.

4 ــــ الاختلاف: لو حكم به القاضي لا يجوز فسخه من غيره، بينما الخلاف: يجوز فسخه.

وخلاصة قوله: إنه إذا جرى الخلاف فيما يسوغ سمي اختلافاً، وإن جرى فميا لا يسوغ سمي خلافاً.

المحور الثاني: أنواع الخلاف وأسباب وقوعه.

أولا: أنواع الخلاف:

يمكن أن نقسم الخلاف إلى اختلاف تنوع واختلاف تضاد.

النوع الأول: اختلاف التنوع.

وهو ما لا يكون فيه أحد الأقوال مناقضا للأقوال الأخرى، بل كل الأقوال صحيحة وهذا النوع يكون في الأمور التي شرعت متنوعة، فيختلف العلماء في استحباب واحد منها، وتقديمه على غيره، مثال على ذلك في وجوه القراءات، فمن يقرأ مثال في الفاتحة: (مالك يوم الدين) وهو يعلم صحة قراءة من قرأ (ملك يوم الدين) فلا يكون هذا مناقضا لهذا، فالكل يعلم أن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف كما ثبت في الحديث المتفق عليه، وكل هذه الأحرف ثابتة صحيحة قد نزلت من عند الله تعالى.

فهذا النوع من الخلاف بين الأمة أمره سهل يسير.

النوع الثاني: اختلاف التضاد.

وهو أن يكون كل قول من أقوال المختلفين يضاد الآخر ويحكم بخطئه أو بطلانه، ويكون في الشيء الواحد كأن يقول البعض بحرمته والبعض بحلِّه.

وهذا النوع من الخلاف مذموم خصوصا إذا كان في الأصول.

أسباب الخلاف:

من الخلاف ما يكون مذموما، وأسباب هذا النوع من الخلاف يمكن إرجاعها إلى ما يلي[9]:

1 ـــــ الجهل: فكثير من الناس يجهلون الأمر المشروع المسنون الذي يحبهّ الله ورسوله، والذي سنّه الرسول صلى الله عليه وسلم.

2 ـــــ الظلم والبغي: قد يقع الاختلاف بسبب ظلم بعض هذه الأمة لبعض، وبغي بعضها على بعض، وبسبب الظلم والبغي يقع النهي عن أمور شرعها الله على سبيل الوجوب أو الاستحباب، وقد يأمرون بما نهي الله عنه، وقد وقع أهل الكتاب في هذا المرض الخبيث، وذمهم الله بذلك، قال: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)[10]، وهذا الاختلاف يكون بسبب التباغض والتدابر والتحاسد، فيحمل ذلك فريقا على مخالفة الفريق الآخر  في أقواله وأفعاله وإن كان حقاً.

3 ـــ الهوى واتباع الظن: الهوى ما تهواه النفس، وتميل إليه، والهوى إن لم يكن محكوما بالكتاب والسنة يوقع في المذموم.

ونخلص مما سبق أن هذه الأسباب الثلاثة وما في معناها ـ كما قال أبو إسحاق الشاطبي ــ راجعة في التحصيل إلى وجه واحد: وهو الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرُّص على معانيها بالظن من غير تثبت، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم[11].

المحور الثالث: أمثلة من وقوع الخلاف بين الصحابة

أول ما نبدأ به في خلاف الصحابة فيما بينهم ذلك الحدث الذي حدث بين الصحابة رضوان الله عليهم حينما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، حيث أخرج البخاري في صحيحه وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لمّا رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال: بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي؛ لم يرد منا ذلك، فذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يعنف واحداً منهم.

وجه الدلالة :

الحديث يدل دلالة واضحة بينة على ما كان عليه الصحابة الأخيار من احتمال الخلاف الدائر بينهم؛ وسعة صدورهم، وعدم الضيق ذرعهم بخلاف بعضهم بعضاً؛ فلم يثبت أن ذلك الخلاف كان سبباً في بغي بعضهم على بعض أو تعدي بعضهم على بعض.

ومن الأمثلة المشرقة في الخلاف بين الصحابة أيضا ذلك الخلاف الذي حدث بين عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في بعض المسائل على كثرة التشابه بين منهجهما الفقهي؛ حيث أوصل ابن القيم رحمه الله المسائل التي اختلفوا فيها إلى مائة مسألة من جملتها:

أن ابن مسعود كان ينهى عن وضع اليدين على الركب في الركوع ويأمر بالإطباق؛ وخالفه عمر بن الخطاب.

واختلفا أيضاً في الرجل زنا بامرأة ثم تزوجها؛ فيرى ابن مسعود أنهما لا زالا يزنيان حتى ينفصلا؛ وخالفه عمر[12].

ومع ذلك الاختلاف كان ثناءهما على بعضهما هو الفيصل لذلك النزاع الذي ينم عن صدق المودة  والمحبة؛ حيث يقول عمر بن الخطاب عن ابن مسعود: كنيف ملئ فقهاً أو علماً؛ آثرت به أهل القادسية[13].

ويقول ابن مسعود عن عمر: كان للإسلام حصناً حصيناً؛ يدخل الناس فيه ولا يخرجون، فلما أصيب عمر انثلم الحصن[14]

ومن الصور المشرقة أيضا اختلاف الصحابة في توريث الإخوة مع وجود الجد، فكان زيد وعلي وابن مسعود لا يرونه، وأما ابن عباس فيخالفهم ويقول: ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً. وقال: لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين[15].

ورغم ذلك الخلاف فلا يمنع ابن عباس على جلالة قدره أن يتواضع ويأخذ بخطام ناقة زيد ويقول لزيد: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فقال زيد: أرني يديك، فأخرج ابن عباس يده فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم[16].

ولما دفن زيد قال ابن عباس: هكذا ذهاب العلم، لقد دُفن اليوم علم كثير[17].

فهذا غيض من فيض لأمثلة من قوع الخلاف بين الصحابة، وعلى هذا المنهج سار التابعون عند اختلافهم، فلم يحملهم اختلافهم بغيهم على بعضهم؛ بل حفظوا على المحبة والرابطة الإيمانية التي تجمعهم، فكيف نستفيد من هذا المنهج في تقليص وقوع الخلاف بين المؤمنين؟

المحور الثالث: عوامل تقليص وقوع الخلاف بين المؤمنين.

لتقليص وقوع الخلاف بين المؤمنين نقترح مجموعة من الخطوات هي بمثابة قواعد مهمة ينبغي التمسك بها قصد تدبير الاختلاف وإدارته بين المؤمنين.

أولا : الاحتكام إلى الشرع.

قال الله تعالى في كتابه العزيز: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[18].

وذكرنا سابقا أن الصحابة لما اختلفوا في فهم قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة“. رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له فلم يعنف واحداً منهم.

ثانيا: الحوار الهادئ وبالتي هي أحسن.

فإذا اختلف المؤمنون التجأوا إلى الحوار الهادئ و بالتي هي أحسن، فالله سبحانه أمر بالمجادلة بالتي هي أحسن، حتى مع أهل الكتاب، قال الله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)[19].

ثالثا: الشورى بين المؤمنين.

من الأمور التي تسهم في تقليص وقوع الخلاف بين المؤمنين الشورى فيما بينهم، قال الله تعالى في كتابه العزيز: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)[20]، وقال أيضا: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)[21].

وفي السيرة النبوية نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ بهذه القاعدة فكان يشاور أصحابه، كما وقع يوم بدر، وأحد، وحفر الخندق وغيرها من المواقف المشرقة من سيرة النبي عليه السلام.

وبهذه القاعدة أخذ كذلك الصحابة، وذلك لما وقع الخلاف حول مانعي الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لعمر رضي الله عنه رأي ولأبي بكر رأي مخالف، بعد المناقشة والتشاور اقتنع عمر وباقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة رأي أبي بكر فاتبعه الجميع في ظل المحبة والصفاء والإخاء فيما بينهم، وعلى هذا النهج ينبغي أن نسير.

رابعا: تفعيل دائرة المتفق عليه.

عملا بقاعدة : “نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه”، مع مراعاة المصلحة؛ لأن القاعدة تخضع للاجتهاد، والنظر وتغيير الأحوال. وهذه القاعدة ينبغي أن تكون شعار المؤمنين فيما بينهم ومع غيرهم من الحركات والأحزاب.

خامسا: الوضوح وعدم التعتيم.

من مبادئنا الوضوح والمكاشفة، سواء فيما بيننا أو مع غيرنا، وكثير من الخلافات ربما تكون بسبب إشاعة مقصودة، أو انطباع سيء لم يكن مبني على علم صحيح، أو فهم صحيح، وإلى غير ذلك من الأمور.

فينبغي على المؤمنين الالتزام بالوضوح، وأن يفهم بعضهم بعضا قبل الاختلاف.

سادسا: الاستفادة من علم الإدارة في الخلاف.

هناك كتب كثيرة في إدارة الخلاف بين الأفراد والمؤسسات والشركات، يمكن الاستفادة منها من أجل تقليص وقوع الخلافات بين المؤمنين.

ونخلص مما سبق أن من أخذ بهذه القواعد فقها وعملا، أحسن إدارة الاختلاف وتجنب الخلاف مع إخوته ومع غيره.

هوامش

[1] ــ سورة هود الآيات: 118 / 119.

[2] ــ سورة الروم: الآية 22.

[3] ــ لسان العرب لابن منظور، دار صادر بيروت، ج 9، مادة خلف، ص ص 90 91.

[4] ــ مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، ط2، دار القلم، دمشق، سنة 1412هـ/ 1992م: ص 294.

[5] ــ أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين، لعوامة محمد، دار البشائر، بيروت، ط2، 1418هـ/ 1998م، ص 11.

[6] ــ المصباح المنير في غريب شرح الوجيز، للفيومي، المكتبة العلمية، بيروت، ص 179.

[7] ــ ص 135.

[8] ــ أبو البقاء الكفوي، ص 61.

[9] ــ قاعدة مراعاة الخلاف وأثرها في الفقه الإسلامي، للعيد عباسة، ص ص ص ،47 ،48 ،49.

[10] ــ سورة آل عمران: الآية 19.

[11] ــ الاعتصام، للشاطبي، طبعة دار الفكر، ج2/ ص 126.

[12] ــ إعلام الموقعين، لابن القيم، ج2، ص 237.

[13] ــ الطبقات الكبرى، لابن سعد، ج9، ص 6.

[14] ــ مصنف ابن أبي شيبة، ج6، ص 357.

[15] ــ مصنف عبد الرزاق، ج10، ص 255.

[16] ــ الطبقات الكبرى، لابن سعد، ج2، ص 360.

[17] ــ السنن الكبرى، لأبي البيهقي، ج6، ص 211.

[18] ــ سورة الشورى: الآية 10.

[19] ـ سورة العنكبوت: الآية 46.

[20] ــ سورة آل عمران: الآية 159.

[21] ــ سورة  الشورى: الآية 38.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.